متى يمكننا فعلا البدء في كتابة رواية ما؟ ما هو النجاح الروائي؟

كان ذلك على امتداد سبع سنوات أو أكثر قليلًا، وبطبيعة الحال ينبغي أن أقول إن الكتابة في ميدان الرواية مثل السباحة في شاطئ مجهول، لا يدري أحد امتداده وعمقه، وهكذا أتصور الكاتب حين يريد الانطلاق في تدوين نص روائي جديد: أنه سباح ماهر يقف على عتبات شاطئ غريب، ترتطم أمواجه بكل الاحتمالات الأقل سهولة حتى الأكثر صعوبة، فهو يرى بين يديه هذا الماء المتلاطم من الكلام، وليس الكلام فقط، بل مزيج هائل من الأفكار التي ينبغي أن يرمم بها فجوات الكلمات، وآلاف السكتات التي تفصل بين زحام الألفاظ والعبارات، بل الأمر أبعد من كل ذلك، فالعملية تستدعي نية أخرى هي نية خلق مجتمع كامل على بياض الصفحات.

الرواية ليست سوى انسحاب رياضي حقيقي للمجتمع داخل الكلام، وهو الأمر الذي ليس في السهولة بمكان أبدًا، نعم ليس داخلًا في باب المحال، ولكن على الروائي أن يلبس بدلة المهندس المعماري الذي أُسنِد إليه مشروع تخطيط مدينة جديدة، تعطيه الحكومة المساحة الكافية والإجمالية لبناء المدينة، وكل ما يلزمه من أدوات الهندسة، ولكن رغم أنها تعرف أنه يحمل شهادة رسمية في الهندسة المعمارية، إلا أنها لا تدرك مستوى ذائقته وحدسه في كيفية بدء المشروع ولا كيف يذلل الصعاب التي يمكن أن تعترضه في التخطيط، أرأيتم كيف على الروائي أن يلبس لباس البحر ثم بدلة المهندس؟ لا ينتهي الأمر ههنا مع الأسف.

عام 2012 كنت أعمل في التعليم الابتدائي في مدرسة ريفية، أقضي زمنًا لا بأس به في المشي راجلًا (أي: على قدمي) حتى أصل إلى المدرسة، ألتقي بأصدقائي التلاميذ وقد كان عددهم قليلًا جدًا إذ لم يتجاوزوا 10 تلاميذ، كانوا يحبونني لأني لستُ معلمًا بقدر ما كنت قاصًّا أروي لهم الدرس في شكل قصصي مبهج ومضحك، وحين أعود إلى البيت كنت أشتغل على المطالعة والكتابة في بعض البحوث الشرعية الخاصة بجمع آثار أحد العلماء الأندلسيين (اسمه قاسم بن أصبغ القرطبي)، كان عملًا مضنيًا لأنه تطلب مني قراءة واسعة وبحثًا في عشرات الكتب الأندلسية في الفقه والحديث واللغة.

هذا العمل كان نتيجة اليأس من العثور على مخطوطات هذا العالم الأندلسي، إذ يكاد يتفق جميع الباحثين في هذا المجال على أن كل ما كتبه يعد اليوم في حكم المفقود، وهو الأمر الذي جعلني في حالة من الحزن والإحباط لا نظير لها، إذ إن الكتب مثل الأولاد وضياعها مثل ضياع الأولاد تمامًا، وليس هناك خدمة تقدمها لشخص ما مثل مساعدته في العثور على أولاده الضائعين، كان البحث الذي اشتغلت عليه خدمة صغيرة لأحد علماء الأندلس وهو ما أعتبره حقًا وواجبًا أتحمله بكل فخر ومسؤولية، في خضم ذلك: بين كوني راويًا جيدًا في نظر تلاميذي الصغار وبين أساي على ضياع مخطوطات ثمينة كانت نفسي تلح علي بسؤال مفاده: ما الذي يمنعك أيها الراوي الناجح مع تلاميذه أن توثق مأساة ضياع المخطوطات الثمينة؟

إنه لسؤال عجيب وأنا الذي كنت في الحقيقة قارئا نهما للروايات دون التفكير – كل ذلك الوقت – في كتابة رواية، هل يحق لي اقتحام مجال لم أكن فيه سوى قارئ؟ كانت النفس تلح أكثر وأكثر، وكأنها تريد موعدًا مع حبيبة ما، وفعلًا بدأت التفكير الجدي في تجربة الكتابة الروائية، كان ذلك مصحوبًا بحماس شديد وشغف لافتضاض ما أُقفِل عني منه، سأكتب إذًا رواية حكيت فيه أو رصدتُّ من خلاله قصة مخطوطة أندلسية ثمينة كُتب لها الضياع وصنعتُ رحلة بحث متضاربة بين شخصيات متباعدة يجمعها شغف البحث والظفر بتلك المخطوطة، وانتهى النص الذي حمل عنوان «العثمانية» بمشهد تراجيدي لا أدري هل كنت أقصده أم لا، لكنه فرض نفسه على ما يبدو، وجعل بعض القراء الأعزاء يذرفون دموع الحزن على سجن بطل الرواية مع صديقته الباحثة الأكاديمية، قالت لي قارئة: كدت أقطع أوراق الرواية يا سيدي، فضحكتُ ثم عدت إلى فراشي مساء لتصيبني الدهشة من كلامها، هل يفعل نص روائي كل هذا؟ كانت ردة فعل مئات القراء – والرواية بيعت منها 500 نسخة في خمسة أيام فقط خلال المعرض الدولي للكتاب بالعاصمة عام 2017 – كانت ردة الفعل تلك قد ألهبت حماسي لمواصلة الكتابة، ولأني صرت أتواصل مع القراء بصورة كبيرة عبر حسابي في «فيسبوك»؛ تشكلت لدي قناعة بأن هناك نصًا روائيًا ثانيًا يجول في مكان ما من ذهني، هذا النص هو الذي طالب به القراء الكرام واحتشدوا في منصة واحدة قائلين: أين الجزء الثاني لروايتك؟ ولماذا تركت النهاية مفتوحة يا رجل؟

أحسست أني زعيم سياسي فاز في الانتخابات وفي اليوم التالي خرج أنصاره في صرامة واضحة مطالبين بتطبيق الوعود التي كررها عليهم خلال حملته الانتخابية، ولكن لم أكن زعيمًا سياسيًا حتى أكذب عليهم، وهنا يتميز الساسة عن الأدباء: أنه يجوز لهم الكذب، بخلاف الأدباء الذين لا يجوز بحقهم الكذب إلا على حبيباتهم على أقصى تقدير، جمعت أوراقي اشتريت قلمًا وانطلقت في رحلة لمتابعة ماذا فعل بطل الرواية مع صاحبته، ولأني ما بين عام 2013 إلى عام 2018 أحسست بأني كبرت في السن وشاب قلبي؛ ارتأيت أن أكتب النص الثاني الذي حمل عنوان «متاهة قرطبة» بلغة صوفية فلسفية عالية، عالجت فيها الأسئلة العالقة في الرواية الأولى، وعوضًا عن أن تكون المتاهة جوابًا واضحًا قُدر لها أن تدخل القراء في متاهات أخرى وتنقلهم في عوالم التخييل التي أبطلت مفعول الزمن وجعلته مجرد شخصية روائية منبوذة عند مدخل الغار الذي احتُجز فيه بطل الرواية، كانت «متاهة قرطبة» تحديًا ضمنته الكثير من التميزات الأدبية، إذ حصرتُ أحداث النص في مكان ضيق وزمن ضيق، قراب 160 صفحة منها جرت كلها في غار مهجور على رأس جبل أعزل في بادية بعيدة، هذه الـ160 صفحة تضمنت حركة ميتافيزيقية يتيخلها البطل بين منتصف النهار حتى فجر اليوم التالي؛ ليكتشف القارئ الجواب الفلسفي الصوفي عما لم يُسجل في الرواية الأولى.

وماذا بعد؟ هل يتاح لنا أن نكتب نصًا جديدًا؟ وكيف يكون ذلك؟ بين متاهات هذه التجربة التي اختصرتها في هذا المقال؛ أقول: بين طيات هذا الكلام تكمن الدوافع التي تجعلنا نبدأ فعلًا في كتابة رواية ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد