تمهيد :

تمهيد

في البداية أحب أن أوضح أن الغرض من نشر تجربتي هذه هو نشر الفائدة لعموم الناس، أو ما أظن أن فيها الفائدة، ولعلها تلهم غيري خوض التجربة التي أرى من الواجب لكل بشري اجتيازها، وعدم تجاهلها، وأقصد بالتجربة تصحيح الإيمان بعقيدتك وعدم الوثوق بها، إلا بعد امتحانها واختبار عقلانيتها وصحتها من كل الوجوه.

لا أدعوك هنا أن تمشي في نفس المسار الذي اجتزته، أو أن تكرر تجربتي كما هي؛ فلكل أسلوبه الذي يتماشى مع نمط حياته وطريقة تفكيره، لكن المراد أن أن تحقق الإفادة بأن تُحصل الإيجابيات وتترك السلبيات.

ودون هذه التجربة يعيش الإنسان عيشة الحيوان، بل أضل؛ لأن الحيوان غير مكلف، وليست لديه الآلة لخوض تجربة مماثلة، وقديمًا قالوا: من وعى أخبار من قبله أضاف أعمارًا إلى عمره.

في الطريق

كنت وما زلت ذلك الشخص الهادئ القنوع بالراحة غير الباحث عن المشاكل وحل المعضلات من مُقَدِّسي المنطقة الآمنة، عاشقًا لها، ونادرًا ما أتحرك خارجها، وإن حدث فبالتأكيد لضرورة ملحة، وكانت ولا تزال الانطوائية لي بمثابة مذهب لمتدينٍ متعصب لا أحيد عنها، ولا أميل لمن يحيدون عنها.

لا يعني ذلك أني لا أقر بسلبيات هذا الأسلوب الحياتي، لكني هنا ليس لنقاش سلبيات وإيجابيات هذا الأسلوب، ولكنِّي أذكر كونه مُؤثرًا قويًا على جميع خياراتي في الحياة، ورغم ذلك لم يمنعن ذلك من خوض هذه التجربة.

نشأت في أسرة متدينة محافظة على التقاليد الشرقية وتعاليم الدين الإسلامي، وكان ذلك سببًا لإدخالي الأزهر؛ كون الوالد يري أنه أفضل وسيلة لتعليمي وإخوتي أمور الدين وتربيتنا على محامد الأخلاق، وهو أمر تبين لي مع الوقت عدم صحته، وأن هذه النظرة تجاه الأزهر قاصرة على من لم يدخله، خاصة في مناطق المدن، وتبين لي ذلك أكثر في المرحلة الإعدادية والثانوية، ثم أكثر منه في المرحلة الجامعية، أذكر بعض الأمثلة للدلالة على ما وصل إليه الأزهر من انحطاط أننا ونحن في المرحلة الإعدادية والثانوية كان ينتشر بيننا في الفصول تبادل الأفلام الإباحية حتى أن بعضنا كان معروفًا بأنه مورد هذه المواد، بل مما يدل على ذلك موقف لا يزال عالق في ذهني وهو لمنظر طالب يضع كتاب العقيدة علي ما نسميه «بالتختة» أو المنضدة ويجاوره زميله يشاهدان أفلامًا إباحية من تحتها، ومدرس العقيدة ذلك الكائن سليط اللسان الذي ختم قاموس لغات ولهجات الشتائم يضع السجارة في فمه، ثم يدخل يشرح ما تيسر من كتاب فضيلة الإمام كذا بن كذا، بل مما أذكره أن من بيننا طلاب عرف عنهم قضاء اليالي الحمراء ويفتخرون بذلك.

ناهيك عن التمييز الطائفي للسلفيين في الجامعة من الأشعريين الذي غالبًا ما ينتهي برسوب الطالب السلفي فقط كونه صرح بمعتقده، والمدرجات البالية، والقمامة المتناثرة هنا وهناك، وهذا غيض من فيض، ولولا الإطالة لكانت مقالة في حد ذاتها تتكلم عن حال الأزهر مما رأيت بأم عيني.

ورغم ما رأيت أثناء دراستي في الأزهر من تناقضات وأمور عظام لم أتأثر سلبيًا كثيرًا بذلك في فترة مراهقتي إلا علي قدر فضولي لا أكثر، وساعدني على ذلك ولله الحمد تربية أهلي الدينية التي عودتني على الخوف من الله عز وجل.

وأما عن توجهي السياسي في مرحلة المراهقة وما قبلها فلم تكن لدي أية توجهات غير ما تمليه عليَّ قنوات الحاكم بأمره تعالى غير المسؤول، بل السائل أبانا الذي في قصره المَشِيد، وكنت أعتقد ذلك ودون مبالغة حت  أتى اليوم المشهود الذِّي غير مصير حياتي، وهو يوم الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني).

لن أدعي كمن ادعوا أنهم من أوائل من نزلوا، بل على العكس من ذلك كنت من أتباع حزب «تامر من غمرة معانا ع التليفون» في بادئ الأمر، ومع بِدء مقارنتي بين قنوات الجزيرة والقنوات العالمية، وبين قنوات وإعلام المبارك في عمره، تبين لي مما شاهدته من سحل وقتل وتعزيب ما لا يصوره إعلام المعصوم، وهنا بدأت أُبدي بعض التعاطف الذّي سرعان ما انقلب إلى تأييد لهؤلاء الشجعان الذين سعوا إلى تحرير البلاد والعباد حتى سقط المُسير بِأمرهم.

بداية البحث

ومع فترة الحرية التابعة لانتفاضة يناير بدأت أَطّلع على عالم واسع لم يكن لدي أدنى فكرة عنه، وحينها بدأت في متابعة النشرات الإخبارية ومشاهدة البرامج الحوارية والمقابلات والوثائقيات أسعى من ذلك إلى تثقيف نفسي وتعويض هذا النقص الرهيب.

في تلك الفترة دخلت الجامعة وبدأ تديني المعتدل يتجه صوب منعطف خطير إلى تشدد بغيض، وغذّى هذا التعصب ما رأيته في القاهرة لأهلها من أنواع فساد وانحلال خلقي لم أشهد مثيلًا له في بلدتي، ومما زاد غضبي أيضًا خوض العامة، وخاصة من غير ذوي الأهلية، ولا حتى المتعلمين في أمور الدين والسياسة، ووصف الإسلاميين بالأوصاف الشنيعة في الإعلام، وتضخيم أخطائهم، وإِظهار نجاحهم وسعيهم في بعض المسائل بمظهر الشر المُطلق، وتشوييهم، مما دفعني للتساؤل: كيف يكون الحُكم للإسلاميين ويُترك أعداؤهم في كل مكان يشوهونهم؟ وما لبث أن تحول غضبي وكُرهي لتعصب على هؤلاء وعلي العوام الذّين يسيرون في ركابهم ولا حرج عليهم، فالدين مُقيِد، وقد رأو في حكم الدين نهاية مساحة حرية مخالفته المُعطاه لهم من المتدينين «الكيوت» أو هكذا كانوا يتصورون وإن لم يصرحوا بذلك علنًا .

ومما زاد تعصبي أيضًا مشاهدتي لمآسي المسلمين في سوريا والعراق ومينمار والأقليات في أوروبا ورأيت عجز الإسلاميين الديمقراطيين فرأيت الحل يكمن في الراديكالية والقول إن الأمر لا يصلحه إلا الحل الجزري الكامن في استخدام القوة لفرض سياسة الأمر الواقع.

وما لبث أن سقط الحكم الإسلامي الديموقراطي وبيد من؟ بيد مالك سبل القوة وقتها حينها تعزز لدي الإيمان بالفاشية الإسلامية وأنها السبيل الحق، رغم ذلك، ورغم تعدد التيارات الإسلامية الفاشية فلم تستهوني أي منها، فهذه مُختَرقة، وأُخرى مُغالية، وثالثة ذات مرجعية فاسدة، فنأيت بنفسي عنها جميعًا مخافة أن أقع في مُحرم.

منعطفات وطريق خَرِب

وفي أحد أيام إمتحاناتي الجامعية أعطاني رفيق حُجرتي كِتاب «الأمير» لمكيافلّي على سبيل الهداية، ورغم عدم قراءتي للكتب قبل ذلك إلا ما ندر وجدتني نهما لقراءة هذا الكتاب، ورغم حاجتي الماسة للمذاكرة في أيام الامتحانات تلك إلا أنني قرأته مرتين متتابعتين وأعجبني أيما إعجاب وإليه يعود تعزيز نزعتي المادية النسبية السلطوية الشمولية وقتها.

وبعد أن تخرجت من الجامعة التحقت بالجندية لإتمام فترة خِدمتي وهيأت لي الصحراء جوًا ساعدني في فترات خلوتي، وإن قلت علي التفكر وإعادة الحسابات فيما أعتقده من مسلمات فكان حالي بعد انتفاضة يناير وفشلها كحال علماء عصر النهضة المسيحيين في مراجعتهم لمعتقداتهم ومناهجهم بعد سقوط القسطنطينية في يد الفاتح وتحول كعبتهم «آياصوفيا» إلى جامع، وبدأت تُطرح علي التساؤلات المتشككة تباعًا، وساعدتني ميزة أزهريتي فصرت خطيب كتيبتي، وهذا من الأمور التي ساعدتني ومرضي وقتها على نيل قسط من الراحة واستغلالها في التفكر ومراجعة ثوابتي وعقيدتي، وبعد الانتهاء من الجندية نلت متسعًا أكبر من الوقت للتفكر قادني للشك في كل شيء.

حينها بدأت أرى أن العالم هذا عبث يتلوه عبث مليء بالظلم والشر، وأن عالمًا هذا شأنه مستحيل أن يكون من صنع إله حكيم، فكان لا بد لي من شيء يفسر هذا العبث، فكانت نظرية التطور «لداروين»، ومهد لاعتناقي إياها مشاهدتي لبرنامج الدحيح ذي المرجعية الداروينية في شرح الأمور البيلوجية خصوصًا.

ومع الوقت زاد اقتناعي بالداروينية، ومع إيماني بها بدأت مرحلة إلحادي، ومع الوقت اكتسبت شخصيتي صفة التشكك الذي قادني مرة أخرى للإيمان.

 لم ينته بحثي عند هذا الحد، بل قادني شكي مرة أُخرى للاعتقاد بعجز نظرية التطور عن تقديم رواية بديلة للخلق، وساعدني في ذلك موسوعة السبيل للدكتور: أحمد دعدوش، وسلسلة رحلة اليقين للدكتور: إياد قنيبي، التي يتناول فيها نظرية التطور بالنقد العلمي المادي الحسي، والمنطقي، والحدسي فجزاهما الله عني وعن المسلمين خيرًا.

الإيمان من جديد

لم يقدني إنكار نظرية التطور إلى الإيمان بالله تعالى، بل قادني إلى الحياد الديني أو ما يُعرف بالـ(لا أَدرِية).

وفي تلك المرحلة بدأت بالبحث في أي الأديان يوافق العقل والمنطق والحدس، فاستبعدت كل الأديان الأرضية، وحصرت الإمكان في الأديان السماوية الثلاثة، ومع البحث اهتديت إلي شيخٍ دارس مختص بالكيمياء وعلوم الشرع واللغة يدعى الدكتور: ماجد بارك الله فيه وجزاه الله عني خيرًا فخصص لي عدة جلسات للمناقشة والجدال والإقناع والرد على الشبهات.

وساعد كونه مضطلع على النظريات الكونية والمنطق والعلم المادي على إقناعي بالإسلام والرد على الشبهات، فرد عليَ دون تسفيه للرأي، أو اغتيال معنوي، وهي الأساليب الأكثر اتباعًا من مشايخ الدين هذه الأيام أصحاب الجراب الخاوية عديمي الأهلية.

فائدة

تعلمت خلال رحلتي الكثير وأهم ما تعلمت أن تجاهُل الشكوك والتساؤلات لا يحلها، بل يزيد تأزمها مع الوقت، وستجد إليك منفذًا مهما تغاضيت عن الخوض فيها وحسم أجوبتها، ربما يرجع ذلك إل  خوفك من النتيجة، لكنها أيًا كانت فهي خير لك من أن تكون مُعلَّقًَا بينَ بين، غير مُؤمن بِما لديك إيمانًا جازمًا، وعن تجربة فالبحث ربما يكون شاقًا، لكن النتيجة سعادة لا توصف، وحينها تؤمن عن حق، لا سَدًّا لفراغات الانتماء ومداراةً لمجتمع يحمل بواعث تفككه الحتمي.

تعلمت أن أقرأ وأن أنتقي ما أقرأ، ولمن أقرأ، وأن الخير لا يجتمع في إنسان، وكذلك الشر، فلكلٍ زلاته وأخطاؤه، وكذا صوابه، فلا أُحَمِّل فِعل وسِلوك شَخصٍ  كامل سلوكه شرًا أو خيرًا؛ ففلسفة ماركس مثلًا لا تخلو من حق، ولا تخلو من شر، وكل يُؤخذ من كلامه ويُرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم.

تعلمت ألا أختزل فكر إنسان في موقف محدد، وأن أعممه على باقي أفعاله ومواقفه.

تعلمت أن أكون مرنًا، فالمرونة تجعلك أكثر تقبلًا للتفكر في القضايا والآراء المُناقضة لما تعتقده وأكثر تقبلًا للنقد ما يوفر عليك عناء الصِدامات والصفعات التي ستجد إليك منفذها لتعيد التفكير في معتقداتك الموروثة، ولكن بالطريقة الصعبة، فكونك مرنًا يوفر عليك سنين من ضياع الوقت والثبات على الموروثات، لا عن يقين، بل ابتغاء راحة دماغك.

تعلمت أن المنطق لا يُجزأ، وأن الحق واحد لا يتعدد، وأن الإيمان أي إيمان بقضية يُحصِّل صاحبها كأثر جانبي السعادة، الهدف الذي يتشارك فيه كل بني آدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات