كشروق الشمس من ضلع النهر، وزقزقة العصافير تحتضن الأغصان المُتمايلة، ومجاديف أمل فلوكة الأحلام، كعمود الخيمة في الصحراء، وينبوع الماء الصافي، كهِجاء الحروف الأولى، ونيشان الصدر، تبقى أنت يا أبي كلوحة مُزدانة بكل ألوان الربيع، تبقى أنت يا مِداد الحب وكفتيه الممدودتين بالجود والعطاء، بهيًا كنور الشمس وضياء القمر مُكتملًا.

كلحن أنشودة الوطن، وشعور الانتماء اللا متناهي، كقبسٍ من نور، كزهور النرجس والبنفسج، وقلائد الياسمين، وسنابل القمح الذهبية، كحبال النجاة، وعهد الصمود، وهتاف المقاومة داخل دروب النفس رغمًا عن كل ألم، رغمًا عن كل يأس.

أضع يدي على قلبي فأراك أمامي تسير بجلبابك الأبيض وسط حقول اللافندر الذي طالما أحببته، أغمض عيناي فأشعر بك تجوب داخل أروقة الروح بمشكاةٍ من نورٍ سرمدي، تُربت على روحي المنهكة وقلبي المُتعب، تُزيل عنه شوائب الحياة، وشوك الخِذلان بيديك الحانيتين الكريمتين، ثم تنظر إليّ قائلًا «لقد اشتقت إلى فنجان قهوة من صنع يديكِ ابنتي».

يا بنان الروح وأركان حجرة قلبي الأربعة، أتنفس كل ما أحببته شهيقًاَ وزفيرًا حُلوًا وحُرًا، أستشعر أنفاسك ورائحتك، ولمسات أناملك الثائرة النابضة بالحنان، أراك في أنوار شهر الرحمة والغفران، وكوب التمر والحليب على مائدة الإفطار، أراك في صفوف صلاة الفجر وتراتيل القرآن الكريم، أراك تطل علينا من بين مشكاوات أسقف المساجد العامرة بذكر الله ليلة كل عيد، وفي عناقي للسماء وأنت تحملني داخل مراجيح العيد الملونة، حاملا لي البالونات المملوءة بحبات الأرز التي تصدر ضجيجًا مبهجًا.

أستمع إلى صوت قلبك في موشحات النقشبندي ونصر الدين طوبار، ووقار صوتك وهيبته في أشعار الإمام الشافعي، وإيليا أبو ماضي، وأحمد شوقي، ورباعيات جاهين، وأُنصت إلى دندنة روحك في صوت أم كلثوم، وألحان عبد الوهاب، وأغاني حليم الثورية.

أراك في أوتار العود المُزدان بالعاج والصدف اللامع، ومحبرة القلم الأنيقة، وأدوات الهندسة الرشيقة، وفُرشاة الرسم الحالمة، وقصاصات الأحلام الوردية، وحكايا الوطن والمقاومة، والنصر على الأعداء في حرب أكتوبر 73، أراك في خُطى الحق وخِصال النُبل والوفاء، وفي حبات العرق الممزوجة بدموع الكفاح، وتجاعيد العمر والشقاء المنحوتة في جباة وكفوف كل الصامدون في سبيل الحياة الطويل.

أرى وجهك المنير ضاحكًا مستبشرًا في سحابات السماء القطنية العابرة، وفي قمم الجبال الشامخة والمزركشة بانحناءات وتعاريج الزمن وتعاقب الأجيال، أرى ابتسامتك الدافئة في انعكاس أغصان الشجر المُتراقصة على صفحات الماء الهادئة، وحبات الندى التي تمحي ظُلمة الليل البهيم.

أراك في ظلال بيوت القرية وأبراج الحمام ونوافذها المعقودة على ضفاف الحنين والشوق والذكريات، أراك في أشجار البرتقال، وسيقان النخيل الباسقة، وعناقيد العنب المُلتفة، وحبات الرُمان القرمزية، أراك تقف أسفل زخات المطر التي تروي ظمأ الأرض، وكأنك ترتدي من المطر جلبابًا، وتمد ذراعيك كجناحي حب تُحلق بهما في عنان السماء.

أراك في كل عين تعشق الوطن بصدق وهي تقرأ جرائد الصباح، وفي تظليل الآيات القرآنية بكل إعجاب وتأمل وخشوع، وفي قطع الحلوى التي كنت تملأ بها جيوب جلابيبك لتوزعها على الأطفال في الطريق لتغرس في قلوبهم إرثًا من الدفء والسعادة، أراك في أوراق الصبار الذي زرعته بيديك الحانيتين على أسوار شُرفة بيتنا.

أتذكر دائمًا ضمة يدك يوم ذهابنا إلى معرض الكتاب، لتشتري لي القصص ودفاتر التلوين والألوان الخشبية، وطبق الفاكهة والخضروات الذي كنت تجلبه لي كل صباح أيام الدراسة والامتحانات، وبرطمان العسل الذي كنت تروي به جسدك كل صباح، ولكن «آه يا أبي أتذكر جيدا رعشة يديك التي كان يرتجف لها قلبي، ويقشعر لها بدني ألما».

أُلوح إلى الطائرات العابرة في السماء، كما كنت أفعل في الصغر، وكأنني أنتظر عودتك سالما إلى أرض الوطن، أراك في كل ضحكة ودمعة، وكل بشرى ودعوة، وكل حلم ورجاء، أراك في خُطى الأحلام الممزوجة باليأس والأمل، والألم والخوف، والسقوط والنجاح.

أراك تنسج أوصال نفسي المُمزقة، وتزيل التراب عن دفاتر أحلامي المهترئة، وتنتزع من صدري كل أوجاع الحياة وندوبها العميقة، وتنفض عني غبار اليأس، ثم أتخيل أننا ندندن ألحان الانتصارات سويًا.

تعلمت منك كيف يبقى الحب؟ وكيف يكون الوفاء والحنين؟، ففي عز الألم والشعور بالاختناق رأيتك تحِنُ إلى سماع شرائط الكاسيت المركونة في أدراج الحياة، وقراءة الجوابات التي اصفرت أوراقها، وبهتت سطورها وكلماتُها، لأسمعك تقول سائلًا، أين ذهبت هذه المشاعر؟!، تلك الجملة المدونة على إحدى الشرائط منذ أكثر من عشرين عامًا رددتها مرة أخرى!

لتبتسم بعدها ألما ولتحرك يداك وكأنهما جناحي حُب، تستشعر بهما الأشياء من حولك قبل أن تفارقها، أقلامك وأوراقك التي كنت تشاركها ألامك، وأعباءك وأحلامك المُتعبة، وكتاباتك التي أصبح حبرها الأسود الثقيل باهتًا حزينًا، وكأن الدمع يتجسد في حروفها.

حتى تساءلت حينها، أهي النهاية حقًا؟! أم أنها آية ربانية في باطنها الرحمة، أشعرتك ولو دقائق معدودة بنعيم الحياة التي نعيشها جميعًا دون أن نعيشها حقًا ونتأملها بالقدر الكافي؟!

لتذهب إلى لقاء الحبيب الذي بداخلك، مولاك وخالقك وأنيس وحدتك، كفجاج من نور لا يُخلد فيه سوى من ملكت أرواحهم جزءًا من الخير، من الرحمة، من الوفاء بالكلمة والعهد وللمبدأ، تلك الحياة التي تخلو من الخوف والندم والحزن، والخِذلان بكل آلامه المتدفقة كالسيل.

فسلامًا على من أهداني إلى نفسي التي لم أعرفها من قبل وإلى طريق الحبيب بداخلي وهو الله، سلامًا عليك وإليك يا أبي، يا من وهبك الله قلبًا اتسع للعالم في السراء والضراء، يا من امتلكت روحًا طغى فيها الحب على كل شيء، يا من تألمت من أجلنا عمرًا، حبًا وحنانًا وخوفًا، رحلت بجسدك، وما غابت مكارم روحك وجود قلبك المُزهِر.

وسلامًا إلى أرواح آبائنا وأمهاتنا الباقية فينا، الذين لا تجف عروق عطائهم يومًا، رغما عن الرحيل، وإلى كل من فقدوا أنصاف أرواحهم برحيل آبائهم وأمهاتهم، كونوا على العهد باقين، قاوموا من أجلهم، كونوا امتدادًا لهم، اسقوا بذور حنانهم، ابسطوا عطاء أكُفهم، أكملوا نصوص أحلامهم المبتورة، احملوا مشاعل مبادئهم، تمسكوا بحبال النجاة التي يلقونها في قلوبكم، تحدثوا إليهم، استشعروا دفئهم من حولكم، احملوا عبيرهم، دونوا حكاياتهم على جدران أفئدتكم، بخيوط من نور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد