أي بنيتي، رسالتي الأولى لك.

أسعدني يوم رأيتك فيه تكبرين، ولكن تكالبت عليّ الهواجس والظنون، حين رأيت خطواتك تخطو نحو عامها الخامس عشر، صار قلبي يدق بلا توقف، وصرت أراك غزالًا تنتقلين بخطوات جامحة، وصارت حيلتي التي كنت أداريك فيها، وأنت صغيرة لا تنطلي عليك، صرت كبيرة هكذا رأيت ذاتك، ولكنك في عيني لا تزالين صغيرة، صار بيننا حبل يكاد يطول، ومرات قليلة يقصر، صار لك عالمك الخاص، وصرت أنا مجرد مشاهد.

مرة أعتب عليك، ومرة أقول مساحة تدور فيها، ومرة أخاف عليك من نسمات هواء تدور حولنا، كلما خرجت لمكان عام، ورأيت فتاة بمثل عمرك، أو أكبر قليلًا، ترتدي ثيابًا لا تليق بها، أو تتصرف تصرفات لا أحبها، خالجني شعور بالخوف، أيمكن أن تكوني هكذا؟!

فتاة في الشارع العام تمر من أمامي، ترتدي شالًا وتضع قميصها في البنطال وتثني طيات بنطالها، ثم تعتقد أنها ترتدي حجابًا؟! فأتساءل أيعقل أن تكوني هكذا؟! فتاة أزور والدتها في بيتهم، فأراها تصرخ بصوت عالٍ في وجه والدتها، أو أخوتها، أو ربما صديقاتها، فأقول: أيعقل أن تكوني هكذا؟! فتاة في مثل صفك، شغلتها المسلسلات والأفلام والحكايات الفارغة، وأخذتها من درسها وعلومها، فأقول: أيعقل أن تكوني هكذا؟! فتاة لا تلتزم بصلاتها، وتجدها أهون الأشياء التي يمكن التخلي عنها، فأتساءل أيمكن أن تكوني هكذا؟ فتاة لا تفكر في اللباس المحتشم لأنها تقلد الممثلات والمغنيات والطبقة الرديئة في المجتمع، فأتساءل أيمكن أن تكوني هكذا؟!

ثم أنفي عنك كل ذلك، فأنت البنية التي أعرفها، أراك من بين أقرانك تجرين لمسجدك، تحفظين آياتك، وترتلين قرآنك،
آراك من بين أقرانك تنغمسين بين علومك، والابتسامة لا تفارق محياك، أراك تجلسين جانبي تسردين الطرفة وتأتين بالنكتة الجميلة، دون أن تخدشين حياءك أو تلوثين ألفاظك، أراك كيفما أحب أن أراك.

تناقشين أفكارك بعقل. تأخذين ما تريدين بذوق، تبحثين عن تنمية مهاراتك ومواهبك بلا مغالاة أو تشدد، أراك، بحجابك الجميلة الأنيقة، ذات اللباس المحتمش وإن كنت بعد بلا حجاب، أراك تضعين حجاب الرأس أمام المرآة، فأبتسم وأقول بنفسي سأكون سعيدة حين يحين وترتدين، فلا أجمل يا بنتي من أنثى تعرف ذاتها تقدر ممتلكاتها، ثم تحفظ نفسها!

فأنت ذات قرآن ودين، فكيف يعقل أن تكوني إمعة لأمة لا تعرف الحق، كيف تتبعين من تظن أن اللباس يحد من عقلها، ويمنعها من التميز والتقدم، من تجعل من لباسها المحتشم عائقًا أمام علومها، وهي لم تقرأ سيرة الصحابيات والعالمات زمن الإسلام الأول، فها هي سيدتنا خديجة بنت خويلد، سيدة أعمال، وأول امرأة اعتنقت الإسلام، والمرأة الوحيدة التي أقرأها ربها السلام، لم يمنعها إسلامها من ممارسة الحياة!

وها هي أمنا السيدة عائشة بنت أبي بكر، العالمة الفقهية التي يأتيها كبار الصحابة متعلمين، فهي من علماء الصحابة -رضي الله عنهم- ومن مفتيهم، وهي أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وقد نقلت عن النبي –صلى الله عليه وسلم– علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم– الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة.

وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وقال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا. وقال الزهري «لو جمع علم عائشة إلى علم جميع العالمين المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل». ا.هـ الإصابة 8/18

وغيرهما ممن رفع الإسلام من أقدارهن، فلم يكن أبدًا إسلامنا منقصة، وما عرفنا التقدم والرفعة إلا بإسلامنا وأخلاقنا، فكما قال شوقي: «وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا»،فما عرفنا أخلاقنا حميدة بغير دين قويم، ولا عرفنا تقدمًا بغير أخلاق!

وأنت بنيتي، أصل الأخلاق والتربية، فإن صلحت صلح مجتمع بأكمل، ويعلم ربي أني تعهدتك كما يتعهد البستاني نباته، وأرجو أن تكوني حفظتي تعهدي بك، وتثمري أطيب الأخلاق، وإني أتمثلك قول  معروف الرصافي:

هي الأخلاق تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرمات
تقوم إذا تعهدها المربي على ساق الفضيلة مثمرات

فإما قدوة كأخلاق الرسول، وإما فلا، #قال تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم». #بنيتي، لا تجعلي غيرك يرسم طريقك، كوني أنت مثالًا يحتذى به!
#يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء.
#حياؤك، أخلاقك.
#حياؤك، طريق حشمتك.
#الحجاب ليس قيدًا وإنما حفظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد