إن امتحانات الحياة لا تنفد، ومشاكلها وتحدياتها لا تنتهي، إننا لا نكاد نواجه تحديًا ونتجاوزه، إلا ونجد تحديًا أكبر منه، هذه هي سنة الله في الأرض، وهذا ما أراده عز وجل.

إننا نظن ظنّا خاطئًا، أن الامتحانات تنتقي بشرًا محددين، فيقع بها أشخاص بائسون وينجو منها آخرون، ولكن هذا غير صحيح، إن الامتحانات مثل السيل لا تترك أحدًا إلا وتأتيه، ولكنها ليست ذات شكلٍ واحد، وإنما متنوعة، فتصيب أحدهم بالمال، والثاني بالجسد، والثالث بالعائلة، والرابع بالعمل، والخامس بالعلم، وهكذا.

إن السيل مهما كان عنيفًا مدمرًا، فإنه لا يمكنه أن يجرف كل شيء، إنه يجرف السيارات وقد يصل به الأمر إلى أن يجرف البيوت، ولكن ماذا لو اعترضه جبل راسخ في الأرض، هل سيقدر عليه؟! بالتأكيد لا، وهكذا هي الامتحانات، فإما أن تكون قويًّا راسخًا أمامها فتتجاوزها، وإما أن تحاول الانسحاب منها، فما هي إلا لحظات وتكون قد جرفتك.

إننا عندما لا نواجه التحديات ونتهرب منها، فحينها نبحث عن شيء لنتحجج به، كصعوبة الطريق ووعورته، فندخل بذلك في نفق التبرير الذي لن ينفعنا ولن يغير من الواقع «قيد أنملة»، إذ إننا عندما نبرر نريد بذلك الاختباء خلف أصابعنا، وهل يمكن لأحد أن يختبئ خلف إصبعه؟!

إنك في سبيل بحثك عن فرصة عمل، إما أن تقول بأن العالم العربي مليء بالوساطات –لا الواسطات– وبأن نسبة البطالة مرتفعة جدًا، وبأنك إذا وجدت فرصة عمل فإن الرواتب قليلة جدًا ولا تكفي لتأسيس أسرة، وإما أن تعمل على تطوير نفسك فتحصل على شهادة جامعية، ثم لا تكتفي بها فتقوم بحضور الدورات التدريبية التي تعطيك علومًا إضافية، ثم تعمل على صقل المهارات الموجودة لديك، وتعلُّم ما تجهل، وتقرأ باستمرار في مجالك، فحينها أي الفريقين أحق بالحصول على وظيفة؟ من شكى وتململ أم من عمل وتعلم؟!

إن أفكار الفريق الأول جميعها صحيحة وواقعية، ولكنها لا تغير من الواقع شيئًا، وما لا يغير من الواقع شيئًا فإنه لن يفيدك، ولن ينفعك، ولن يغير من حالك، فاتركه إلى ما يسهم في تغييرك وتغيير واقعك، وإن كان التغيير بطيئًا، وإن كانت النتائج غير مرئية، فإن من سار على الطريق لا بد أن يصل.

ليكن منهجنا في الحياة منهج قطرة ماء المطر، فهي لا تنظر إلى قوة الصخرة وحجمها وتماسكها، بل تنظر إلى كونها لم تتوقف، ولم تمل، ولم تستكن، وطالما هكذا هو حالها، فإن اليوم الذي ستصبح فيه الصخرة فتاتًا ليس ببعيد.

إننا جميعًا نريد للمجتمع أن يتغير، ولكن من يريد التغيير لنفسه؟ ومن يسعى إلى أن يقوّم اعوجاجه؟! الجواب: القلة، مع أن ذلك أيسر وأمكن من تغيير المجتمع بشكل لا يقارن. إذن، علينا ألا نكون من الذين صوّرتهم إحدى الرسوم الكاريكاتيرية، وهي أن قائدًا يخطب في جماعة من الناس، فيسألهم من يريد التغيير؟ فيرفعون أيديهم جميعًا متحمسين لذلك، فيسألهم من يريد أن يتغير؟ فيتحول تحمسهم إلى خمول خافضين أيديهم منزلين رؤوسهم وأبصارهم إلى الأرض!

فكما قال «ليو تولستوي»: «الكل يريد تغيير العالم من حوله، ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه».

ختامًا، لا أريد منكم أن تقرؤوا هذه الآية قراءةً سريعةً، بل أن تتأملوها وتتدبروها وتنظروا فيها، فهي السبيل لفهم الحياة والتعامل مع مجرياتها: «إنَّ الله لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفُسهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!