«وطني ثوب مرقع

كل جزء فيه مصنوع بمصنع

وعلى الثوب نقوش دموية

فرقت أشكالها الأهواء

لكن

وحدت ما بينها نفس الهوية:

عفة واسعة تشقى

وعهر يتمتع»

وكأن الشاعر أحمد مطر يتحدث عن وطني الحبيب مصر، فبينما يعاني البسطاء من شظف العيش، وألم الإجراءات الاقتصادية الموجعة التي اتخذتها الحكومة خلال الأيام السابقة، يرفل آخرون في نعيم سرقوه عبر عقود من أولئك البسطاء، ثم اكتشفت تلك القلة أن ما زال مع هؤلاء البسطاء بقايا كرامة يتكئون عليها، وكسرات خبز يقتاتون بها، وأمل ما زال يداعب خلجات قلوبهم، فأبوا إلا أن يسرقوا منهم كسرة الخبز كما سرقوا من قبل جوال الدقيق، وأن يدنسوا ما تبقى لهم من كرامة، ويطفئوا آخر بارقة للأمل تبقي أفئدتهم نابضة بالحياة.

قد يصبر الناس على ضيق ذات اليد، وتأزم الوضع الاقتصادي ويفرطون في كسرة الخبز، لكن ماذا عن بقايا الكرامة؟ وشظايا الأمل؟

سأحدثكم عن صديقى البشوش اللطيف الذي تحول إلى مجرم قاتل، لتعرفوا كيف نفقد أدميتنا، وكيف تساق الأوطان إلى حافة الهاوية.

عرفته منذ الطفولة لطيف الطباع رقيق الكلمات متعاون مع رفاقه، لعبنا سويًا وأكلنا وضحكنا وتحدثنا وتسامرنا كثيرًا، ومرت السنوات وارتحلت بعيدًا إلى صعيد مصر لأكمل دراستى الجامعية، بينما هو التحق بكلية الشرطة. وفترت العلاقة مع مرور سنوات الكلية، وكنت أتلمس أخباره من وقت لآخر.

أتممت دراستى ثم انتقلنا إلى مكان آخر نحيا فيه، وأصبحت علاقتي بصديقي القديم مجرد ذكرى لا أكثر، فلقد أخذت الدنيا كل منا إلى طريق مختلف، وانغمسنا في أعمالنا ومرت سنوات أخرى قليلة، وكم كنت سعيدًا بأن مثله ينتمي إلى جهاز الشرطة، لعله يصلح قدر استطاعته، ويغير تلك الصورة السلبية المنحوتة في أذهان المصريين عن جهاز الشرطة.

وفجأة علمت أنه محال للتحقيق وتم إيقافه عن العمل، لماذا؟

لأنه عذب متهم حتى الموت.

نزل عليّ الخبر كالصاعقة، مستحيل أن يفعل هذا، بحثت في الأمر وبالفعل وجدت الخبر صادقًا، ثم تم بعد ذلك الضغط على أهل الضحية واستعمال أسلوب «العصا والجزرة» حتى تنازلوا، وتم بدهاء التلاعب في مستندات وأدلة القضية، فتم تبرئته من القضية، وحكم عليه بسنة مع إيقاف التنفيذ، تخيل حياة إنسان تساوي سنة مع إيقاف التنفيذ!

رحت أتأمل في تلك الواقعة، كيف تحول ذلك الفتى الصالح إلى ذلك المجرم القاتل؟

كيف يتم تبرئة قاتل، بينما يدان الشرفاء أمثال هشام جنينه وغيره لأنهم تجرؤوا على كشف الفساد؟

كيف يطالب الرئيس البسطاء بتحدي الصعاب وتحمل الآلام وبناء المستقبل، بينما تنتهك آدميتهم وتدنس كرامتهم نصب عين القضاء وتحت مظلة القانون؟

لماذا يتعمد البعض أن يلقي بالوطن إلى الهواية؟ أليست مصر وطننا جميعًا الذي يحبنا ونحبه؟

ليس الوطن تراب وماء وسماء، بل الوطن ما هو إلا جسد كبير يتألف من تسعين مليون عضو، إذا اشتكى منه عضو فينبغي أن تتداعى له باقي الأعضاء بالسهر والحمى.

دون المواطن لا وطن.

دون الشعب لا دولة.

دون العدل لا أمل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد