بمفردها تراقب بنظراتها فقط كل المتواجدين حولها، يسألها أحد العاملين عن طلبها، فتخبره أن يحضر لها قائمة الطعام، حتى لا يشغلها عن هدفها، تضع يدها على السور القصير الذي يحمي الزوار من السقوط، تنظر يمينًا ويسارًا، تسحب أحد الكراسي وتعتليه، بينما من حولها، كلٌ في عالمه الخاص والحزين، في أقل من ثانية تقرر تنفيذ ما جائت من أجله، لتصبح خبرًا في وسائل الإعلام، تصعد أعلى ذلك السور القصير، لتحقق أعلى هبوط تشهده في حياتها القصيرة، بثبات غاب عنها كثيرًا، تنظر للأسفل، ثم تلقي بنفسها من الطابق السادس، والبقية لا تحتاج لتفصيل، فالبقية «في حياتك» صديقي القارئ.

ميار محمد، اسم في الأحوال العادية ربما تراه في قائمة أوائل الثانوية العامة، أو تحمله مذيعة جميلة في التلفزيون المصري، لكنه ولأن كل القصص في مصر أصبحت درامية، فهذا لم يحدث وهذا اسم الطالبة بكلية طب الأسنان التي قررت إنهاء حياتها بالقفز من الأعلى بمول سيتي ستارز، لتكتفي بـ23 عامًا من العمر، لا ندري كيف عاشتهم! ولماذا اختارت تلك النهاية المأسوية؟ فقط نعرف أن هناك من شاهدوا الفتاة قبل الواقعة داخل أحد الكافيهات منهارة من البكاء، لكنهم بطبيعة الحال لم يعلموا سبب بكائها.

الانتحار من كلمة.. إلى ظاهرة

قبل سنوات ليست بالبعيدة، كانت كلمة الانتحار، غير متداولة بصورة كبيرة، ربما تسمعها مرة في عمرك كله، او تقرأها في رواية، أو تراها في مسلسل درامي، الآن صارت سلوكًا شائعًا، وظاهرة كبيرة تستحق التوقف لدراستها ومحاولة مواجهتها قدر الإمكان، من قبل كل الحكومات والمجتمعات وحتى الأسر، ففي أم الدنيا فقط، تم توثيق 201 حالة انتحار في النصف الأول من العام الجاري، حسب تقرير لـ«المؤسسة العربية لحقوق الإنسان». ولكن بالتأكيد الأرقام الحقيقية تتجاوز هذا الرقم بمراحل، فلا أحد يهتم بالأحياء في المحروسة حتى يهتم بالأعداد الحقيقية للأموات. سوى القليل من المبادرات الحقوقية التي تعد على أصابع اليد الواحدة.

من ينتحر في مصر وكيف؟

وفقًا لتقرير «المؤسسة العربية لحقوق الإنسان»، تعددت وسائل الانتحار خلال تلك الفترة بين الشنق على رأس القائمة، ثم تناول أقراص سامة، وفي المركز الثالث جاء الانتحار بالقفز في نهر النيل وفروعه، ثم القفز من ارتفاع عال مثل الطوابق العليا في المنازل، والانتحار بإطلاق النار على النفس، وإشعال النار في النفس، وأخيرًا القفز تحت القطار، بينما كان الطلاب أكثر المنتحرين، يليهم ربات المنازل بالمعدل نفسه، ثم العاطلين عن العمل، والعمال في المرتبة الأخيرة. وعن دوافع الانتحار كشف التقرير أن الأزمات النفسية التي يمر بها المنتحر أكبر الأسباب، يليها الخلافات الزوجية بين المنتحر وبين الأسرة، ثم الخلافات العائلية بين المنتحر وأسرته.

المقبلون على الانتحار يتحركون حولك.. يبحثون عنك

بعدما كنا نقرأ عن حوادث الانتحار القليلة في الجرائد، أصبحنا نعايش بعض تلك الحالات في الدوائر القريبة منا نسبيًا، ونسمع عنها بصورة دورية، وفقط نكتفي بالدهشة وأكبر ما يمكننا فعله حينها، الحزن والدعاء والاستغفار للمتوفى، بينما كان علينا التحرك قبل ذلك بكثير، فالمنتحر كان حتى لحظة انتحاره فقط يفكر في الأمر، وبالتأكيد كانت هناك فرصٌ كثيرة لإقناعه بالاستمرار في الحياة أكثر من هذا.

يكتب أحدهم عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، عن يأسه من الحياة وكرههِ لما يلاقيه فيها، وكيف أصبحت الحياة بالنسبة له كابوسًا كبيرًا! فتجد أغلب التعليقات تسخر مما يكتبه، من عيّنة «انتحر يا صاحبي»، أو «لو تضرب نفسك بالنار، لازم يكون بالشكل ده عشان تموت بسرعة»، مستعينين بصور لا تقل سخافة عن فعلهم، فإن لم نتخذ خطوة تساعد هذا المسكين، فعلى الأقل أن نجنبه السخافة والسماجة، التي هي في الغالب أحد أسباب الانتحار في هذا «العالم السخيف».

مرتديًا جلبابه الصعيدي الأصيل، حاملًا حقيبته الكبيرة، يقف شابًا في الثلاثين من عمره في وسط محطة سكة حديد رمسيس، تدور عينيه تفحص المكان كما النسر الحائر، بحركة سينمائية، يدور هو نفسه حول نفسه، تشعر وكأنه فقد البوصلة، لسانه حاله يقول «يا خلق يا هوو، حد يساعدني، حد ياخد بيدي»، وكانه يبحث عن حلمه الضائع، بينما هو يريد أن يعرف «قطر قبلي منين يا أبو عمو» فقط.

كذلك المقبل على الانتحار يقف حائرًا وسط خيباته وآماله الضائعه، يبحث عن من يمد يده إليه وينتشله من غياهب الحزن والوحدة والضياع، لكن «كلٌ يبكي على ليلاه» السواد الأعظم يقف في نفس الحال، ربما بنسب متفاوتة، فالجميع منكب على «أكل عيشه» وعلى هزائمه وخيباته الخاصة.

فاعلم صديقي المقبل على الانتحار، أن الجزء الأكبر من الحل بيدك وحدك، فابدأ، حتى يلحق بك من يعينك على نفسك، أو على الأقل لا تتقدم خطوة نحو المجهول، واجعل هدفك إن لم تتحرك للأفضل، فلا تبتعد إلى الأسوأ، وفي كل الأحوال صديقي «قوم ولَّع لك شمعة.. نورها مستنيك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد