يعيش كل منا قصته، يراها من منظوره فهو بطل تلك القصة؛ ولذلك نميل إلى وضع أنفسنا محل الأبطال في القصص والبطولات التاريخية. لنضرب لذلك مثالًا، ربما شاهدت فيلمًا يحكي بطولة تاريخية وكان أول ما قفز لذهنك:«ماذا لو كنت أنا من يحرك تلك الجموع؟ ربما لو كنت أنا لفعلت ذلك أفضل منه. ربما أربكت العدو وخرجت بأقل قدر من الخسائر». وغيرها من أفكار تتقافز للذهن تدفعها أحلام اليقظة. لكن لنسأل تلك الأسئلة بصيغة أخرى. ماذا لو كنت جنديًا بسيطًا في الصفوف الأمامية؛ أولئك الذين لفظوا أنفسهم في دقائق المعركة الأولى؟ ماذا عن مصير أكثر قسوة؟! كأن تصاب في تلك الدقائق فلا الموت يأتي ولا الجراح تبلى ولا يبالي بك أحد أصلا؛ فنحن على أرض المعركة كما ترى! حيث أنّات المعذبين صوت مألوف والاهتمام بأصحابه ترف زائد. ولعل أكثر ما ينقل تلك الصورة هي أول معركة للأمير الشاب روستوف في رواية تولستوي الجميلة «الحرب والسلام».

عانى شباب ذلك الجيل الأمرين بسبب تلك التوقعات التي تقصم الظهر. فكلما أراد من يدعي الإصلاح نشر الحماسة بين الشباب تطرق إلى بطولات أولئك وكيف فعلوها في سن حديثة، صورونا بشكل أقرب إلى الأطفال مقارنة بهم لكننا تجاوزناهم عمريًا حد الشيخوخة. اختزلوا الحياة في الإنجاز المادي واختزلوا قيمة الإنسان في الإشارة إليه بالبنان. فما إن اصطدم ذلك بالواقع حتى تمكن منّا اليأس، واختار مجموعة مواقع التواصل أرضًا تبزغ فيها بطولتهم فصالوا وجالوا! وكثر التحدث عن الأحلام بانفصال تام عن الواقع. وذاب المعظم في زخم الحياة مستسلمين لليأس وابتلعتهم الحياة فعاشوا بغير هدف، وهنا تكمن المفارقة؛ فقد تغير الهدف إلى اللهاث خلف أهداف دنيوية بسبب دعاة الآخرة! ويرجع ذلك إلى التعلق والتأثر بأوهام التنمية البشرية التي يعد زيفها أكثر من صحيحها.

هل يعني ذلك إنكار البطولة والدعوة للخمول؟ ما الخطأ في ذلك النوع من الخطاب؟ للإجابة عن هذين السؤالين لننظر مرة أخرى في مثال الجيوش المصطرعة على أرض المعركة. فلو بلغ جيش قرابة الخمسين ألفًا، فإن قواده على الأكثر ستون يجمعهم قائد واحد. بالتالي هي نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بكامل الجيش. كذلك الحياة يا صديقي؛ فمعظمنا واقع ضمن باقي الخمسين ألفًا. منهم من لا يعيش أصلًا ليعي ما انتهت إليه المعركة. نستنتج من ذلك أن الخطأ في ذلك الخطاب يكمن في عكس الأمر؛ أي أنه يصور أن الأكثرية هم أولئك الستون المتميزون المشار إليهم بالبنان -وإن كان المشار إليه بالبنان أصلًا قلّة من أولئك- والفشل كل الفشل ألا تكون من بين القلّة تلك. بالتالي ما نسي أن يخبرنا به أولئك الدعاة أن هناك الآلاف ممن عاشوا في عصور الأبطال ساهموا بذلك الإنجاز دون أن يُذكروا. نسوا أن يخبرونا أن كل واحد من تلك الجموع كانت له قصة هو بطلها.

إن النجاح الأبلغ في الحياة هو الخروج منها بقلب سليم للفوز بالجنة «فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز». من أجل ذلك لا يهم دورك سواء كنت قائدًا أو جنديًا بسيطًا، المهم أن تؤدي حق الله في أي مكان وضعت. لا يعني ذلك أن الطموح مرفوض لكنه لا ينبغي أن يبتلع الحياة بحيث لا ترى سواه. ينبغي ألا يكون سببًا للشتات عن الهدف الرئيسي وأن يخدم ذلك الهدف لا أن يشغل مساحته. الحياة بسيطة يا صديقي فلا تستحق كل ذلك التعقيد؛ اخرج منها بقلب سليم ولن تبالي بأي طريقة عشت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أهداف, ثقافة, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد