يسوق الله -عز وجل-لعباده كل يوم الدروس والعبر، كما ينزل عليهم الرزق، وهي رزق يذكر وينصح، ويهذب، ويربي الله به عباده، ثم يبتليهم ويمحصهم ليعلم -وهو العليم الخبير-من فهم الدرس وأخذ العبرة؛ فيصنعهم على عينه، ويصطنعهم لنفسه سبحانه.

وقد كانت جمعة مباركة حين اجتمعنا في المسجد بعد أن صلينا العصر وتحلقنا حول أستاذنا المربي ليملأ صفحاتنا البيضاء بمداد علمه ويصبغ قلوبنا بكريم أخلاقه، استفتح أستاذنا بصوته العذب: «قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ».

ثم عقب سائلًا: من جاء بعرش ملكة سبأ في طرفة عين؟ قلنا: جاء به الذي عنده علم من الكتاب، قال وكيف؟ قلنا سأل الله فأجابه، قال: نعم، سأل الله بذلك السؤال الذي أوجب على نفسه وهو من يقول للشيء كن فيكون جوابه؛ فقال «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» فيصنع المعجزات ويذلل المستحيلات، يفتح المغاليق، ويدفع الكربات، بل ويغير لأجله الأقدار كما أخبر نبينا – عليه الصلاة والسلام- «لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر»، فهو أمر من قيوم الأرض والسماوات لا يخضع لقوانين الخلق ولا تحكمه الأسباب.

لكن هذه القوة العظيمة، وتلك الهبات الوسيعة، لا بد لها من مقابل عظيم؛ فصدق وإخلاص وتذلل وخضوع، يصحبهم يقين بالجواب، وحسن ظن بمن قال: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي بي ما شاء»، بأنه سيكتب الخير، ويرفع البلاء، ويرزق بغير حساب؛ ثم صبر على الجواب، وإلحاح وإكثار، ورضا بما يقدره رب العباد، ولا تتحصل تلك الصفات إلا من قلب تعلق بالله، و أسلم له تمام التسليم؛ فأحبه غاية الحب، وعرفه حق المعرفة، وعكف على صلاته فهو يرجو منه ويسأله في كل حين، وإن لم تكن له حاجة فذكر وثناء، كقلب ذلك الذي عنده علم من الكتاب، وقلب المذنب كذلك حين يمسه الضر فهو يهرع إلى الله مسلمًا خاضعًا محبًّا راجيًا، والله يقبل عبده كيفما جاء ما دام جاء.

انتهى الدرس وانطلقنا من المسجد منشرحي الصدور منطلقي الوجوه، نكاد نطير فرحًا؛ إذ حيزت لنا الدنيا بما علمنا من خبر الدعاء، وكانت نفسي قد اشتهت أمرا ظنت فيه الخير العظيم لها؛ فرحت أدعو الله وألح كثيرًا أن يرزقنيه ولم أترك لحظة اليقين بالإجابة حتى صرت وكأنني ظفرت بحاجتي؛ لكنني لم أظفر بشيء وظلت تلك الآية تتردد في رأسي «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ» يومان كاملان تتردد كلماتها ومعانيها سلوى من الله ودرس غرس فيَّ الرضا بقسمة الله مع اليقين بفضله وخيريته التي لا تميزها أبصارنا القاصرة ، فدعوات ادخرت ليوم القيامة، وخير عظيم ما كنت لأطمح إليه بتخطيطي العاجز «وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون».

تلك سنون قد مضت، وأمة قد خلت، ودرس صغير واختبار بسيط لفتى صغير، لا يليق مثله بشاب اشتد عوده ونضج لبه ليس له إلا الدرس العظيم والبلاء الشديد.

فتلك جمعة مباركة حيث لا أدري هل دخل وقت العصر أم لا، معصوب العينين، مكبل اليدين، متكور في جانب ما من زنزانة ما، أبتسم بملء فمي إذ تذكرت تلك الحلقة، وذلك الدرس عن الدعاء واليقين وحسن الظن بالله.

تلك محنة عظيمة وابتلاء شديد، يعلمنا، ويهذبنا، ويربينا به الله إن عقلناها وصبرنا عليها واستقبلناها بالرضا والتسليم، فتلك اللحظات الأولى التي لا يهدأ فيها نبض القلب، ولا طنين العقل، ولا نواح النفس؛ يذكرني الله بالرضا بقضائه ويقر عيني باليقين وحسن الظن به أن النجاة قريبة، وأن ذروة البلاء تحمل عظم الأجر، فينطلق لساني ذاكرًا أن «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ويعود فيتردد عليَّ ذلك الدرس الصغير، وتطن في رأسي تلك الآيات «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ».

فمتى لم يعطني ربي لأرضى وهو في ابتلائي هذا قد أعطاني فرضيت؛ فقسمة الرضا والسعادة ومداخلهما في القلوب بيده سبحانه، ويكفيني ما ظفرت به من خلوة مع الله أناجيه في الغدو والآصال، وإن لم أكن في مناجاته ففي ذكره واستغفاره؛ فقلبي عاكف على صلاته يفيض باليقين وحسن الظن به والرضا بقضائه، مثابر مرابط على الدعاء يدافع به البلاء، عسى أن يأذن بالرفع، وكلما حدثتني نفسي بانقطاع الأمل ترددت الآيات المثبتات بأن «قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا».

وأنا على ذلك حتى بلغ مني حسن الظن بالله مبلغه، فكنت أحدث نفسي كل ليلة بأن تلك الأخيرة، ولن أمضي في هذا الجب أكثر من سويعات أخرى قليلة؛ وأنا الآن أحتسب عند الله جمعة الأسبوع الرابع، وما زالت نفسي على حديثها ويقينها، وما زالت تلك الآيات وذلك الموقف العظيم والنجاة المعجزة تتردد في قلبي ورأسي «فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ»

فهؤلاء بنو إسرائيل الضعفاء المقهورون، الذين خرجوا فارين بدينهم بعد سنين من العذاب؛ محصورون وقد بلغ منهم البلاء مداه، لا حول لهم ولا قوة، من خلفهم فرعون العظيم ملك مصر -الذي تجري الأنهار من تحته- وجيشه القوى الشديد، ومن بين أيديهم اليم العظيم، فيوقن الضعفاء المقهورون الذين حرموا أسباب النجاة بحضور أسباب الهلاك؛ ولكن كلا إن معهم رب هذه الأسباب، رب فرعون وهامان وجنودهما، رب البحر مدبر الأمر من السماء إلى الأرض، معهم اليقين بأن الله سيهديهم وينجيهم ويهلك عدوهم كيفما كانت الطريقة، فذاك ما علمهم الله من محنة السنين الطوال يوم أن كان أطفالهم يذبحون ونسائهم يستبقون؛ فيأتي أمر الله وينفلق البحر بضربة سيدنا موسى، ليمر الضعفاء المقهورون ويغرق الأقوياء المتجبرون فرعون ومن معه بلا عمل سوى اليقين وحسن ظن بالله.

وظني بالله أنه سيخرجني من هذا الجب كما أنقذ موسى ومن معه من فرعون، ويقيني بالله أن فرعون ومن معه هالكون على الرغم من اختلاف أحكام الزمان إلا أنه عند انقطاع كل الأسباب يبقى الدعاء وهو أعظم الأسباب ينزل الله به الرزق ويرفع البلاء.

الجمعة دائما مباركة، لكن هذه الجمعة أكثرهن في نفسي بركة وفضلا، فأنا الآن في المسجد أنهيت صلاة العصر وجلست في مكاني المفضل من أيام الحلقة، مدهوشًا من لطف الله، ومأخوذًا بعظمة الله وقدرته ورحمته؛ فالبلاء الشديد رفع، ونجوت كما نجا بنو إسرائيل بعدما انقطعت بهم الأسباب، وحكمت عليهم قوانين البشر بالهلاك فقط بالدعاء وحسن الظن بالله؛ فما زلت أحمد الله بكل ما أوتي لساني من قوة وقلبي من خشوع على هذه المنة؛ فهو الدعاء ليس لنا إلاه عبادة العبادات وخير القربات، مهما اشتدت العتمات وأحكمت فكيها الكربات لا يؤنسك أو يضيء عتمتك غيره، وحده من يسمو بروحك عن الدنيا البائسة بكرباتها وابتلاءاتها ومصائبها؛ فترى عتمتك الشديدة كظلام خزانة الملابس الذي لا يخيف إلا الأطفال السذج، حتى يأتي نور الله فتتبدد الظلمة، وتفرج الكربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

في ظلال القرآن
عرض التعليقات
تحميل المزيد