هذا العام كان عامي الأخير في دراستي الجامعية، أو من الدراسة النظامية بشكل عام، ومنذ أن بدأت الترتيبات الخاصة بحفل التخرج، كأحد المراسم المعتادة لدى الجميع في مثل هذه المناسبات، وقد اتخذت قراري بأنّي لن أحضره. كان هذا القرار امتدادًا لمجموعة من القرارات الغريبة خلال العامين الماضيين.

لنعُد بالزمن سويًا إلى الوراء قليلًا، حيث أحلام الثانوية العامة الجميلة، كأول عالم يكتشف علاجًا للسرطان، أو براءات الاختراع العديدة المسجلة باسمي. وبالطبع الدكتور أحمد زويل، لكن الفارق أنّي تخرجت في كلية صيدلة ولكن تخرج هو في كلية علوم، ولكنّه ليس بالفرق الكبير في النهاية، فصيدلة بمثابة الأخت الصغرى لعلوم.

ولكن مع مرور الأيام أثناء الدراسة أحسست دومًا بأن الأمور لا تسير كما ينبغي، لم تعد تصيبني تلك النشوة عند تخيل المستقبل، لا أشعر بالانتماء لهذا المكان مطلقًا، هل لأني أسأت الاختيار منذ البداية؟ أم أن هناك بالفعل شيئًا خاطئًا؟ في خلال فترة الدراسة مررت بجميع التقديرات التي يمكن أن يحصل عليها طالب في الجامعة، بداية من التواجد في الصفوف الأولى من الترتيب، إلى الصفوف الأولى… لكن من الاتجاه الآخر. كل ذلك في محاولة اكتشاف الحلقة المفقودة التي علمت بعد ذلك أن اسمها «الشغف».

أدركت أني كنت في بحث مستمر عن الشغف طيلة هذه الفترة، بل إن شئت فقل طيلة حياتي السابقة، دون أن أدرك أن هناك شيئًا يسمى الشغف، فقط هناك أشياء أشعر بنشوة غريبة تسري في جسدي عند مجرد الحديث عنها! وصلت لعامي الرابع في الجامعة وقد اتخذت قراري بأن صيدلة لم تعد هي المكان المناسب لي، واعتزمت أمري على الذهاب إلى مجال آخر، ليس مجال حديثنا عنه الآن، لكن في النهاية تعاملت معها معاملة المرأة التي تتمنى الطلاق، أنتظر اللحظة التي أنتهي فيها من هذا الكابوس المزعج.

التمرّد، الثورة، الشغف، الفشل، الإخفاق، السعادة، والاكتئاب، رفقاء دربي طيلة هذه الرحلة، الرحلة التي لم تبدأ بعد، الرحلة التي لا أعلم عنها سوى أنها رحلة شاقة وطويلة، ولكنها ستكون بالتأكيد رحلة ممتعة، متعبة ولكن ممتعة. والأهم من ذلك كله أنها رحلة ذات معنى، وجعلت لكل شيء فيّ معنًى.

عندما شاهدت فيلم V For Vendetta أثار انتباهي هذا المشهد:

المبنى لا يحمل قيمة في ذاته، هو مجرد رمز، رمز لشيء آخر يكتسب معناه وقيمته من الناس، بدون الناس يتحول هذا المبنى لشيء بلا معنى، شيء بلا قيمة.

كانت هذه نظرتي إلى حفل التخرج، حفل التخرج ما هو إلّا رمز، رمزٌ يعبّر عن فكرة، يعبر عن الانتماء، يعبّر عن الاستمرارية والثبات في الوقت ذاته! حفل التخرج يعني – عندي – أنه تتويج للفترة السابقة، نقطة النهاية للرحلة السابقة. يعني الرضا عن هذه الرحلة والرغبة في الاستمرار في الطريق ذاته، طريق الثبات المستمر، مهما بدا الأمر عكس ذلك.

«المتعة ليست في الوصول للكنز، المتعة في الرحلة». إذا كان الوصول للكنز ليس ممتعًا، والرحلة أيضًا لا يوجد بها أي نوعٍ من المتعة، فما الذي يدفعني إلى الاستمرار فيها فضلًا عن خوضها؟ حفل التخرج نهاية لرحلة بدأها البعض واستمرّوا فيها إلى النهاية، ولكنّي لم أبدأ فيها، فلمَ أحضر تتويجًا لنهاية شيء لم أبدأ به؟

قرار عدم الحضور هو نفسه قرار تفجير مبنى البرلمان في هذا الفيلم، لا يوجد دليل مؤكد على أنه سيوصلني في النهاية إلى ما أريد، ولكنّه مجرد احتمال. لا أعلم معالم الطريق الذي سأسير فيه في رحلتي، ولكن أعلم إلى أين أريد أن أذهب في النهاية، والأهم أني أعلم إلى أين لا أريد أن أذهب! عدم الحضور يعني الثورة، يعني رفض الدوران في نفس الحلقة المفرغة، ويعني في الوقت ذاته رفض النهاية، نهاية الارتباط بالأشخاص، ونهاية الارتباط بالمكان، فسأكون مخادعًا لنفسي إن زعمت غياب هذا الحنين!

عندما يسألني أحدهم عن سبب ذلك، أبدأ في سرد الأسباب المنطقية لتبرير ذلك القرار، لكن الدافع الحقيقي لذلك هو ما كتبته هنا؛ مجرد إحساس، حدس قد يخطئ ويصيب. في النهاية دعني أخبرك بشيء يا صديقي: الحياة ما هي إلا رحلة، قراراتنا تخبرنا بالخطوة التالية، ولكن الرحلة بدون دليل تعني التيه الأبدي، ودليلك في هذه الرحلة هو معتقداتك ومبادئك وأفكارك، إذا ابتعدت قراراتك عنها فستفقد رحلتك معناها.

والشيء يكتسب قيمته من معناه، إذا فقد الشيء معناه كأنّه لم يكن، فهل تريد يا صديقي أن ترحل عن هذه الدنيا كأنّك لم تكن؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد