عندما ننظر إلى قوام إحداهن في الطرقات، أو إذا ظَهَرْنَ أمامنا عن غير قصد على شاشة الهاتف أو التلفاز؛ نجد قلوبنا تميل رغمًا عنَّا بمجرد النظر وحده، هذه طبيعتنا البشرية ولا خلاف في ذلك، وكذلك هُنَّ يَشْعُرْن بالشعور نفسه إن رأينَ واحدًا منَّا يسير وقد ظهرت عليه مفاتن الذكورة.

صديقي.. أعلمُ أنك تجد رقةً في قلبك، وفرحةً في عَيْنَيك، وحلاوةً في أُذُنَيك إن وقفت مع إحدى زميلاتك في الدراسة أو العمل تتحدثان في أمر ما، أو حتى إن لم تتحدثا! مجرد تواجدك في مكان يشترك فيه الشباب والبنات – خاصة وإن كانت الأعمار متقاربة – تجد ارتياحًا في نفسك وانشراحًا في صدرك لا تعلم له سببًا.. لذلك قال الله عزَّ وجلَّ: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ… (آل عمران:14).

متأكدٌ يا عزيزي أشدَّ التأكد أنّكَ حينما تنظر إليهن لا تنظر بعين شهوة، وما هي إلا نظرة للتأمل في جمال خلق الله، وحديثك معهن أيضًا خالٍ من أي شوائب جنسية، نعم، نعم، أعرف ذلك جيدًا، وخاصة إن كنتَ تُعجب بذات النقاب أو صاحبة الثوب الواسع الفضفاض، أظنُّ أنك ذو خُلقٍ عالٍ وتحترمهن وكأنهن أخواتك! لكن هيَّا نتحدث بالمنطق لبرهة.

ألا تُسْحَر بتلك الجميلة المُتعففة؟ ألا يُعجبك حياءها ودينَها؟ بلى يُعجبك جدًّا.. اعلم يا حبيبي أن الشيطان يدخل لك من أقرب الأبواب إلى قلبك، إن كنتَ من أولئك المتدينين يسحب عقلك إلى الانشغال بالعفاف والأخلاق الحسنة، ويُوقع تحت عينك كل مُتحليَّةٍ بحياءِ حديثٍ ومظهرٍ؛ فتسير في الطرقات تتأمل في ذواتِ الحجاب الواسع، وينشغل عقلك وفكرك بذلك على الدوام، ويُثير قلبَك كل سبيل إلى ذلك وإن كان غزلًا عفيفًا حتى؛ فتعتاد عيناك على النظر، ويبدأ عقلك اللاواعي يترجم هذا إلى قلبك بأنه أمرٌ عادي ليس فيه ذرة حرام! ورويدًا رويدًا تطلق نظرك على مصرعيه، بل تبحث عن أي قولٍ يُبيح لك إطلاق النظر! وإن كنتَ لا توافق أولئك المتدينين في ذات العفة، فالشيطان يعلم ماذا يفعل جيدًا! أليس كذلك يا أُخيَّ؟!

لم يكن يوسًف – عليه السلام – إلا بشرًا، وإن لم يكن نبيًّا معصومًا لوقع في الذنب حينما راودته امرأة العزيز: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ. [يوسُف: 33]  فماذا عنَّا نحن كوننا غير معصومين ونقع كل لحظة؟!

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. كن على يقين يا رفيقي أنك إن قطعت الطريق من البداية عن إطلاقه ستجد نفسك متميزًا عن غيرك في كثير من الأمور العلمية والعملية، وإن مهّدتَ له الطريق وسِرت على خُطَّته الممنهجة؛ ستنحدر أخلاقُك، وسيموت فيك ذاك القلبُ النابض بالنقاء البشري، وتصبح مجرد تابعٍ لهواك وشيطانك، وستترمق كل أنثى تسير بلا وعي! سأعدد لك سريعًا جدًّا بعض فوائد منع البصر وغضه، وبعض وسائلها ولك الحكم بعد ذلك.

فوائد

النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته، وفي غض البصر عدة منافع، منها:

1- امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.

2- يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه.

3- يُورث القلبَ أُنسًا بالله وجمعية عليه، فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده عن الله.

4-يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه.

5-يكسب القلب نورًا، ولهذا ذكر الله – سبحانه – آية النور عُقيب الأمر بغض البصر، فقال: الله نور السماوات والأرض.

6-يُورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، فالله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس العمل، فإن غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة.

7- يسد على الشيطان مدخله إلى القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي.

8- يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها.

وسائل

– اصرف النظر مباشرة بمجرد شعورك أنها أنثى.. لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنَّ لك الأولى وعليك الثانية. حديث نبوي.

– اشغل نفسك بأي شيء يمنعك النظر، كأن تقرأ في كتاب مثلًا، أو تنظر إلى هاتفك، أو حتى التأمل في واجهات البيوت والمحال إن كنت تسير في الشارع.

– اشغل عقلك وفكرك بدراستك أو تطوير مهاراتك، واطرد منه تلك الأفكار فارغة النفع.

وتأكد يا سيدي أنَّ فطرتَك مهما لوثتها الذنوب والمعاصي تميل إلى الخير وطاعة الله دائمًا، وطبعَك الذي اكتسبتَه من واقعك الخارجي، وشيطانَك ونفسَك الأمَّارة بالسوء يتنافسون على وصولك للشر والضرر بنفسك، وأن الله كلفك بمخالفتهم كي تؤجرَ خير أجر، وليبينَ الخبيث من الطيب؛ فكُن طيبَ الخُلق بمخالفة هواك واتباع فطرتك السليمة الصافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد