نايماريستان

عادة ما يناشد الإنسان أحلامه في تفاصيل دقيقة؛ فتجده يتنسم ريح المجد والانتصار حتى في أحلك الظروف وأصعبها؛ ولعل طريقة تقصينا للتاريخ وسرده، لأبرز مثال لتوصيف الحالة الرغبوية التي تشدنا دائمًا إلى ما نريد أن يكون؛ إننا بذلك انتقائيون فيما نريد سماعه أو حصوله، فننتقي ما يداعب عواطفنا في التاريخ ونتناسى العبر والانتكاسات، فما نزال نتغنى بأمجاد فتح فارس وبلاد الروم، وباللاتوازن العددي بين جيوشنا وحشودهم، وما زلنا ننتشي بمعركة (حطين) والدروس التي لقنَّاها للاستعمار الفرنسي، وما يزال كسر خط «بارليف» يفعل فعلته في تهييج مشاعرنا؛ إنها رغبتنا في الهروب من الواقع المقيت.

إن الرغبة في حصول الأمور بالشكل المثالي في الحقيقة لهو أمر صحي نسبيًّا، ومؤشر على وجود نبض – وإن كان ضعيفًا – متمسك بالحياة على الأقل؛ صحيح أنه غير كاف لتحقيق ذلك، إلا أننا معذورون- نحن أبناء هذا الجيل – يجب على أسلافنا أن يعوا أننا لم نكن سببًا في الانتكاسات، وقد سئمنا فعلًا من الإشارة إلينا بالبنان، وكأننا من أنتج التيه والضياع في هذا العالم، فلا عولمتنا كانت سببًا في علة المجتمع، ولا التماهي مع العالم المعاصر كان سوء إدراك منا، يجب أن يفهم الجميع أنها كانت التركة التي خلفها من سبقونا؛ فلا جيلنا ضيع القدس، ولا جيلنا نصب الحكام، ولا جيلنا عاش الهشاشة ولم يحرك ساكنًا.

إلى هؤلاء المحافظين المتخندقين في تاريخهم المبتذل دائمي الانتقاد لنا؛ أقول لكم إنكم مدينون لنا بكرهنا للصهاينة حتى دون أن نعاصر حروبهم، لكننا مع ذلك نحمل لها الكره. يجب أن تفهموا أننا الجيل الذي زينت له كل العروض من إسرائيل ورفضها، نعم، إسرائيل تمد يد السلام لنا وبمشروعات إغرائية تتلاءم مع متطلبات العصر، ومع ذلك نمانع، بدلًا عن أن نقول ربما أسلافنا أساؤوا الظن بالصهاينة فهم قوم سلام، وهم الكيان الوظيفي بامتياز الباقي، إن هذا الإدراك الذي نمتلكه وإن شابه الكثير من القصور سيبقى إلى أن ينعشه شيء ما، قد يعتقد البعض من يدعون الصلاح والتقوى بأننا سيئون، من حقنا أن ندافع عن أنفسنا بعبارة «غسان كنفاني»:

«مرة تقولون إن أخطاءنا تبرر أخطاءكم، ومرة تقولون إن الظلم لا يصحح بظلم آخر، تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا، وتستخدمون المنطق الثاني لتجنب العقاب الذي تستحقونه، ويخيل إلي أنكم تستمتعون إلى أقصى حد بهذه اللعبة الطريفة، ولكن عليك أن تدرك الأشياء كما ينبغي، وأنا أعرف أنك ستدرك هذه الأشياء، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائنًا من كان هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه». (عائد إلى حيفا).

لقد حلمت أنا وأبناء جيلي على مستويين من الحلم، المستوى الأول كان حلمًا واقعيًّا ممكن التحقق، وهو مشروع إذا ما أخذنا في الحسبان مقدرات بلداننا الجغرافية، الطاقوية، ثقافاتها الهوياتية، الاجتماعية، الدينية والتاريخية؛ التي وعلى اختلافها فإنها عوامل وحدة وصحوة لا انفصال وتفكك، فكيف لا يحق لنا أن نحلم؟ فحسب العارفين وجود طبقة سميكة من الفكر السياسي، الاجتماعي البليد والنمطي هي التي تحول دون أي عملية إعمال لفكر أو نقد بناء، فلا تكون أي محاولة منطقية لفهم الأمور إلا وزُندقت وكُفرت واتهمت بمحاولة معارضة الرب في الأرض.

 لا أنكر أن الشباب لم يرد الحياة، ولن يسعى إليها، بل حاول وكان في ذلك وحيدًا لم يجد من يتعهده فدخلنا في وضعيات كدنا أن نقول بعدها إن زمن الطغاة أرحم وأقسط عدلًا مما نعايشه، لا يضر الظلم القادم من الخارج فهذا دواؤه ثورة لأنه خصم عادل، إنما يضر الظلم الذي يحكمك باسم الثورة والعقل ويظلمك بالقانون، فكيف لا وهو من يدعي بأنه ثار لأجلك ويلبي الآن ما ثُرت لأجله، فما تعيشه الأمة الآن بعد ما سمي ثورات لهو خيبة الأمل في أسمى تجلياتها، لكننا نخامر عقولنا بأننا على الأقل حاولنا، هكذا ضاع المستوى الأول من الحلم، ودخلنا مرحلة فراغ وتيه جديد مجهولة الغايات والمقاصد، لا يفهم تفاصيلها إلا راكبو الأمواج الملتحقين في آخر الأمر أو بعد أن قضي؛ فهم يجيدون إدارة الأمور بسهولة لأنها بالنسبة لهم شيء روتيني مبتذل من كثرة ما كرروا العملية، ولهم تجارب سابقة في ذلك وخبرات تاريخية في المجال، سببها أنهم ولدوا قبلنا فقط.

المستوى الثاني من الحلم.. دولة نايماريستان الفتية

كنت منذ مدة على شبكات التواصل الاجتماعي أعمد إلى الكتابة التهكمية والهزلية بوصفها نمطًا نادرًا في رفض الواقع المقيت الذي نعيشه طول اليوم بطريقة ساخرة، فللحكومة النهار، ولنا نحن المساء والليل بطوله، أخذت منشوراتي التهكمية والساخرة سياقًا محددًا، وفرضت نفسها عليَّ بدلًا عن أن أفرض نفسي عليها وأوجهها، فوجدتني بعد أن ضاع حلمي من المستوى الأول كغيري من الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الحصول على وطن يعصمني؛ أنزع إلى تجسيد حلمي افتراضيًّا بتأسيس دولة افتراضية كانت حبيسة بداخلي، نايماريستان كانت عبارة عن مجموعة من الأفكار، المواقف، الدراسات والذكريات السياسية مع النظم السياسية العربية، كانت نسخة افتراضية تحاكي الدولة العربية، فكانت لهذه الدولة الفتية أسس الدولة الحقيقية، حيث كان لها إقليم، شعب، دستور وحاكم ديكتاتوري – أنا – يطبق على مفاصل الحكم، وله جهاز قمعي على المقاس الفيبري (ماكس فيبر) في شقه السلبي، ويحافظ على حكمه بطريقة ميكيافيللية مطلقة؛ كل هذا كان على صفحة افتراضية فقط.

عالجت هذه الفسحة الفكاهية عدة تفاصيل لحياة الدول في منطقتنا، فلنايماريستان سياسة خارجية تقوم على الخطابات الديماغوجية والبروباغاندا، وتتغنى القيادات النايمارية بمنظومتها العسكرية، موهمة الشعب بأن الحروب اليوم ما تزال تدار بتلك الطرق التقليدية وترافق ذلك باستعراضات وعملية نفخ للجيوش ومنظوماتها القتالية، مغيبة أي محاولة لمواجهة الآخر بالطرق الوظيفية؛ كالفكر، والاقتصاد، وبناء الفرد السليم، توظف في خطابات هذه البلاد مصطلحات ضد الإمبريالية وضد الكيان الإسرائيلي، كما تتغنى نايماريستان بأن لها برنامجًا نوويًّا تهدد به قوى الظلام، ويكفي لتحشد الدعم الشعبي أن تشتم إسرائيل وتهددها، وتقول الويل للأمريكيين، ونحن ضد المؤامرة؛ لأن الشعوب العربية تتغذى عن طريق الأذن، والإعلام مشكور للمجهودات الجبارة التي يقوم بها في ذلك الصدد.

بالنسبة للسياسة العامة في هذه الدولة، فإن الاعتناء بالشعب لهو من باب الترف الفكري والبذخ والإسراف، بل إن الشعب هو الذي يجب عليه أن يعتني بالحاكم؛ لأن هذا الأخير يقدم خدمات جليلة بقيادته الأمة، ويتحمل مسؤولية شعبها في أحلك الظروف، لذلك فهو يستحق ذلك البذخ والترف الذي يعيشه، بل هو حقه المشروع، أما التعليم فهو غير مهم بالنسبة لدولة مثل نايماريستان؛ فالحكومة هي التي تفكر، وهي التي تعلم ما يجب فعله فما فائدة العلم والعلماء، أما بالنسبة للمشروعات التنموية التي تهم فعلًا المواطن، وتغير من وضعيته فلنا فيها فلسفة خاصة، وضعية المواطن السيئة مثلًا هي ابتلاء من الله، والابتلاء شعار الصالحين، وميراث النبوة، ومن قل حظه من الابتلاء، قل حظه من ميراث النبوة، ضف إلى ذلك الوضعية الصعبة التي يعيشها المواطن هي قدر من الله، وبتغيير وضعه كأننا نعترض على قدر الله، أستغفره وأتوب إليه؛ وعلى قول الفنان «دريد لحام» في مسرحية «ضيعة غربة»: «أنا ما بعملها يجي بيك غيري يعملها لانو فيه آخرة استغفر ربك».

أسيطر أو يسيطر حاكم نايماريستان على الحياة السياسية داخل دولته – دولتي – وله الحق في ذلك بموجب الشرعية التاريخية؛ فهو الذي أسسها وأسهم في بنائها، لذلك فهي ملك له ولنسله بعد عمر طويل إن شاء الله، وعلى هذا الأساس فإن الحياة السياسية شكليًّا فقط تتسم بالسلاسة والديمقراطية والتعددية، والمعارضة المستقلة والسلطات الثلاث المستقلة بعضها عن بعض، إلا أنه ضمنيًّا يتحكم القائد الأعلى في كل هذه التفاصيل وطرق سيرها.

تعالج فكرة دولة نايماريستان الفتية قضية الكبت، من ضمنه الجنسي، والتدين الذي يعيشه الإنسان العربي، والذي لا يستطيع البوح به أو التعبير عنه لضيق المتنفس، والقيود الاجتماعية، والأعراف والتقاليد التي تجعل الإنسان سجان نفسه، يقمعها ظنًّا منه أن ذلك شيء من التصوف أو الرفعة والتقوى، وما هو بالحقيقة سوى نوع من التعقيدات النفسية التي عصفت بالأمة.

دولة نايماريستان لقيت تجاوبًا من طرف الكثير من الشباب على مختلف انتماءاتهم الفكرية (دكاترة، أساتذة، طلبة، باحثون، أطباء)، وأعلنوا ولاءهم لها، وكأنها فعلًا كيان واقع، وسرعان ما بدأوا بتقديم مطالبهم في شكل تعليقات تحس بأنهم كانوا ينتظرون ثقبًا صغيرًا للتنفس والانعتاق، وبدأوا يطالبون بالتغيير دون أي قيود، هم يعرفون، وأنا أعرف، بأن الأمر كله مزحة وفسحة للترفيه فقط، لكنه كان ضحكًا مثل البكاء، وجدنا أنفسنا نتنسم ريح دولة في أي شيء يصادفنا، هل وصل بنا الأمر إلى هذا الحد من السقوط؟ إننا الآن نحلم، ولو افتراضيًّا، بأمور لم نحققها في الواقع فأوجدنا لأنفسنا دولة محاكية لبلداننا فيها مزيج من الديماغوجية والبروباغاندا؛ شيء وسيط بين الديستوبيا (أدب المدينة الفاسدة) واليوتوبيا (المثالية)، نوستاليجيا نحنُّ فيها إلى أوطاننا، هي تعبير عن الأناركية (اللاسلطوية)، فيها ديكتاتور تستطيع أن تعارضه وتواجهه بكلمة لا.

يسود اعتقاد بأن الأمر من باب الترف الذهني والتواصل الاجتماعي فقط، لكن في الواقع هو يأس في أقصى مراحله وأشدها فتكًا بثقافة الدولة لدى الفرد والمجتمع، تعد نايماريستان دولة افتراضية تجمع كل الاختلالات التي نعيشها اليوم؛ إنه الهزل الهادف، حيث تعتبر كفكرة فرصة نحاكم بها الجميع الحاكم والمحكوم؛ فلا نلصق سبب انحطاطنا فقط بالحكام؛ فأخطاؤهم كحكام هي أخطاؤنا كشعوب.

الهوية وحدها لا تجعل منك مواطنًا، اكتساب صفة المواطنة هي نتاج ممارسات تشغلك طول اليوم دون أن تتقاضى عنها فلسًا واحدًا وأنت مسرور لذلك، إننا اليوم نرمق الشعوب يمارسون حقهم المواطناتي بنفس نظرة ذلك الطفل الذي يبيع الأدوات المدرسية للتلاميذ، وهو لا يستطيع الدراسة، إنه شعور مقيت أن تمتلك كل شيء يؤدي إلى وضع ما، ولكنك لا تقدر أن تصل إليه، لا أفهم ما جرى ويجري لقد كنا جاهزين لأن نكون مواطنين مثاليين، فما الذي يمنعنا من ذلك؟! كانت ستكون مهمة الحكام أسهل، وكانوا سيبقون مثل ما كانوا، بل أقوى، وكنا سنستميت في الدفاع عنهم، هل هو غباء أم جنون عظمة بأنهم لا يحتاجون رعية؟ في واقع الأمر لم نعد مواطنين عندما أصبحنا نتابع الشؤون السياسية لبلداننا، وأصبحنا نفهم المواد الدستورية، ونفرق بين نظام الحكم والدولة والحكومة، فعلًا عندما تكبر لن تصبح مواطنًا، في الحقيقة لم يأت «جورج أوريل» و «آرثر كوستلر» بالجديد؛ فقط نجحا في استشراف الحياة السياسية في بلدي بطابع سريالي.

إننا اليوم ملاحقون في الأزقة بالأفكار والتصريحات والأخبار لنختبئ في أضيق مكان في المدينة، ونضع أيدينا على آذاننا ونصيح «يكفي يكفي يكفي !»، إنهم يلاحقونك وعندما يمسكونك يقولون لك خذ اشرب الوعي، اشرب الفكر اشرب اشرب، إننا نستيقظ كل صباح نبحث عن وطن، وإن كانت لدينا جنسية، فإننا لاجئون عند غيرنا، فمنا من هو تركي، ومنا من هو إيراني، ومنا من هو أمريكي، لقد ضاعت منك الرعية يا سيد القوم فالفزع الفزع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد