محاولات الإصلاح السابقة (ب)

6. الرأسمالية

والآن لنتحدث عن الرأسمالية التي نشأت تدريجيًا نظامًا سياسيًّا في العصور الوسطى، ثم عرفت بالنهج الاقتصادي في منتصف القرن التاسع عشر، وأخذ الناس يميزون بين الشيوعية والرأسمالية والاشتراكية. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الرأسمالية كانت ولا تزال ذات سمعة سيئة عند الشعوب، ذلك أن الرأسمالية تجسيد للحرية السلبية والتي تعني عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، بل يقتصر دورها على توفير الأمن والحرية للجميع. وعدم تدخل الدولة في تنظيم الاقتصاد وتوفير الفرص للجميع جعل الأثرياء يستولون على معظم محاور الاقتصاد من تجارة وصناعة وخدمات، بينما لم يستطيع الفقراء وحتى الطبقة الوسطى مجاراة قوة الرأسماليين. وهم الرأسمالية الأول هو تحويل الناس إلى مستهلكين دون النظر إلى أي اعتبارات إنسانية، فازداد، كما نرى، الأغنياء غنًى والفقراء فقرًا! ولم تكن الرأسمالية إلا فكرًا استبداديًا أنتج من جملة ما أنتجه ما يُسمي بـ«الدارونية الاجتماعية» Social Darwinism والتي تدعو بطريقة أو بأخرى إلى التخلص من الفراء والضعفاء وراثيًا!! وازدادت شراسة الرأسماليين في الآونة الأخيرة للسيطرة على مقدرات الشعوب الأخرى وخاصة مصادر الطاقة كالبترول والغاز، مما جعلها تستخدم آلتها العسكرية الرهيبة وفائض القوة لاستعباد الآخرين ونهب ثرواتهم! فما الرأسمالية إلا فكر وتصرف الأنانيين، النرجسيين -المعجبين جدًا بذواتهم – الذين لا يشبعون من المال، لذلك لم تأت الرأسمالية لحل المشاكل الإنسانية من أي نوع كانت، بل جاءت لسحق الفقراء!

7. الاشتراكية

وكما قلنا قبل قليل فإن كارل ماركس قال: «إن الفلاسفة فسروا العالم فقط بطرق مختلفة، بينما الهدف هو تغيير العالم». وليس خافيًا على أحد فشل الاشتراكية Socialism التي جاء بها كارل ماركس (Karl Marx (1818-1883 وفريدريك إنجلز (Friedrich Engels (1820-1895، في تحقيق العدل والطمأنينة والمساواة للبشر، وكان المفكران الشهيران يريدانها فترة انتقالية مقدمة للشيوعية. وفكرة الاشتراكية الأساسية: «من كل حسب استطاعته، إلى كل حسب إسهامه»! أي أنك تستحق بقدر ما تنتج. ولقد سادت الاشتراكية فكرًا وتطبيقًا نصف الكرة الأرضية في النصف الثاني من القرن العشرين. وبالرغم من اعتناق أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية للاشتراكية لأنها فعلًا دغدغت عقول الناس بمستقبل أفضل وحياة رغيدة، إلا أنها فشلت فشلًا ذريعًا في نهاية القرن العشرين بعد أن سادت لحولي 70 عامًا. ويُرجع البعض فشل الاشتراكية إلى أنها عاملت الإنسان كما لو كان «روبوتًا» أو إنسانًا آليًا. فلم تحترم مشاعره في الملكية الخاصة والحرية في تقرير مصيره. والكل شهد السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي الاشتراكي وتوابعه! إلا أن الأغلبية تعتقد أن سبب انهيار الاتحاد السوفيتي الاشتراكي هو سوء التطبيق، وليس عيبًا في الفكر الاشتراكي!

8. اقتصاد السوق الحر

وهذا الاقتصاد مبني بالأساس على عدم ندخل الدولة، أي أن الأسعار خاضعة لتقلبات العرض والطلب مما يجعل الفقراء ومحدودي الدخل ومنهم الطبقة الوسطى تعاني كثيرًا حتى تآكلت الطبقة الوسطى في كثير من البلاد، أو ربما انقرضت أو على وشك. هذا المبدأ الاقتصادي الرأسمالي الأصل والهوية يعطي كل الفرص للأغنياء للتحكم بالسوق العالمية والمحلية في تجارة أساسيات العيش كالغذاء والدواء والألبسة، ناهيك عن الخدمات والبضائع الأخرى المهمة، حيث لا يستطيع أي فرد متوسط الحال دخول سوق أولئك الطماعين لمنافستهم على الإطلاق!

9. الديموقراطية

بدأت هذه الفكرة برّاقة وجذابة للشعوب في كل مكان من كوكبنا. إلا أنها لم تكن الوسيلة المجدية لترسيخ العدل والاستقرار في معظم الدول التي تمارس هذه «اللعبة»، حيث يفرض 51% من الناس رأيهم وأسلوب حياتهم على الـ 49% الآخرين! ناهيك عن تزوير الانتخابات وشراء الذمم في بلاد كثيرة. أما الدول «العريقة» ديموقراطيًا، فغن الترشح لخوض الانتخابات والدعاية الانتخابية تكلف المال الكثير – عشرات وربما مئات الملايين من الدولارات، ولذلك لا ينجح إلا الأثرياء كما في الدول الغربية! بالإضافة على حقيقة أن هذه الديموقراطية ليست إلا وجهًا آخر للديكتاتورية، ففي معظم الدول ذات الثقل الدولي اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، هناك حزبان يتبادلان الفوز ولذلك لا نرى فرقًا أبدًا في الأجندة الحقيقية لكليهما! إذن لم ولن تحل الديموقراطية مشكلة الإنسان!

10. العالم اليوم

العالم اليوم على كف عفريت لأن من يحكم دوله القوية عسكريًا واقتصاديًا مختلون عقليون: «سيكوباتيون». وما منظمة الأمم المتحدة إلا دمية بيد القوى الكبرى التي لا تملك أي ذرة من عدل أو إنسانية، بل تمتلئ قلوب المتحكمين بها بالأنانية والجشع والحقد على الشعوب، لذلك وجب على كل الشعوب المحبة للسلام، أو على الأقل كل الأفراد والمجموعات التي تؤمن بالإنسانية أن تقوم بعمل موحد لوقف نزيف الكرامة الإنسانة أولًا، ومن ثم العمل على إعادة إيمان الناس بمصيرهم المشترك، وأن العيش المشترك لا يتم بالشروط الحالية، فهذا يمتلك مئات أو عشرات المليارات من الدولارات، وذاك لا يمتلك ثمن وجبة طعام! وآخرون يعيشون في القصور، وأناس يعيشون في العراء وتحت الجسور. وبقية المقارنات كلها معروفة لديكم! انعدام العدل جاء بالفقر المدقع ووفر البيئة الملائمة للجريمة وتعاطي المخدرات، التي ترعاها للأسف الدول القوية! الغرب الذي جاء منه فلاسفة التنوير كجان جاك روسو وفولتير وجون لوك وغيرهم الذين ساهموا بكتابة إعلان الاستقلال والدستور الأمريكيين، أصبح أكثر ظلمة من نظام ستالين! والغرب الذي جاء منه كانط وسبينوزا أصحاب القوانين الأخلاقية غدا بلا أخلاق!

وقبل أن تحكموا على ما أقول، هناك شروط لهذه المساواة قبل الانطلاق سنراها تاليًا!

ولكي يكون التغيير مبررًا بشكل جذري يجب أن ندرك كما أدرك الفيلسوفان الألمانيان جورج هيجل وآرثر شوبنهاور أن جميع البشر – بغض النظر عن العرق والدين والمنزلة الاجتماعية – مرتبطين بشكل مطلق ببعضهم البعض، وعليه فإن إيذاء الآخر هو إيذاء للذات. ومن أهم أولوياتنا نحن البشر أن نبحث عن الراحة والطمأنينة والاستقرار، وأن نوضح للجميع أن الأنانية هي الشر بعينه. وعلينا أن نعي أن الأثرياء الأنانيين شريرين بل وحوش وغير عقلانيين لأنهم لا يدركون أنهم بحرمان الآخرين من حريتهم ومصادر رزقهم، هو تحطيم لحياة أولئك الآخرين مما يؤثر سلبيًا على المجتمع الإنساني ككل. ولنعلم أنه لن يكون العالم ملائماً للإنسانية إلا عندما نتعاون جميعًا من كل الأعراق والأديان في بنائه. وعلينا أن نقنع بالفعل – سنوضح هذا الفعل تاليًا – وليس بالكلام أصحاب التريليونات والمليارات أنهم سيُعزلون ويُنبذون بسبب جرائمهم ضد الانسانية ووقوفهم ضد نشر العدل والمساواة في العالم.

لآلاف السنين و«الأليغارشية» يحكمون العالم، ولم تر الأغلبية الساحقة من البشر إلا التعاسة والبؤس، ولم تكن الطمأنينة والسعادة إلا حكرًا على هؤلاء القلة النادرة الذين يتحكمون بالمال ومصادر الرزق! لم يبق إذن للنهوض بالإنسانية وتحقيق العدل إلا إزالة هذه الطبقة الباغية نهائيًا، أو أنها تعقل ما فعلته من جرائم وتنخرط في النسيج الإنساني بتسليم الثروة الهائلة إلى من يوزعها بالعدل عن طريق الاستثمار الذي يفيد الغالبية الساحقة من البشر! إن من أولى علامات الانحطاط البشري هي تملك القلة للحصة الأكبر من الثروة، وهذا يجب أن ينتهي وبأسرع وقت!

ولعلنا نستحضر قول داعية الحقوق المدنية الأمريكي في منتصف القرن الماضي القس مارتن لوثر كنغ:

«إن الظلم في أي مكان، هو تهديد للعدل في كل مكان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد