مصر، تحمل من العراقة والحضارة والثقافة ما يمدنا إلى مئات السنين، ما يوهج بنا أحاسيس المغترب المحروم المنقطع.
مصر، وكيف لا وهي أم الدنيا ولياليها العامرة الحية النابضة التي تجدد الروح وتنعش النفس وتهون المُصاب.

مصر أول موطن عربي أهمّ بالسفر إليه بعد طول غياب. ولأني ولدت في بلد غربي لا يجيد العربية، ولا يعتز بدين غير المسيحية، وغالبية الطبائع لا تمت للآثار والأجواء الدينية بصلة, إلا أن رحلتي إلى أرض الكنانة كانت مطوقة بالتفاصيل الجميلة، مرصعة بالذكريات الرائعة. فهنالك مزايا خطفت قلبي عند مرآها وأيضا هنالك أمور لفت انتباهي وجودها.

المنبر الأول: الملذات الدينية

استشعرت بعظمة الإسلام وبتاريخ الأمجاد وحضارة الخلفاء، حيث المشاهد الدينية المتناثرة في أرجاء المدينة، المعطرة بأزكى الأصوات وأنقى الألحان وأجمل العبارات، المتصلة بسكينة روحانية وطمأنينة ربانية.

تسمع صوت أذان يعلو المساجد، وترتيل عذب يطيب الخواطر، وإقامة صلاة تذيب الشوائب، فصلاة الجماعة تناديك ليل نهار، المصليات في كل الأرجاء والمساجد في كل الأركان، في الحدائق والمنتزهات والأسواق، هي ببساطة مدينة الألف مئذنة!!

 

الزهرة الثانية:

تجد أن للمرأة العربية المسلمة دورا هاما في بناء المجتمع وتطويره ونموه، تجدها تعمل مع زوجها وأبيها يدا بيد لتكرم نفسها وعائلتها سويا، وتيسر لقمة عيش هنية طيبة. لاحظت أن العمل لا يقتصر على الرجال دون النساء، فتجد بائعات وموظفات إما منتقبات أو محجبات أو غير ذلك، نسوة من جميع الأعمار  ومختلف الأعراق والأنساب يقفن شامخات رافعات رؤوسهن فخورات بإنجازاتهن.
كذلك لهن الأثر الواضح البين في طلب العلم بجميع مستوياته واختلافاته، من معلمات في المرحلة الابتدائية إلى باحثات جامعيات ومدونات وكاتبات.

 

البسمة الثالثة:

رأيت عيدا سعيدا مباركا بكل ما تحمل ثقل الكلمة من معانٍ وتعابير، بكل الازدحامات المسائية والفوانيس الليلية، بجميع التفاصيل الروحانية والتهاني اليومية والتكبيرات الصباحية، بكل العواطف الجياشة فجرا عند اصطفاف المصلين وتسارع القاصدين اللاهثين.

 

الباقة الرابعة:

بالرغم من الحرارة العالية والرطوبة الخانقة والشمس الحارقة، إلا أنهم استطاعوا تحويل الصحاري القاحلة والنباتات اليابسة والمساحات الجرداء إلى واحات خضراء وبساتين مثمرة وحدائق غناء في عدة مناطق من العاصمة.

وهنا سأذكر أهم الظواهر السلبية التي لفتت انتباهي:

في أوائل الإجازة وددت الذهاب إلى مقهى عادي أو ما يسمى بال”قهوة”  لأحتسي فنجانا من الشاي الساخن وأنا أتربص الطبائع العربية ولا أقول الإسلامية, لكني كما ذكرت وددت الذهاب ولم أفعل ذلك! خمنت أن القهوة مكان لقراءة الجريدة الصباحية، لاحتساء فنجان من الشاي أو القهوة، لاصطحاب الجد حفيده ليذيقه حلوى عند غروب الشمس، لتجمع شبابي يطرح أفكارا جديدة ويناقش مواضيع هامة.
لكن الصفعة الكبرى أتت عند مروري أمام المقاهي وأنا بالسيارة، فوجئت حقا بمناظر المقاهي كلها ولا تستثنى منها واحدة!! رأيت شبابا مفروشا كالجراد، استحالة أن يحصى له عدد أو مدد, غالبية الأعمار تتراوح بين السادسة عشر إلى الأربعين عاما ليقضوا ما يقارب الأربع ساعات يوميا هناك. المصيبة الأكبر من هذا كله! أنها لا تخلو طاولة إلا وتزينها بضع من “الأراكيل” أو “الشيشة” مصطحبة مع هذا ورقا للعب. فنصف اللاعبين إما مدخننين أو “مُأركلين” وتسود غيمة سوداء فوق رؤوسهم فتمحو معالم الحضارة كلها بهذا المنظر الشنيع.

 

اللمحة الثانية.

أستغرب من بلد يعج بكثرة المزاح والهرج، مشهور بكثرة الضحك والمداعبة، ولكن البسمة فيه شبه منسية, فلا بشاشة ودية ولا كلام لطيف قد تسمعه من الموظف أو الموظفة أو من البائع أو البائعة. كلهم يجيبونك وعيونهم عابسة غاضبة كارهة، الكل ساخط وحانق، مكتئب متشائم, ربما وجدت ذلك غير المعتاد لأنني تربيت على بشاشة الموظف، على لطافة العامل، على مزاح الطبيبة والممرضة، وإفشاء السلام على عامل النظافة وسائق الباص صباحا. ألفتُ البسمات المرسومة أينما توجهت، حتى إن كان أول وآخر لقاء معهم، فأقضي حاجتي وأرحل.
أين نحن من (وأفشوا السلام بينكم)، ألسنا الأولى بالاقتداء بهذه الأمور، أليس نبينا الكريم من علمنا أن البسمة في وجه أخيك المسلم صدقة.

 

التعجب الثالث

تجاوزت العشرين عاما من عمري، لكني لم أر قط مثل ذلك المشهد. عاملات نظافة يقضين نهارهن في الحمامات، إن عملهن في تنظيفها، ولكنهن يقطن فيه طوال اليوم، حتى أن مكان الاستراحة هو الحمام أيضا، فلكل موظفة كرسي تجلس عليه عند انتهائها من المسح لتنتظر دوران عقارب الساعة فينتهي الدوام وحينئذ تغادر المكان. لا أُعيب المهنة! بل أحترمها وأقدرها وأجلها, لكني أعيب كرامة الإنسان التي باتت بالحضيض، أحتقر رئيس عمل وزّع برنامجا كهذا دون أي تفكير أو إحساس دون أي شفقة أو رحمة لذلك الكائن الحي.

 

الاستفهام الرابع

لاحظت صعوبات عدة في التعامل اليومي البشري، لكنني لم أتوقف على الأمور كلها لطالما كان الكمال لله, لم أتصور يوما صعوبة صرف النقود الورقية إلى نقود معدنية، ولا أتكلم هنا من عملة الدولار أو اليورو إلى الجنيه المصري، بل عن العملة نفسها (من الجنيه الى الجنيه نفسه).

ينتابك شعور بالتسول وأنت تبحث عن ذلك الملاك الذي يقبل الصرف منك, وأظن أنني قد أجد متبرعا للكلى أسرع بكثير من صرافة خمسين جنيه.

 

الوقفة الخامسة: الأزهر

هنا أتوقف لأحبس دموعي من الحزن والقهر والضعف والعجز.
المعلم الحضاري التاريخي الثقافي الاجتماعي العلمي الديني. الأزهر بكل جبروته وعظمته وهيبته، بكل الأمان والأناة والسلام، فلكل زاوية حكاية وتحت كل سقف رواية، أفلا يستحق إلا أن يكون بأبهى حلة وأجمل طلة.

قيل لي حينها أن الأزهر محاط بمكتبات دينية مليئة بمجلدات ثمينة باهظة الثمن، ليس عليك سوى شد الرحال إليها, وفعلا ذهبت إليها وأنا على يقين أنني لن أجد ما رسمت في مخيلتي، لكني لم أتصور إلى أي مدى كان ذلك المشهد!!  رأيت على بعد أمتار من المسجد جميع أحشاء الغنم والبقر مفروشة فوق ألواح خشبية، محاطة بجيوش من الذباب تحرسها ليل نهار، تتساكب الدماء من تحتها لتكون أنهارا جارفة. وأينما وجدت اللحوم تجد ما هب ودب من القطط والكلاب، مرافقة هذا كله درجات حرارة عالية وألوان زرقاء وخضراء وروائح نتنة مقززة مقرفة أكاد أتقيؤ منها, لكن الأمر طبيعي جدا، الكل مستمر في عمله ومتآلف مع هذا الوضع.

انتهت رحلتي بحلوها ومرها، وأحببت أن أدون مشاهداتي في بلاد الحضارة والجمال، التي لوثت بأفعال البشر، والتي أتمنى من كل قلبي أن أعود إليها يوما، وقد انجلى وجهها المشرق الأصيل، ثم حملت حقائبي والتفت إليها بنظرة مودع وأنا أتمتم: وداعا يا أرض الكنانة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد