هل هناك عاشق يتخلف عن موعد سري مع معشوقه ؟ هل يعقل أن يفرط عاقل في أغنى وأجمل لحظات عمره ؟ سؤال يجيب على نفسه ، ولكن المدهش أن الكثير منا يفعل ذلك دون أن يشعر ! والأدهى أنه أيضا لا يعلم ! ما هو الموعد السري للعشق مع حبيب ساحر  نجهله! أو على الأقل يجهله كثير منا !

 

يتشابه البشر في الكثير من الأشياء ، فهم يولدون ، ويأكلون ، ويكبرون ويتزوجون ويسعون في تحصيل معاشهم ، ثم يموتون . لكنهم وهم متشابهون في كل هذا ، قد يحيون دون أن يحيوا فعلا !

 

إنني زوجة وأم لثلاثة أطفال ، وأشترك مع غالبية نساء العالم ، في أعمال الطهو ـ المحببة إلي  ـ والتنظيف والترتيب ورعاية شئون أطفالي وزوجي والتسوق والخروج من المنزل وكل الأعمال التي يقوم بها البشر في العالم . لكن لدي موعدا مع حبيب سري ، إن لم أحافظ عليه كل يوم فإنني أجد أن يومي قد ذهب دون أن أدرك أجمل ما فيه ، إنني فعلا قد تركت حبيبي ينتظر دون أن أهتم به، بل أهدرت أكثر الأوقات خصوصية وغنى لروحي وعقلي من بين ساعات يومي الأربعة والعشرين .

 

تلك الساعة التي استيقظ فيها مبكرا من بعد صلاة الفجر ، وبعد أن أقرأ حزبي من القرآن وأذكار الصباح ، أعد كوب الماء الدافئ بالعسل والليمون ، وأجلس مع صديقي الحميم الذي أكون بأشد الشوق لمجالسته : إنه كتابي .

 

كتابي  الورقي أو الإلكتروني يرحل بي إلى أماكن أجمل ، أماكن مختلفة ، أجد فيه قليلا من السلام في عالم يعج بالحروب ، قليل من العدل في عالم يغص بالظلم ، قليلا من الحلم في عالم يحطم الأحلام . أنفصل قليلا عن واقعي ثم أعود؛ لأعد فنجان قهوة ساخنا وربما آخر ، وأنا أحلق في تلك الفضاءات البديعة . أحيانا يقرع  ما أقرأ منفذ روحي بقوة فأفتح ، وأمسك بالقلم لأكتب ما تدفق علي من تلك المنافذ ، وأبدأ أتشكل دون أن أشعر بشكل جديد.

 

باختصار ، بيني وبين الكتاب  ذلك الحب ، فهو كنزي وشوقي الأبدي ، يغنيني عما سواه .

 

إنه شوق حقيقي وحب حقيقي بيني وبين الكتاب الذي أقرأ : أشعر بأن بين يدي كنزا هو خلاصة فكر وروح إنسان آخر ، في زمان ومكان آخر . تنشأ بيني وبينه صلة روحية فعلا ، وأحسب أن الله أراد لي قراءة هذه الكلمات في هذا الوقت والمكان لغاية ما ، كما كتبها كاتبها أيضا  لغاية ما .

 

تلك الغاية التي جعلت رب السماء والأرض يدعونا في أول خطاب له ، مع آخر نبي لبني آدم أن :  (اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم) . و لو تفكرنا قليلا في أول الآيات التي أنزلت ، ولماذا لم تحو الأمر بالصلاة أو الحج أو الزكاة ، ولماذا تعرضت بعد القراءة مباشرة لمفاهيم الخلق والعلم ؟

 

إن  القراءة هي التي تسهم في خلق ذلك الجوهر الإنساني النبيل ، الذي كان علقة، وبنفخة الروح والقراءة صار خليفة لله في الأرض!  كيف  ؟  بالعلم و بالقلم  الذي أمسك به فلان من الناس ، بتوفيق من الله ،  في يوم ما ، في مدينة ما ، بعد تجربة ما ، ليعطيك خلاصة فكره وروحه ورحلته في الحياة ، والتي بها ستضيف إلى حياتك ، حيوات أخرى كثيرة ، وستربطك بجوهرك الإنساني الفريد .

 

ذلك الجوهر ، الذي جعل الإنسان هو المختار بالتكريم ، وسجود الملائكة ، وحمل أمانة الاستخلاف في الأرض .

 

الجوهر الذي كانه أبونا آدم عندما علمه الله الأسماء كلها ، فعرفها هو وجهلتها الملائكة ، التي  تساءلت عن سر خلق الإنسان بأنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء . والحقيقة أن الله وهب الإنسان العقل وحرية الاختيار التي لا يمكن أن تكتمل ، إلا بالعلم و(اقرأ) والقلم ، وعلى أساسها جميعا حمله الأمانة ، وفضله على كل الكائنات.

 

الأمانة التي خافت من حملها الأرض والسماء ، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا . وإن خلاص البشر الفردي والجماعي من الظلم والجهل لا يكون إلا عبر (اقرأ) . النجاح في اختبار الوجود لا يمر إلا عبر اقرأ ، اقرأ يعني أن تفتح عقلك وقلبك وروحك لتتعلم العلم من الكتب ومن الواقع ، ومن مزيجهما معا في الحياة الدنيا ، تتحقق حقيقة الحياة  فننجح في اختبار الوجود . وجودنا كبشر في هذا العالم ، مسئولين عن جعله مكانا أفضل للحياة .

 

عندما  ينحصر اهتمام الإنسان بتأمين الحاجات الضرورية لوجوده ، يكون شبيها بالكائنات الأقل مكانة منه والتي تشاركه الوجود على هذا الكوكب . لكن الله ميزه بالعقل وفضله به على كل تلك المخلوقات ، وحتى يرتقي فلا يكون كما يقول أحمد مطر ( خراف ربهم علف يقال بأنهم بشر ) فعليه أن يقرأ وأن يكتب وأن يكون .

 

ذلك الموعد السري مع الحبيب المنتظر هو موعد مع اقرأ ،  مع كينونة إنسان قرر يوما ما أن يكون ، وقرر أن يرسل لك دعوة كصديق لتكون معه ، سيقبل عليك لحظة تقبل عليه ، وسيبقى في انتظارك حتى تعيد الالتفات إليه ، وسيحقق لك الكثير ، فقط إن قررت الانفتاح عليه .

 

القراءة ستفتح  عقلك وروحك على بوابات للحلم والمستقبل ، بخبرة من مضى وما سيأتي ، وسيحلق بك في عوالم جديدة تجهلها ، لا يمكن أن يحيط بها فيلم ولا صورة ، فقط خياله وخيالك هما بُراقا ذلك الإسراء إلى سماوات بلا حدود ! ستنظر إلى واقعك بصورة مختلفة وتتعامل معه بأساليب أكثر رقيا ونماء ، وتحقق معه رويدا رويدا معنى الخلافة الصالحة في الأرض ، لجعلها مكانا أفضل وأرقى ، مع مرور الوقت وتراكم الخبرات .

 

فهل ستتخلف مجددا عن موعدك السري مع الحياة الحقيقية ، وستبقى تدور كما باقي الكائنات في دائرة الطعام والشراب والنوم وباقي الشهوات ، أم ستقرر غدا ألا تتأخر على موعدك السري ، وجنتك الروحية ، أجمل ساعات اليوم المسروقة من دوامة الحياة ؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد