لقد وجدنا من هو أفضل منك، فهو يعمل 24 ساعة، ولا يحصل على أجازة أو راتب شهري، وهو يتمتع بذكاء رائع وغير كسول ولا يغضب ويتكلم جميع اللغات… إلخ ويمكننا إضافة أي ميزة به إذا احتجنا ذلك، لقد أتينا بإنسان آلي – الذكاء الاصطناعي – فهل يمكنك المنافسة؟

والذكاء الاصطناعي هو جعل الآلات تحاكي الذكاء البشري، أي يكون لديها القدرة على التفكير وتحليل البيانات والمعلومات للخروج بنتائج سريعة ناجحة وتقديم خدمة أفضل للبشر، وظهر أول إنسان آلي مثبت عام 1961 من أجل رفع قطع الحديد الساخن ورصها لحماية ومساعدة العامل البشري، والآن عام 2020 يمكنك أن تجد الإنسان الآلي يقدم لك الطعام والمشروبات في أحد المطاعم.

وتوصلت دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الإنسان الآلي سيقضي على 85 مليون وظيفة في الشركات المتوسطة والكبيرة خلال خمس سنوات، وأنه بحلول عام 2025 سيقسم أصحاب العمل أعمالهم بالتساوي بين البشر والآلات، كم كشفت دراسة أجرها باحثون في جامعة أكسفورد البريطانية وييل الأمريكية أن هناك احتمالًا بأن الذكاء الاصطناعي سيتفوق علي الذكاء البشري في غضون 45 عامًا.

وبدون دراسات أو توقعات لمستقبل سوق العمل، فإذا نظرنا حولنا سنجد أننا نتعامل مع الآلات أكثر من البشر، وقريبًا سيكون من النادر أن تتعامل مع بشري مثلك للحصول على أي خدمة، وبالطبع تسبب وباء فيروس كورونا في إيجاد فرصة عظيمة لأصحاب التطور التكنولوجي لإظهار الكثير من الخدمات، ومنها الدفع الإلكتروني، وكل ما عليك هو أن تنشئ حسابًا، وتحمل التطبيق على الهاتف وسيكون كل شي في يدك، ودعنا نوضح مثال بسيط يحدث في منزلنا إذا كان والدك أصبح على المعاش وكان يخرج في نهاية كل شهر لصرف الراتب من مكتب البريد فكان يركب مواصلة داخلية، ثم يقابل رجل الأمن، ثم موظف صرف المرتب ويرجع في نفس المواصلة، وفي هذه الحالة لقد تقابل مع أربعة أشخاص وتعامل مع ثلاث وظائف، ولكن الآن لقد حصل على البطاقة الائتمانية، فيخرج من البيت لأقرب ماكينة صرف تبعد أمتار عن المنزل، وبهذا وفر وقت ومجهود وأموال المواصلات، ولكن بالمقابل هو ساهم في إنهاء أو تقليل دخل ثلاث وظائف في المجتمع، وهذا ما يحدث منك أيضًا عندما تشتري أو تطلب أي خدمة «أون لاين». وفي إحدى حلقات برنامج «إحسان من المستقبل رمضان 2020» عن الذكاء الاصطناعي لمستقبل المستودعات في الإمارات، فكان يتم التحضير في أحدهما حوالي 27 ألف طلبية يوميًا وكان يعمل به 40 إنسان آلي فقط! بينما إذا كان يدار من خلال البشر فكان سيحتاج تقريبًا إلى 500 إنسان بشري.

أن خطوات مهندسي الذكاء الإلكتروني لتحكم الآلات تسير بشكل سريع نحو هذا، دون النظر إلى أي أضرار ممكن أن تحدث في المستقبل من ترك الملايين لوظائفهم، وفقدان المجتمعات لمهارات العمال والفنيين في مهن ستكون خسارتها كبيرة جدًا. كما أن هناك رأيًا آخر يتحدث عن الوظائف التي ستنقرض بأنه سيحل محلها وظائف أخرى، وبالتالي هذا الخوف مبالغ فية من زيادة نسبة البطالة، وبالفعل نظريًا الأمر صحيح، ولكن ما نراه الآن لا يبشر بذلك، فهناك وظائف جديدة، ولكن ليس بنفس النسبة، في ظل وجود أزمة بطالة من الأساس، كما أنهم ينسون أن الوظائف الجديدة في هندسة الذكاء الاصطناعي والبرمجة وتطوير التطبيقات والإنسان الآلي… إلخ لن تكون مناسبة للملايين من البشر، مثل موظف محصل فاتورة الكهرباء، أو عامل المصنع أو موظف مكتب البريد أو المذيع في نشرات الأخبار أو عامل المطعم… إلخ، الذين فقدوا وظائفهم، للأسف يتم حل بعض المشاكل معظمها من أجل الرفاهية ونخلق مكانها مشاكل أكبر، ومنها أن يصبح ذلك العاطل مجرم.

والواقع يشير أيضًا أننا نساعد في هذا، وللتفكير بعض الوقت سنجد أن التعامل مع الآلات مريح جدًا، فهم لا يمتلكون الصفات السيئة التي لدي بعض البشر كما أنهم لن يتسببوا في أي أزمة لك على الأقل حتى الأن، ونتذكر ما حدث عندما ظهرت إحدى الشركات الخاصة الأجنبية لسائقي التاكسي في مصر، والمشاكل والأعتراض الذي حدث من سائقي التاكسي العادي؛ لأن المواطن فضل التاكسي من الشركة الخاصة، لأن هناك نظامًا، والسائق ملتزم بالتعليمات، ويمكنك أن تشتكي السائق في وجود مشكلة، فعلينا أن نتخيل إذا ظهر التاكسي بالقيادة الذاتية من خلال الذكاء الاصطناعي، بمعنى لن تتعرض لأي مشاكل مع السائق فعلى سبيل المثال لن تضطر أن تدخل في نقاش معه دون داع من الأساس، وبالنسبة للسيدات فسيكون مميزًا جدًا للتخلص من التعرض للتحرش اللفظي أو الجسدي، وذلك لأن السائق غير موجود. ولكن يجب محاولة تغيير كل الصفات السيئة التي لدينا كي نستطيع أن نعيش سويًا، وتوفير النظام وأن يكون هناك عقاب لكل مخالف لتحسين جودة الخدمة، وليس إنهاء دور العنصر البشري.

ختامًا الذكاء الاصطناعي مهم جدًا ومفيد ويساعد البشر في جعل الحياة أسهل والقيام بمهام كانت ستكلف البشر الكثير من الأرواح والأموال والمجهود والوقت، وهذه يجب أن تكون مهمة الآلات فقط، لا أن تتطور للتحكم في كل حياتنا، فيتسابق رجال الأعمال إلى الصعود إلى السماء بالذكاء الاصطناعي ولا يدرون أن من الممكن أن يهبطوا إلى قاع الأرض إذا انقطع الاتصال بالإنترنت، وحينها لن نستطيع أن نرجع حتى كما كنا، لأننا سنكون دمرنا المهن القديمة، فالأجيال القادمة لا تعرف عنها أي شيء، فسوف تتوقف كل الخدمات التي يمكنك الحصول عليها من الهاتف، سيصل الأمر إلى الانعزال وتوقف الحياة تقريبًا، أو حدوث الأسوأ ووقوع الكارثة لتحكم الآلات في حياتنا مثل ما يحدث في الأفلام الأمريكية بعد أن نعطي لها كل المعلومات ونجعلها تفكر وتتخذ قرارات، وفي النهاية نسأل أنفسنا سؤال ماذا إذا انقطع الاتصال بالإنترنت أو ظهر فيروس إلكتروني تسبب في إيقاف الآلات (عطل في نظام التشغيل) ماذا سنفعل جميعًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد