في البداية فإن تشاناكلة مدينة تركية رائعة الجمال تطل على مضيق الدردنيل يقع نصفها في أوروبا ونصفها في آسيا وهي المدينة الثانية التي تقع في قارتين بعد اسطنبول.

أول مرة عرفت فيها عن هذه المدينة كانت في كتب التاريخ لكن ليس الخبر كالمعاينة، والمرة الثانية التي سمعت فيها عنها كانت في محاضرة لطلاب فلسطينيين عندما تحدث الاستاذ وضاح خنفر عن هذه المدينة ببعدها التاريخي والرمزي والذي اجتمع فيه المسلمون من فاس إلى جاكارتا مدافعين عما تبقى من دولة الخلافة في 1915.

فيما يلي بعض الفوائد التي استفدتها من هذه الرحلة من كافة الأبعاد :

تتعدد الموانع التي يمكن أن تعوق انتقال المرء جغرافياً من مكان لمكان، لكن المشكلة في نوعين من الناس أولئك الذين تتاح لهم فرصة الانتقال والنوع الاخر وهم من يتعذر عليهم ذلك وهو الإحجام عن السفر في التاريخ و أجد ان الدافع عند المحرومين أكبر.
قد يسحرك المكان بجمال طبيعته فالبحر والسماء والأشجار بخضرتها المتدرجة والتضاريس ترسم لوحة فائقة الجمال يزيدها ديناميكية سرب طيور يقطع مضيق الدردنيل بسرعة كبيرة وتكاد أجنحته تُلامس صفحة الماء التي تتحرك بإيقاع موجي خفيف بفعل الرياح التي هدأت ثورتها الصخور المحيطة التي كسرت أيضاً على بعد مئات الأمتار موجات أكثر شدة ،وتلتفت فترى سلحفاء صغيرة تحاول الاختباء بهدوء شديد تحت الحشائش، لا يقطع هذا الانسياب سوى صوت المرشد السياحي ليخبرك أن بحر إيجة في الجهة المقابلة وأن كثيرين يريدون زيارة هذا المكان الذي على حد وصفه يتسم بالقدسية لكن المسألة مسالة نصيب.
جاءت القداسة للمكان حسب قوله من تضحيات ودماء الشهداء الذين جاءوا من كل البلدان الإسلامية مدافعين ليسجلوا بدماءهم واحدة من المعارك التاريخية حيث بلغ عدد الشهداء 250 الف شهيد.
تستطيع هناك أن تنزل في الخنادق التي حفرها الجنوذ العثمانيون ببراعة لمواجهة القوات البحرية الفرنسية والأُسترالية والإنجليزية إضافة لغرف الرصد والمراقبة التي تبدو من جهة البحر أنها تلال طبيعية ومن جهة اليابسة هي غرف يتناوب عليها المراقبون لأي تحرك غريب في تكتيك ميداني ينم عن ذكاء .

تشاناكلة ربما كانت واحدة من الشواهد الأخيرة قبل أن تأتي سايكس بيكو لترسم واقعاً مريراً جديداً على أمة كان منتظراً منها ومازال أن تكون رحمة للعالمين، وعلى عكس هذا فإن الزائرين ما أن يصلوا لقبور الشهداء فإنهم مباشرة يفكر كل واحد منهم أن يلتقط صورة مع قبر شهيد أتى من بلده أو من مدينته وحتى الذي لا يريد التقاط صورة فإنه يقوم بذلك مماشاة لمن حوله، لا أعتقد أن هذا حساً قومياً سلبياً بقدر ما هو مدخل للفخر أن هذه المدينة شارك منها أبطال وجنود في الأيام الخالية وهذا يقودنا للخوض في العلاقة بين القومية والإسلام  حيث لم يأت الإسلام بديلا عن القومية بل هو أكبر وأسمى منها بل إنه قدم حلولاً لبعض مشاكلها. وكما قرأنا وفهمنا أن الإسلام لا يقف في طريق الانسان إذا انتسب لقومه ولوطنه ولكن لا يكون عداؤه ومحبته للاخرين من غير قومه متعارضة مع الإسلام. لكن للأسف بدأت حلقة جديدة للقومية  ذات البعد السلبي بعد هذا التاريخ.

بالعودة إلى التاريخ  فإن تشاناكلة التي يقال أن قصة حصان طروادة الشهير قد حدثت فيها أو بالقرب منها  كانت تسمى في عهد الدولة العثمانية القلعة السلطانية ، وفي الحرب العالمية الأولى حاولت بريطانيا وفرنسا مهاجمة المدينة من أجل الوصول إلى إسطنبول وتأمين الطريق للقوات الروسية ضد القوات الألمانية إلا أنها واجهت خسائر كبيرة ودمرت عدة سفن وبوارج وغواصات رئيسية حيث كانت العملية العسكرية في صورة استدراج للاسطول البريطاني إلى حقل ألغام في مياه الدردنيل ثم الحاق خسائر فادحة به. وهو ما عرف تاريخياً أيضا بمعركة جاليبولي.
وأختم هذا المقال إن صح التعبير بأنني حدثت صديقاً تركياً برحلتي إلى تشاناكلة فأخبرني بحكاية لا أعلم مدى صحتها لكنه قال أنه عندما كانت تتجهز القوات الاُسترالية لمحاربة الدولة العثمانية كان في ذلك الوقت في أستراليا يوجد مواطنين عثمانيين إثنين أحدهما يعمل حلاقاً والاخر نجاراً فعندما علموا بإعلان الحرب ما كان منهما إلا أن وفرا سلاحاً وذهبا إلى حيث طريق القوات وهاجموها مما أدى لمقتل عدد منهم واستشهادهما ولكن الطريف في الأمر أن محافظ تلك المنطقة وجد رسالة موقعة من الشهيدين يبلغانه فيها بإعلان الحرب من قبلهما بسبب الهجوم على بلديهما ظلماً وعدواناً.  إلى اللقاء في مقام آخر وفوائد أخرى…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد