إن التخبط الذي أصبح السمة البارزة في إدارة وضع البلاد، والانقسام الذي طغى على واجهة المشهد السياسي، وضبابية الرؤية وعدم القدرة على توجيه مقومات الدولة من أجل تحقيق توازن داخلي واستقرار في كافة مناحي الحياة، بالإضافة إلى أن الفشل الذريع في تحديد العدو من الصديق أضر بسمعة السودان كثيرًا، وحط من قدر الشخصية السودانية، وأغرى الكثيرين للتعامل معنا دون المستوى المطلوب.

فكان أن كلما تنازلتم شدوا عليكم الوثاق، فشددتم علينا كذلك، وكل ما استطعتم أن تتقاضوه من أجر جراء تنازلاتكم غار في جيوب فاسديكم الذين امنوا العقوبة؛ فأساءوا الأدب، وإن كان ثمة مخرج فهو الانصياع لإجماع الشعب وحقن دماء أبنائه الذين أنهكهم الجوع، ويئسوا من كل أمل في إصلاحكم، فهم لم يضيقوا ذرعًا بكم حينما كنتم في أوج عطائكم، بل وقفوا معكم في خنادق القتال، ودفعوا دماءهم ذكية حينما آمنوا بالفكرة التي هي من صميم دينهم ورأوا فيكم القدوة حينها، ولم ينازعوكم طيلة 20 عامًا، ولكن الأعمال بخواتيمها سيدي الرئيس.

وكما قال الشهيد الزبير نحن قوم أهل قرى وبوادي فإن رايتمونا ركبنا الفارهات، وسكنا الشاهقات، فاعلموا بأنا فسدنا، ولك أن تنظر كم منكم يملك عشرات الفارهات ومثلها من الشاهقات أنتم اخرجتم الناس من السوق الذي كان كأحسن ما يكون وأدخلتموهم المساجد، وهم جوعى، ودخلتم السوق لتجعلوه نارًا تلظى تسعر على رأس كل ساعة لتلفح وجوها كادحة أضناها الفقر، وأرهقها السعي.

إن النهاية دائمًا لا تكون وفقًا لما تتصوره، وإن موقفك اليوم سيخلد على صفحات التاريخ يتدارسه الأجيال؛ فيمجدوا صنيعك أو يسبوه اليوم، كلا الخيارين، فإما أن تستجمع قواك العقلية وتنظر لهؤلاء بعاطفة الأبوة، وأنهم ليسوا أعداء لك، بل ناصحين لم تصلك كلماتهم في برجك العاجي، وربما حجبها عنك مستشاروك فأوهموك بالتقارير الكاذبة أن الشعب لا زال يريدك، وان الأمة تنتظر منك التوسط لحل مشاكلها، وأنك أنت عمر بعد عمر!

كل ما يقولونه أكاذيب، والشارع يشهد، فهو خرج منذ مدة قاربت على العام ليعانق الصبر وقوفًا على صفوف الخبز الذي بخلتم عليه به، فصبر؛ لعل ضميركم يصحو فتعيدون حقه المسلوب، ولكنكم لم تسمعوا، فأذهبتم وقوده الذي تسير به حياته، فاصطفت السيارات إلا سياراتكم، وربما يبيت الرجل يومًا، أو يومين؛ ليملأ خزان وقوده، ليعود لأسرته منهكًا مهمومًا يتعارك مع رجال الأمن الذين يبيعونه بالبراميل للمنقبين سرًا، بينما يوقفون حركة البسطاء، ولم يكفكم مشاهدة كل هذا العذاب بحق هؤلاء فمنعتموهم حتى أماناتهم، فجففتم ما في بنوككم من سيولة، وحددتم للناس من أموالهم ما لًا يسد رمقهم، ولم تراعوا أن في هذه الأموال حقوقًا ليتامى وأطفال أو كبار ادخروها لتعينهم على ظروف الحياة وتقلبات الأيام فجعلتموهم يقفون كذلك صفوفًا ليصرفوا أموالهم بالرشوة البينة والربا الواضح، وانتشر بين الناس دون علمهم، بل بسببكم، فكيف لكم أن لا تشعروا بهؤلاء، وتقهقون ملء أفواهكم وتطيب لكم الحياة، وقد كدرتموها على من وضعوا فيكم الثقة ذات يوم فضربتم بآمالهم عرض الحائط، وها أنتم اليوم ترفعون أنوفكم كبرًا لتقولوا إنكم تملكون حلولًا بعد ٣٠ عامًا لم تصلوا لها، فكيف بعد ذلك.

 ليس لك أن تتمسك بشعاراتك القديمة لأنها لم تعد تقنع أحدًا، وإن كنت حريصًا على سلامة الإسلام والمسلمين، فاتخذ قرارك بترك الحكم، فليس من صالح أي من وطنك ودينك أن تظل حاكمًا إلى الأبد، وانظر إلى كل من حولك ممن سقطوا رغم أنوفهم بعد أن تشبثوا بالحكم حتى تدخل الغرب فدمرهم جميعًا، أما كان من الأجدر بهم التنازل بهدوء وحقن الدماء وسد ذرائع التدخل الخارجي الذي يتربص بك، وببلدك، فأنت أهون عليهم من معمر القذافي، وسيكونون أسرع في الاستجابة إذا كنت مصرًا على سلوك ذات النهج وتحدي إرادة الشعب، ولطالما كنت تمجد النخوة السودانية وتتخذ قراراتك الارتجالية دون أن تنظر إلى العواقب فتتحدث بحماس وتقدم أساليب مؤثرة في استمالة قلوب شعبك، فجاء الدور عليك الآن ليستميل الشعب عواطفك ويخاطب وجدانك، ويقول لك ارحل بسلام فلا ضرر ولا ضرار أن سماحك بقتل العزل من العامة، ليس موقفًا بطوليًا إنما هو وصمة عار لن يغفرها لك هذا الشعب الذي لطالما كابد الأمرين حالما بحاضر آمن ومستقبل أفضل، فإن فشلتم في تحقيق رغباته فلا تسلبوه حياته فما عاد لبقائكم من داع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد