كان أحد ترشيحات بلال فضل في برنامجه (عصير الكتب)، أقنعني غلو ثمنه أن أكتفي بقراءته إلكترونيا، وهو من نوعية الكتب التي لا تصلح للقراءة في المواصلات أو في الأماكن العامة، بل يحتاج إلى جلسة خاصة، يجتمع فيها دفتر الملاحظات مع كوب الشاي مع الحرص على أن تكون بطارية الهاتف مشحونة، بذلت فيه كاتبته (بسمة عبد العزيز) جهدًا جبارًا، شعرت به من أول صفحات الكتاب إلى آخر صفحاته.

ذاكرة القهر هو أول عنوان خطر على بالي عندما قررت أن أكتب ذكرياتي عن الجامعة، ليس فقط لإعجابي بالاسم بل أيضًا لتتطابق معناه مع الواقع.

خدعوك فقالوا إنها أجمل أيام العمر، وما هي بكذلك، وكل ما أتمناه أن لا تكون كذلك، وأن لا يكون القادم أسوأ بحيث يجعلني أتحسر على أيام الجامعة وذكرياتها.

في الكتاب تستعجب الكاتبة من كون الثورة قامت ضد التعذيب، وعلى الرغم من ذلك شهدت الأعوام التي تلت الثورة زيادة مرعبة لحالات التعذيب، نفس الأمر في الجامعة التي من المفترض أن تكون هي المكان المخصص لنقل العلم والمعرفة، ولكن المفارقة إنها ليست كذلك، بل هي المقبرة التي تدفن فيها كل رغبة في العلم أو في المعرفة.

الغريب أن هذا لم يكن وجه الشبه الوحيد بين ما أود كتابته عن ذكرياتي في الجامعة وبين ما ورد في الكتاب، فلقد شعرت وانا أقرأ الكتاب أن الكثير من تفاصيله تنطبق على حالتي في الجامعة، وأن تغيير صياغة بعض الجمل سيعطي المعنى المناسب لما أود أن أقوله، وسيوحي للجميع إنني أتحدث عن ذكريات طالب جامعي بالفعل وليس عن حالات تعذيب حدثت لمساجين في المعتقلات، وعلى هذا الأساس قررت أن أعتمد في الكتابة على إعادة صياغة بعض فقرات الكتاب لأرى هل ستكون فعلا معبرة أم أن خيالي قد خدعني.

وإذا فليبدأ اللعب..

حين يتأمل المرء خريطة التعليم في مصر لا يسعه إلا أن يتبين ملامح منظومة كاملة من الظلم والقهر، تضم هذه المنظومة من هو ضالع في الظلم مباشرة، والمناخ المناسب للظلم، ومن يتعرض للظلم، والجمهور الذي يراقب العملية.

صورة الأستاذ عن نفسه

نمتلك جميعًا آليات دفاعية متعددة نستخدمها دون وعي للتخفيف من أزمة نفسية نمر بها، أو إحساس بالذنب قد يعترينا، يفعل القائم بالتدريس الشيء نفسه، حيث يستخدم بعض الآليات التي تمكنه من التعامل مع فشله في التدريس، وتكييفها لتصبح العكس، ففي بعض الأحيان تتولد لديه حيل ودفاعات بسيطة مثل إنكار الفعل ذاته: (لم يحدث، أنا لست بفاشل) أو (ليس هذا بفشل، إنه نجاح في حدود الإمكانيات)، أو التنصل من المسئولية عنه: (ما أنا سوى حلقة بسيطة وسط سلسلة طويلة، ولست بمصلح الكون)، أو يلجأ إلى تعظيم الذات عبر تحقير الطلبة، وهي نقطة يجب الحديث عنها باستفاضة.

يشعر الأستاذ حينها في قرارة نفسه بالعظمة، وإنه مظلوم في هذا المكان الذي يحبس إمكانياته، ولو إنه في بلد ترعى العلم والعلماء لكان تبوأ فيها أعلى المناصب، وفي المقابل ينظر إلى الطلبة نظرة ازدراء، نظرة من لا يستحقون المجهود الذي يبذله من أجلهم، وهنا يقع الأستاذ في صراع داخلي بين ما يعتبره واجبًا مفروضًا عليه (الاستمرار في التعليم) وبين ما بدأ يدركه من وجهة نظره حول الطالب (غير المستحق للتعليم) وبما أن التخلي عن عمله الوحيد هو أمر مستحيل الحدوث تقريبًا، لا يصبح أمام الأستاذ سوى تفريخ تلك الشحنة الانفعالية بالانتقام من الطرف الأضعف أي من الطالب بالطبع، الذي تسبب له في صراع غير محمود، وكشف عن دون قصد أن عمله ربما لا يكون ذا أهمية أو قيمة كما آمن دائمًا، وإنه يرهق نفسه فيما لا طائل منه.

يشعر الأستاذ إنه في مرتبة إنسانية أعلى لمجرد أن الطلبة لم يمروا بنفس تجربته في الحياة، ويبدأ في سرد تجاربه (سواء كانت حقيقية أو من وحي خياله) بغرض إثبات ضآلتهم أمامه وإنهم مرفهين وكسالى، لأنهم لم يسلكوا الطريق الذي سلكه عندما كان في مثل عمرهم، وبالتالي لا يشعر بالذنب عند أي تقصير تجاههم.

تخفف الدفاعات السابقة من حدة الصراع النفسي لدى القائم بالتدريس وتجعله أكثر قدرة على التعامل مع واقعه، ويلاحظ أن قسمًا كبيرًا من الأساتذة يظل على قناعته التامة بإنه ليس مسئولًا عن الحالة التي وصلت إليها العملية التعليمية، ولا يكون الأمر مجرد دفاع عن النفس أو محاولة مفتعلة للنجاة من العقاب، بقدر ما هو تغير حقيقي في الوعي، يعاد من خلاله تشكيل الصورة وترتيب عناصرها وتوزيعها بما يحقق الرضا والسلام الداخلي.

منهجية الفشل

(سوف تصبح أجوفا … سنعتصرك حتى الفراغ، وبعد ذلك ينبغي أن نملأك بذواتنا)

تلخص العبارة السابقة التي سطرها جورج أورويل في روايته الشهيرة (1984) ما يجري مع الطلاب، إذ يهدف المنهج التعليمي إلى إستبدال آراء الطلبة ومعارفهم بالتي يحددها الأستاذ، بغض النظر عن إمكانية أن تكون الآراء الأولى أكثر وجاهة وعقلانية.

كما يلجأ المنهج إلى الاستنزاف النفسي للطلبة، فالكثير منهم ينتابهم الشعور بالخجل نتيجة لإحساسهم بانهم جهلاء، رغم أن ليس في الجهل ما يعيب طالما كان هناك رغبة في التخلص منه، وأتخذ في سبيل ذلك خطوات كان بينها الدخول للجامعة، إذا فمن الطبيعي أن تعمل الجامعة على تنوير طلبتها بحيث ينقشع ظلام جهلهم، ولكن بدلًا من ذلك عايرتهم الجامعة بقلة معرفتهم، وبحجة تعليم الصيد بدلا من إعطاء سمكة، تم إلقاء مسئولية التعليم على الطالب، بحيث يعلم نفسه بنفسه، ولكن الطالب لم يطلب سمكة، ولن يستعير مطرقة، كل ما طلبه أن لا يقطعوا يديه التي ينحت بها في الصخر.

ونتيجة لهذا النظام التعليمي البائس فشل الطلبة في تحصيل الكثير من المعرفة مما زرع داخلهم الإحساس بالدونية والعجز، ففقدوا القدرة على نقد ما يدرسونه، واكتفوا بآراء أساتذتهم ليس لإيمانهم بصحتها بل بسبب اقتناعهم أن آراءهم سخيفة لا قيمة لها.

وتستمر عملية الاستنزاف النفسي للطلبة حتى يصلوا إلى نقطة عدمية، يفقدوا عندها أي أمل في تغير الموقف إلى الأفضل وبالتالي يتم الانزلاق بسهولة إلى هوة اليأس والاستسلام التام.

الضحية

الكاتب الكبير يوسف إدريس له مجموعة قصصية تسمى (أنا سلطان قانون الوجود) في تلك المجموعة قصة اسمها (عن الرجل والنملة)، وفيها يحكي عن قصة مسجون تعرض للتعذيب بقسوة، حيث طلب منه جلاده أن يمارس الجنس مع نملة، أن يأتي بنملة ويخلع ملابسه ويبدأ في مضاجعتها، هذا العمل الذي أدى في النهاية إلى وفاة المسجون كمدًا وقهرًا.

هناك ما يعرف بـ(الطلب المستحيل) وهو طلب يشعر أمامه الطالب بالعجز التام، حيث يتلقى من الأستاذ أوامر متعددة لكنه يفشل في تنفيذها، ويكون العقاب جزاءً لفشلها الحتمي، كأن يأتي امتحان تعجيزي يتجاوز إمكانيات الطلبة العقلية، في هذه الحالة يسقط الطالب في دوامة الإحساس بالفشل، ويفقد بالتدريج ثقته بنفسه، حتى يظن في نفسه فعلا إنه فاشل، إنه نملة!

يعاني معظم الطلبة من نوبات ارتجاعية، وهي نوبات يسترجع فيها الطلبة الحدث الصادم مرة أخرى كما لو كان يعاد من البداية بكامل المشاعر والأحاسيس، كأن تأتيه أحلام مزعجة تحتوي عناصر أو أجزاء من التجربة الصادمة إما كما حدثت في الحقيقة أو بصورة رمزية، أعرف الكثير من الطلبة (وأنا من ضمنهم بالمناسبة) تراوده كوابيس عديدة منها مثلًا إنه داخل قاعة الامتحانات وأمامه ورقة أسئلة لا يعرف من إجاباتها شيئًا، وقد يأتيه الكابوس بصورة أخرى كأن يأتيه الأستاذ في منامه ليسحب منه الكارنيه ويطرده خارج قاعة المحاضرات.

ونتيجة لتلك العوامل وعوامل أخرى غيرها لا يتسع المجال لذكرها الآن، بدأ الطالب بالانسحاب تدريجًا من حقول العلم والمعرفة، بل إنه بدأ ينفر منها بشكل عام، وتحول الإنسان الذي هو بطبيعته محب للعلم إلى كائن يفزع بمجرد اقتراب موعد بدء الدراسة.

وهكذا تم إلقاء الطالب في عرض البحر بدون أن يتعلم العوم، وبدلا من أن يعافر الطالب ليحاول الوصول إلى بر الأمان إستسلم للغرق.

الجمهور

يميل أولياء الأمور لازدراء الطالب، والتحقير من شأنه فور أن يشهدوا تراجع في درجاته الدراسية، ينبع هذا من الميل التلقائي لاعتبار الطالب مسئول عن فشله بشكل أو بآخر، إنها فرضية (العالم العادل) التي ترى أن كل شخص في الحياة يحصل على ما يستحق تماما، فإذا وقع له سوء فبالتأكيد نتيجة لخطأ ارتكبه، وليس لظلم أو اضطهاد مورس عليه، وبذلك يختفي بمرور الوقت الغرض الأساسي من الدراسة وهو تحصيل العلم، ليزرع أولياء الأمور داخل أولادهم أن أهم شيء هو أن يحصلوا على درجة مرتفعة بالامتحان، فيلجأ الطالب للهروب من الوصم الاجتماعي بالفشل إلى السعي وراء تلك الغاية بغض النظر عن الوسيلة التي يتبعها للوصول إليها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد