ذلك الشعور المُبهم الذي يعتريك حينما تنظر إلى المرآة، أهذا أنا الذي أرى؟ من المؤكد أنك قاومت إحساسك المُلح بأنك لست وحدك، يهيئ إليك عقلك أن انعكاسك يمتلك إرادة حرة، لا يتقيد بحركاتك، لا يتبع إيماءات جسدك! ذلك الشعور، بأن المرآة ما هي إلا بوابة مؤدية إلى عوالم أخرى مجهولة!

061815_1915_1.png

يُقال إنهم دخلوا الغرفة طواعية، كانت الإضاءة خافتة، والهدوء يغمر أرجاء المكان، هناك وجدوها قابعة في انتظارهم،

مرآة تبدو عادية، بريئة المظهر، ولكن ما عليك سوى أن تقف في مواجهتها لمدة دقيقة واحدة حتى تغير رأيك!

 

****

وقف وحيدًا يحدق في انعكاسه على صفحة المرآة، وفجأة حدث شيء لم يكن يتوقعه على الإطلاق، ملامحه تتبدل، وقف يراقب وجهه يتشوه أمام ناظريه، ما يحدث يخرج عن سيطرته، ما من شيء يسعه فعله ليوقف ما يجري.

 

****

 

جاء دورها لتقف في مواجهة المرآة، مرت وهلة قبل أن يظهر لها وجه تعرفه جيدًا، يكاد يشبه وجه والدتها المتوفاة ولكن ليس تمامًا، لم يزد الأمر عن تبادل صامت للنظرات، نظرات مفعمة بالتساؤل والشك.

****

من بين هؤلاء الذين واجهوا المرآة، كان هو أحد التُعساء الذين كانوا على موعد مع ظهور هذا “الشيء”، بشع المنظر، مشوه الخلقة، لا ينتمي إلى عالمنا بالتأكيد، تسارعت نبضات قلبه بشدة، وتدفقت الدماء في عروقه، لم يكن في حسبانه أنه سيواجه كائنًا آتيًا من الجحيم.

****

 

وهم الوجه الغريب

على خلفية الأحداث المحيرة المرتبطة بتلك المرآة، لم يعد هناك مجال للشك في أن تكون “مسكونة”، وتتحقق من خلالها أشهر أساطير الرعب الشعبية التي تتوارثها الأجيال، ظاهرة ماورائية Paranormal مُلغّزة يستعصي على أهل العلم تفسيرها. لكن لا ينبغي الانخداع سريعًا بالمظاهر والانجراف خلف التكهنات، فإن قصة تلك المرآة لا تتعدى كونها تجربة علمية أجراها عالم النفس الإيطالي “جيوفاني كابوتو” ليدرس “وهم الوجه الغريب Strange face illusion”!

إن مرآتنا الغامضة، هي في واقع الأمر مرآة عادية بطول نصف متر وعرض نصف متر، أما المشاركون “السُذج” – على حد تعبير “كابوتو”- في التجربة وعددهم 50 مشاركًا، فقد طُلب منهم الوقوف على بعد 40 سنتيمترًا من المرآة والتحديق في انعكاسهم لمدة لا تقل عن 10 دقائق ورصد حدوث أي ظواهر أو تغييرات. بعد انتهاء مدة الرصد قام كل مشارك بوصف ما رآه، وكانت النتائج مذهلة! لاحظ 66% من المشاركين حدوث تشوهات بالغة في وجوههم، وأبلغ 18% منهم عن رؤيته لوجه أحد والديه مع تغيرات في الملامح، 8% منهم ما زالوا على قيد الحياة و10% رحلوا عنا! كما نالت وجوه الحيوانات نصيبًا في الظهور أمام 18% من المشاركين، أكان وجه قطة أو خنزير أو حتى أسد. ولا تتوقف نتائج هذه التجربة عن إبهارنا، حيث أبلغ 48% منهم (أي نصف المشاركين تقريبًا) عن رؤيتهم لوحوش وكائنات خيالية! وتُدعى تلك الظاهرة المُدهشة باسم “وهم الوجه الغريب”.

 

ثمة فرضيات عديدة مقترحة لتفسير ذلك الوهم، تذهب إحداها إلى أن الوجوه الغريبة هي ببساطة نتاج لإفراغ محتويات “العقل الباطن” على صفحة المرآة! يُعرف عالم النفس الشهير “سيجموند فرويد” العقل الباطن بأنه ذلك الوعاء الذي يحوي كل المشاعر والأفكار والرغبات والذكريات التي تقع خارج نطاق العقل الواعي، بمعنى أننا لا نعيها ولا ندرك وجودها ومع ذلك فإنها تكون المنبع الذي تأتي منه المادة الخام لأحلامنا ومستودع للذكريات المنسية ومركز للمعارف والمهارات التي تعلمناها ونستطيع أن نؤديها دون تفكير مثل قيادة السيارة أو النقر على لوحة المفاتيح. في العقل الباطن تجد مخاوفنا ومعتقداتنا الخفية لها مسكنًا أيضًا وكل ما له مضمون غير سار كالشعور بالألم أو القلق أو الصراع.

 

لذا فإن الفرضية تقول بأن رؤية ملامح مشوهة أو وجوه الآباء أو وحوش أسطورية مخيفة لا بد أن يكون له مغزى ويرتبط بما يتضمنه العقل الباطن من أفكار وذكريات، إن تلك الأفكار المتوارية بدورها يكون لها التأثيرالأكبر على شخصيتنا والطريقة التي نتصرف بها وفق نظرية فرويد. وفي هذه الحالة يعتبر أصحاب الفرضية المرآة كأداة فعالة لـ “تصوير” العقل الباطن ومعرفة مكنوناته، من ثم يصبح في مقدورهم تبرير تصرفاتنا التي تكون مدفوعة من قِبَله.

 

أما الفرضية الثانية فتُرجع سبب وهم الوجه الغريب إلى “تأثير تروكسلر Troxler effect”. هل أنت في العادة تكون واعيًا بوجود حذائك في قدميك على مدار 16 ساعة يوميًّا؟ ليس بالضرورة، لأن دماغك غير قادر على ملاحظة وتحليل كل المؤثرات المحيطة بك ومن ضمنها حذائك طوال الوقت – إلا إذا كان الحذاء ضيقًا بالطبع!- وذلك نتيجة لظاهرة تُدعى “التكيف العصبي Neural Adaptation”. فمثلًا عندما يتعرض النظام البصري لمشهد ثابت الإضاءة والسمات، تنشأ عنه استجابة ضعيفة بالمخ ويكون الثمن هو تلاشي سمات المشهد الخارج عن إطار اهتمامك من أمام عينيك! لكن بمجرد تحريك عينيك يعود المشهد إلى الظهور، تمامًا كما تحرك أصابعك داخل حذائك فتستعيد إحساسك بوجوده في قدميك من جديد. يمكنك أن تجرب تأثير تروكسلر بنفسك إذا نظرت للصورة المتحركة بالأسفل. عليك أن تركز بصرك على علامة + في منتصف الحلقة وشاهد النقاط البنفسجية الثابتة المحيطة بها تتلاشى بالتدريج مخلفة وراءها نقطة وحيدة متحركة، لكنك إذا حولت بصرك بعيدًا تعود الحلقة البنفسجية إلى الوجود!

 

للاطلاع

 
في تجربة المرآة، يحدق الأشخاص المشاركون بالتجربة في انعكاس وجوههم حتى يبدأ تأثير تروكسلر في الإتيان بمفعوله، فتبدأ سمات الوجه بالتلاشي تاركة إياهم في مواجهة وجوههم الغريبة! بالرغم من أن فرضية تروكسلر معقولة علميًّا غير أنها لا تفسر ظهور وحوش أسطورية أو وجوه أقارب متوفيين!

 

صورة غير حقيقية

 

أمام المرآة الخاصة بتجربة “كابوتو” يستعصي التمييز بين الحقيقة والخيال، حيث تلاشى الحاجز بين العقل الواعي واللاواعي، وأعمى التكيف العصبي الأبصار عن رؤية الحقيقة. إذا كانت هذه التجربة مثالًا على تشوه الحقيقة، فهل يمكن اعتبار ما نراه في المرآة بشكل يومي هو الحقيقة فعليًّا؟ أهكذا يكون شكلك حقًّا؟ أم أن المرآة لا تخبرك بالحقيقة؟!

 

ثمة فرق كبير بين صورتك في المرآة و”أنت” الحقيقي، ربما لا تنتبه لهذا الأمر غير أنه لا ينفي حقيقة أن المرآة تكذب عليك، في كل مرة! يعود هذا الأمر إلى عيب متأصل في المرايا، فما عليك سوى أن تكتب جملة على ورقة وترفعها في مواجهة المرآة، حتى ترى هذا العيب بوضوح، الجملة معكوسة! قد تعتقد أنك لا تكترث لهذا الأمر، لكن صدقني إنك تكترث!

 

هل تذكر آخر مرة وقفت في مواجهة الكاميرا كاشفًا عن أسنانك في انتظار التماع الفلاش، ولكن عندما نظرت إلى الصورة لم تألفها، وشعرت بغرابة وجهك فيها بل وربما كرهتها بشدة؟ هذا ببساطة لأنك لم تنظر إلى نفسك من المنظور المعتاد إليك، منظور المرآة.

 

في سبعينات القرن الماضي، أجريت تجربة علمية وطُلب من كل مشارك بها الاختيار بين صورتين فوتوغرافيتين لوجه المشارك نفسه، الصورة الأولى هي “الصورة الحقيقية” كما يراها الناس، أما الصورة الثانية كانت “صورة المرآة” أي كما يراها المشارك في المرآة. وكانت النتيجة لصالح اختيار “صورة المرآة” في معظم الحالات، بينما عند عرض الصورتين ذاتهم على صديق مقرب لكل مشارك، كانت الغلبة لتفضيلات الصورة الحقيقية! تسمى تلك الظاهرة بـ”تأثير التعرض المجرد Mere-exposure effect”، بمعنى أن المرء يتكون لديه تفضيل تجاه مؤثر معين نتيجة للتعرض المتكرر له. إن تعرض كل منا لصورته في المرآة بشكل دائم يجعل صورة المرآة هي الأكثر تفضيلًا لديه، على عكس من هم حولنا الذين يتعرضون دائمًا للصورة الحقيقية لذا لا يمكن أن نلومهم إذا كانوا يفضلون الحقيقة بخلافنا وهو ما يفسر كرهيتنا للصور الملتقطة لوجوهنا على الرغم من تقبل الآخرين لها.

 

اختبار المرآة

 

بالرغم من أن المنظور الشخصي لأنفسنا بالمرآة لا يعبر عنا أمام الآخرين، غير أنه ليس ثمة شك في كونه يعبر عنا أمام أنفسنا، أم أنه ثمة شك؟! هل أنت على يقين من أنك تحدق في انعكاسك الشخصي أم تواجه شخصًا آخر سواك؟

 

في اختبار أُجرى عام 1969 وُضع حيوان الشمبانزي في مواجهة المرآة. في البداية تعامل الشمبانزي مع صورته بالمرآة باعتبارها شمبانزيًا آخر بل وأبدى سلوكيات اجتماعية تجاهه! لكن مع مرور الوقت بدأ الشمبانزي في استخدام المرآة في استكشاف أجزاء من جسمه، لكن لم يكن ذلك دليلًا كافيًا على قدرته على تعرف إلى نفسه بالمرآة. لذا تم تخدير الشمبانزي ووُضعت علامة حمراء في ما مكان بوجهه. وحينما أفاق، نظر الشمبانزي إلى انعكاسه ووجه إصبعه إلى العلامة الموجودة على وجهه والتي لم يكن ليستطيع رؤيتها سوى باستخدام المرآة. كانت نتيجة التجربة أن الشمبانزي “واعيًا بذاته”، ويُعرف علماء النفس “الوعي الذاتي” في هذه الحالة بأنه المقدرة على إدراك أن من يقف في مواجهتك هو أنت وليس شخصًا آخر.

 

 

فيما بعد تمكن علماء النفس من تطوير ذلك الاختبار لقياس الوعي الذاتي لدى الأطفال، في اختبار شهير يعرف اليوم باسم “اختبار العلامة Mark test”. يُجرى الاختبار بوضع علامة باستخدام طلاء شفاه أحمر على أنف الطفل الرضيع وملاحظة رد فعله تجاه صورته في المرآة. وجد العلماء أن الأطفال في نهاية عامهم الأول يقومون بإبداء ردود أفعال كالابتسام أو إصدار أصوات تجاه انعكاسهم من دون إدراك وجود العلامة، وببلوغ الثانية من العمر يتمكن أغلبهم من إدراك وجودها ومن ثم بلوغهم مرحلة الوعي الذاتي.

 


يٌستخدم اختبار العلامة لتقييم الوعي الذاتي لدى الأطفال والبالغين على حد سواء، ولكن أيعني هذا الأمر أن هناك من يخضعون للاختبار ويفشلون في اجتيازه؟ في واقع الأمر.. نعم، يفشل الأشخاص المصابون بمرض انفصام الشخصية في تعرف أنفسهم ويتفاعلون مع صورتهم في المرآة باعتبارها شخصًا آخر! أيضًا لا يتمكن بعض مرضى ألزهايمر من التعرف على أنفسهم بالمرآة، كما تتأخر مقدرة الوعي الذاتي لدى الأطفال المصابين بالتوحد وقد تبقى غائبة للأبد في 30% من الحالات. بالنسبة إلى هؤلاء جميعًا تكون المرآة بمثابة حاجز شفاف يقف خلفه شخص غريب مجهول الهوية!

 

عندما تقف في مواجهة المرآة، لا تلبث أن تفتح أمامك بوابة مؤدية إلى عوالم أخرى! عوالم حبيسة النفس، تتحرر من أسوار العقل عبر المرآة. عبرها ترى “الوحوش الأسطورية” الكامنة في عقلك الباطن، وعندما تنطق بالكلمات السحرية: مرآتي يا مرآتي من أكون أنا؟ ستضعك المرآة في “اختبارها” أولًا، إذا نجحت في الاختبار، فستفتح لك البوابة المؤدية إلى عالمك الخاص حيث تتعرف على ذاتك الحقيقية، وإن فشلت، فستفتح لك بوابة مؤدية إلى عالم جديد حيث تتعرف على شخص جديد سواك!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- Caputo, G. B. (2010). Strange-face-in-the-mirror illusion. Perception, 39(7), 1007
2- Caputo, G. B. (2013). Archetypal-imaging and mirror-gazing. Behavioral Sciences, 4(1), 1-13.
3- Martinez-Conde, S., Macknik, S. L., & Hubel, D. H. (2004). The role of fixational eye movements in visual perception. Nature Reviews Neuroscience,5(3), 229-240.
4- Mita, T. H., Dermer, M., & Knight, J. (1977). Reversed facial images and the mere-exposure hypothesis. Journal of Personality and Social Psychology,35(8), 597.
5- Gallup Jr, G. G., Anderson, J. R., & Shillito, D. J. (2002). The mirror test. The cognitive animal: Empirical and theoretical perspectives on animal cognition, 325-33.
عرض التعليقات
تحميل المزيد