رجال الدين كالمنارة التي أهتدي بها حينما تضل سفينتي في ظلمات الحياة، وكلما ألقت بي الأمواج بعيدًا وتعثرت إحداثيات موضعي، أبحث عنها وأفتح شراعي للرياح، وأبدأ في التجديف تجاهها، هكذا أنجو بنفسي وسفينتي من غضبة الأمواج، ظلت تلك حالتي حتى جاء الربيع ودمر كل المنارات، ولم أعد أرى أي ضوء أستعين به في ظلمتي، لاشك أنه كان ربيعًا في موسمه، ولكن نتائجه إعصار أطاح بكل شيء.

وقفت مع نفسي وتساءلت.. كيف يطيح الربيع أو حتى إعصار بمنارة توطدت جذورها بعلوم القرآن والحديث والسنه؟ وحاشا لله أن يكون العيب فيهم، منذ أدركنا الحياة علمنا أن البناء حصين من كل سوء ومكروه، وأن تسرب الشك إليك في جدرانه أصبحت كمن يقضم لحم مسموم، لكن البناء قد انهار وأصبح كومة تراب، فأين هذا الحصين المزعوم؟ لا نتيجة سوى أنها زيف كبير خُدعنا بها مدد طويلة من الزمن، كنت آتيهم بجروحي ويداوني بمخدر، ولم أدر حقيقة الدواء، إلا بعد أن زال مفعوله، واليوم تجمعت أوجاعي لكل سنين مضت ولا تنتهي.

أيقنت أن الضوء وهم وأن الراحة التي شعرتها تأثير مخدر، وتلك الهالة التي كانت تعلوا الرؤوس زيف كبير، وضعوه لأنفسهم حتى يخدعوا من هو مثلي والتجأ إليهم، ذكرني بكبير طائفة، رأيت الضوء يشع من وجهه، وإذا بها أضواء سُلطت عليه فهكذا تمت الخديعة.

لا شك أنه زمن الفتن والابتلاءات، واصعب الأزمنة التي مرت على الأمة، ظهرت مصابيح جديدة ذات كفاءة عالية، أخذت في شكلها طابعًا أصيلًا ذا أخلاق جديد، تراها تنشر الفساد في ثياب الخير، شيء من قبيل السم في العسل، ويصدرون الفتاوى والأحكام في كل أمور الحياة، وامتلكوا منابر عالية يراها الجميع فأصبح الكل يتناول فيض نتاجهم ويذيق كل من حوله.

أنا إنسان بسيط لم أدرس فقهًا، ولا شريعة، ولا أيًا من علوم القرآن، ماذا أفعل أمام هذه الفتاوى والأحكام، وأنا الذي التجأ إليهم في كل تساؤل ينغص علي حياتي، وآخذ برأيهم وقولهم، كما أنهم يتناولون من القرآن والسنة، هكذا تكون قناعتي أكثر بحديثهم: هذا حلال وذلك حرام، هؤلاء صالحون وأولئك فاسدون، فمن يحمل عني أوزاري، بعدما أيقنت أني أحمل الذنوب، أقنعوني أن الوهم ضوء ينير الطريق، كيف أمضيت الوقت حاملًا الوهم؟ كيف لم أسقط في بؤر الظلام، وماذا عمن سقطوا، اليوم أحمل الجهل في رأسي، تخمرت خلايا عقلي وأسكرته، وفسدت تلك المياه التي بها يطفوا، فمن يحمل عني أوزاري!

أناجي الخلق أن تعالوا خففوا عني، أنا الذي اشتريت الجهل بالعلم، دخلت سوق الأسياد ورأيت المشايخ يبيعون العلم في أبخس موضع للجهل، كنت ألهث في سوقهم بحثًا عن حلول لتساؤلاتي، وعطشي للحق اشتريت من كل بائع التف الناس حوله، فمن يحمل عني أوزاري.

ماذا عن مفهوم حرية ترسخ بداخلي، وأصبحت لا أفرق بين حرية الفكر وفساد العقيدة، وبقيت فترة من الزمن أصعد بمفهومي وأفكاري، وظننت أني واقف على صلب حتى تبين أنه رخو تغوص فيه أقدامي.

ماذا عن أصحاب رأي وعلم يملكون حقيقة الأمر، ويدركون العقيدة السليمة والفكر الصحيح، ماذا يفعلون! يقفون على مسافة بعيدة من كل ذي فكر مشوه، لا تسمع لهم قول معروف أو نهي عن منكر، ينتظرون، بل يتربصون سقوط أحدهم حينها تعلو أصواتهم وأحكامهم ويصدرون صكوك الجنة والنار.

أما كان عليهم أن يناقشوا هؤلاء، ويعملوا على علاج الفكر وتصحيح العقيدة؟ ماذا عن نفس تفلتت إلى النار؟ وأين الأمل في «عسى أن يخرج من أصلابهم من يعي لا إله إلا الله»؟ وماذا عن تغيير منكر رأيتموه بأعينكم، في تكاسلكم إعلام نشط على مدار 24 ساعة يُفسد علينا مفهوم الحرية، وينخر في العقيدة، ويطعن في الثوابت؟ لماذا لم تدعوا إلى حوار تناقشون فيه هذه الأفكار وتصحيحها بالدلائل والقرائن من الكتاب والسنة؟ ألا ترون أنكم كتمتم علمًا أوكله الله إليكم؟ ألا ترون أنكم حملتم إثمًا بتجاهلكم وصمتكم!

إن مدعي الحرية الفاسدة متأكدين أنهم على حق وأنها حق للبشرية كلها ولمن كان على شاكلتهم، ويتصدون لمجتمعهم بكل أيديولوجياته، ولديهم القناعة إنها فطرة وجدت داخلهم لا يملكون فيها اختيار، ربما هو محيط نشأتهم أفسد عليهم عقيدتهم وفطرتهم، أو هي رياح غربية هبت عليهم ولاشت عقولهم، ولكن عندما يصبح الأمر على الملأ، وتكون دعوة عامة لإنشاء كيان ذات حقوق ومبادئ حينها أين أنتم يا علماء القرآن!

قديمًا كانت تُعقد المناظرات بين أطراف عديدة وعلماء القرآن يطرحون قضيتهم ويتم النقاش والحوار على أشياء جدلية وقتها، وكل طرف يدلي ما في جعبته وتنكشف الأمور للجميع وتكون أكثر وضوحًا، وما على الحاضرين، أو المستمعين، إلا انتقاء ما يرونه حقًا، حينها تسقط المسئولية على المناظرين، وتقع على كل من سمع وحضر.

ولكن اليوم نتخبط في بعضنا البعض، وأصبحنا نتناطح كالثيران، اليوم أسمع منك قولًا وغدًا أصطدم بك في قول آخر، لم يعد هناك منبر نجلس أسفله، ولم تعد هناك منارة نهتدي بها، ولم يعد هناك عالم قرآن نلتف حوله، وأظلمت الطرقات وكثرت الحفر، إما أن تقف ساكنًا، وإما أن تتحرك على غير هدى، في سكونك هلاك بالبطيء، وفي حركتك تيه في الظلمات وسقوط في إحدى الحفر.

يقول الله تعالى «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» ويقول المصطفى – صلى الله عليه وسلم – «كل أمتى معافى إلا المجاهرين» فماذا عمن اختلطت لديه الأمور، وبدا له الفساد إصلاح وقناعته ساقته إلى أن الجهر بالمعصية دعوه للحق، فلله الأمر من قبل ومن بعد، سبحانه قلوب العباد بين اصبعه يقلبها كيفما شاء، ندعوه – تبارك وتعالى – أن يربط على قلوبنا، وأن يدلنا على الخير وأهله، وأن يبعدنا عن السوء وأهله، وأن يحفظ فطرتنا التي فطرنا عليها.

وفي الأخير النية الصالحة قد تنجي صاحبها من الهلاك، وأن الله – تبارك وتعالى – لن يترك عبدًا أراد الخير ابتغاء وجهه، فعلينا أن نسعى للحق، وأن نسلم أنفسنا وأمرنا لله وحده، حينها لن يدعنا لشيطان أو نفس ظالمة، بلطفه ورحمته سبحانه وتعالى سيرشدنا إلى الطريق الصحيح وسوف ينير لنا الطريق ويمسك بأيدينا حتى نصل إلى بر الأمان ونخرج من هذه الدنيا في سلام، سائلين المولى أن يحفظنا ويحفظ آباءنا وأولادنا وأحبابنا من كل الفتن ما ظهر منها وما بطن والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوزاري
عرض التعليقات
تحميل المزيد