قد تكون المرة الأولى التي أقف فيها عاجزًا عن الإمساك بالقلم وأشعر فيها بضآلة حروفي، بالرغم من البيان والبلاغة التي قيل ذات مرة على لسان أحدهم إنّ الله منحني إياها وغرسها بي، ولم لا؟ ومن أتحدث عنهم تهتز لرضاهم السماوات وتقف على أبوابهم ملائكة الجنة ولا تسعد الأرواح إلا بدعواتهم ولا يهنأ للحياة بالٌ إلا بنظرة احتواء وقبول منهم، فقد قرن الله برهم بعبادته فقال: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» الإسراء 23.. فأي قلم مهما أوتي من فصاحة له قيمة بعد هذا القضاء.

وأي حروف تفي من عظمهم الله بعظمته من فوق سبع سماوات.. أو ليس حري بي أن أقف بوقار في رحابهم.. ليس برًا بهم فقط، ولا عجزًا عن التعبير فحسب، إنما لأنهم سبب وجودي في هذه الحياة.. عن أبي وأمي أتحدث.

نعم أتحدث عن ذلك النعيم وهذه العظيمة التي سماها الله لي «أمي»، وعن ذلك الباب الذي شُرع لي في الجنة وأطلق عليه في كتابه «أبتي»، فهذا رسولنا الكريم الذي ولد يتيمًا أدرك هذا، بالرغم من أنه لم ير أباه، ولم يعش طويلًا مع أمه فيقول: الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو أحفظه. رواه أحمد عن أبي الدرداء، وعندما جاءه أحدهم يسأله: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ – يعني: صحبتي، قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» أخرجه البخارى، فإن كان ذلك بره وهو اليتيم فكيف بمن ترعرع على عينهما وأكل خيرهما ونال سعادته من شبابهما، واسود شعره من شيبتهما.. وراح يركض يمنة ويسرة من ضمور عظامهما.. أو ليس هو أولى الناس بالبر والطاعة والإحسان والسعي عليهما؟

كنت دائمًا ما أتوقف عند هذه الآية العجيبة كلما قرأتها وتفحصتها بقلبي.

«فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا» الإسراء 23، فأقول في نفسي أية بلاغة هذه التي تحول الأنفاس إلى كلمة تُقرأ وتُزلزل كيان كل من يمر بها، فأرى حياتي كاملة أمام عيني، وأتذكر فيها كل فعل وردة فعل على والدي.. ولا أتمالك نفسي إلا والدموع تنهمر من تلك العينين التي طالما احتوتهما أيديهما حبًا واحتواءً وحنانًا، رغم تقصيرنا في حقهما، فيصعب على اللسان حتى مجرد النطق في بيان فضلهما، فما نفع الكلمات أمام من قدم لك عمره وحياته لتعيش أنت؟ أي جهلة نحن حتى نفلت أبواب الجنة من أيدينا وقد منحنا الله مقابضها في بر والدينا والإحسان إليهما؟

وإني لأتعجب من قساة القلوب ومسلوبي الأفئدة ممن يتجاوزون تلك الأنفاس التي نُهي عنها في كتابه «فلا تقل لهما أف» فإن كانت هذه قد حُرمت وجعلت من العقوق فكيف بمن يتجرأ على الرد والنهر ورفع الصوت، بل الإساءة أيضًا؟ أي عذاب ينتظره! وأية مصيبة قد ابتلي بها حتى يعادي خالقه الذي قرنهما باسمه.. فيجلب عليه غضب الدنيا وهلاك الآخرة!

لذلك أكتبها لك.. نعم لك أنت يا من تقرأ كلماتي، فلم تصلك تلك الكلمات عبثًا، ولم تأتك خبط عشواء، إنما قُدرت لك تقديرًا.. كي تقف مع نفسك وتراجع حياتك وتسأل ذلك القلب الذي ينبض بصدرك وتلك الدماء التي تسري بداخلك من عروق والديك.. أين أنت منهما؟

وإياك ثم إياك أن تتعذر بقدر أو تحتج بواقع أو تتعلل بتقصير منهما معك أو تسول لك نفسك المجادلة بشدة منهما، فلا والله ما رأيت أجهل ممن يرى النعيم على يمينه ويتولى إلى العذاب على يساره! فمن أنت لتقيم والديك مهما كانا؟ ومن أنت لتحكم عليهما بعد أن نبت لحمك واشتد عظمك من ضعفهما؟ ومن أنت حتى تجادل من أفنى عمره كي تقف على تلك القدمين وينطق لسانك ليسمع به منك كلمة «لبيك أبتي وأمي».. أليس من الإحسان أن لا تنكر المعروف وترد الجميل.. فضلًا عن الحق الذي أُمرت به فيهما؟

تالله لا تغني كلماتي شيئًا في بحر ذلك الذي الفضل نحيا فيه بسببهما، وإني لأستعظم في نفسي أن أرى كافرًا يبر آباءه الأموات، بالرغم من أنهم على باطل ويرفض الحق تبعًا لهم: «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ» الزخرف 22، ومن مسلم يبر أمه الكافرة كمصعب بن عمير الذي فعلت به أمه الأفاعيل حتى ترده عن دينه ويبرها ويأمره النبي – صلى الله عليه وسلم – ببرها، ومن مسلم أنعم عليه بأبوين مسلمين يدعوانه للفضل والخير والبر وأبواب الفلاح ثم يعرض عنهما بل ويزيد البلاء ببلاء آخر فيعقهما.. فاللهم رحمتك بهؤلاء وبنا، فأي عاقل هذا الذي يشعل نارًا في ملابسه بيوم عاصف، ثم يبحث عن ماء لإطفائها في سراب العقوق!

كثيرًا ما سمعت من الناس أنّ نعمة الأب والأم لا تُعوض ولن يشعر الإنسان بعظمتها إلا عند فقدها أو فقد جزء منها، وكنت أتعجب من كلماتهم ليس لحقها وحقيقتها، بل لأنهم قالوها بعد أن فقدوا والديهم! فهل ينتظر الإنسان حقًا أن يموت والديه حتى يبرهما! وما نفع البر للأموات بعد أن حُفرت لهما قبور العقوق في الحياة؟ كمن يسقي النبتة بعد أن ماتت وجف عودها وبلي بذرها أملًا في إحيائها.. فأي وجع هذا الذي تريده وأنت بيدك سعادة الدارين؟

اسألوا ابنًا ذُل بعد موت أبيه كيف صارت حياته؟ أو فتاةً كم أُهينت وجُرحت بعد فقد والدها؟ واسألوا أولادًا كم كُلِموا في حياتهم وأنفسهم ومستقبلهم بغياب آبائهم..بل اسألوا غريبًا ومُهجَّرا عن حضن أمه ووطن أبيه كما يقاسي من ألم الفراق ولوعة البعد ومتاعب الحياة؟

لذلك أخطها بكل صدق من بُنيات حروفي ومن خفقات ضلوعي ومن نبض القلم الذي علمتني أمي كيف أمسك به: «إنّ الأم والأب هما ربيع الحياة فمن فقدهما رغمًا عنه سيذوق حتما من لظى الحياة وإن كانت نعيمًا، ومن فرط فيهما فستنقلب دنياه خريفا لا شتاء له ولا غيث فيه وإن أمطرت عليه أنهارًا، لكنها أمطار كالحجارة لا تسقي عطشانًا ولا تروي أرضًا ولا تنبت زرعًا، ولا أجد طريقًا أعظم لسعادة المستقبل إلا ما جاء لنا في الأثر عن الوالدين: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم»، فلا والله بعدهما قريب ينفع ولا غريب يشفع.

نعم لقد أخطأ أبي وأمي في كثير من الأمور، لكنّ هذه الأخطاء لم تكن أبدًا إلا طوقا لنجاتنا، ودربا لصلاحنا، وسبيلًا لرشادنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة، أخطأوا عندما ربونا لزمنهم وليس لزمننا، فلم يدركوا أنه ما جاء جيل إلا والذي بعده أسوأ منه، أخطأوا عندما أخبرونا أن نبتسم في وجه الجميع، فظنها البعض ضعفا وظنها آخرون بلاهة! أخطأوا عندما أخبرونا أن الخير في قلب الجميع، فاكتشفنا في حياتنا أن هناك شياطينا من الإنس أشد سوءًا وأذى من شياطين الجن، أخطأوا عندما أمرونا أن الدين هو الحياة فظنه البعض فينا جنونا ودروشة! أخطأوا عندما جمعوا القرآن في قلوبنا حفظًا وفهمًا.. فاعتبره البعض تخلفًا ورجعية! أخطأوا عندما علمونا الكسب الحلال وعدم أكل الحرام فظنها البعض.. بلادة في سعينا للرزق؟

لكني حقا أتساءل وأسأل كل من يقرأ هذه الحروف: هل هم حقًا من أخطأوا أم أننا من أخطأنا ولم نستطع حفظ الأمانة، وأن نغير ذلك الجيل المغيب بالرغم من كل هذا الخير الذي غرسوه في قلوبنا! فلم يربونا إلا على الفطرة النقية التي فُطرنا الله عليها، وإني لعلى يقين أنّه في كل قلب إنسانٍ  منا غصة على كل لحظة قصر فيها بحق والديه، حيين كانا أما ميتين، وإنه ليتحسر على نفسه في الدقيقة ألف مرة بما أصابه من عفن الحياة وآفات البشر.

رسالة الختام:

أدرك نفسك وكن تحت قدمي والديك، فلا والله لن تنال الجنة ولا رضا ربك إلا برضاهما، ففي رضاهما رضاه وفي سخطهما سخطه، واعلم أن التوفيق موقوف على دعواتهما، وأن السعادة مكتوبة بين أيديهما، وأن فلاح الدنيا والآخرة لا يُنال إلا بطاعتهما، فلن تجد في هذه الحياة من يرجو أن تكون أفضل منه إلا والديك، ولن تجد إنسانًا يفني حياته لأجل سعادتك صغيرًا ويبلي عمره لأجل راحتك كبيرًا إلا والديك.

اترك ما مضى ولا تكثر التفكير فيه، واستقبل ما هو قادم لك.. فإما أن تصحح مسار حياتك ببرهما، وإما أن تكتب شهادة خسارتك في الدنيا وهلاكك في الآخرة بعقوقهما.. فما أمر الله عبدًا من عباده أن يَذِل لغيره رحمة إلا للوالدين، فقال: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» الإسراء 24، فهل وعيت الرسالة أم لازلت تفكر؟ وتذكر جيدًا أنّ الله لم يوصِ عباده في كتابه بأحد من البشر، إلا بالوالدين فقال: «وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا» العنكبوت 8، فاتقوا الله في وصيته بآبائكم وأمهاتكم.. رُفعت الأقلام وجفت الصحف.. وليغفر الله لي تقصيري في حقهما، وليسامحنِ والداي أنني لم أنزلهمها منزلتهما التي يستحقونها في مقالتي هذه، فأي حروف هذه التي تسعكما ومن أين آتي بها.. إنما فقط أسدد وأقارب.. يا من كنتم وستبقون فخري مدى الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد