هل تكتمل الدائرة بهذة الأضلاع !

ليس الحديث لأجل ساعةٍ أو يومٍ، بل هو حديثُ لعمرٍ وأزلٍ طويل لا ينتهي، ولا تفارقه نوائب الظروف، ولا الأزمان، رائحة العطر، ولؤلؤة العصور، وحاملة الدهر والعطاء دون كللٍ أو رجاء، صاحبة أمس، وصديقة اليوم، ونفسك بالغد، العطف والحنان، والجمال، والطيبة الرقراقة، والنور الوهاج المُضيئ، والبسمات، والضحكات، والكتمان بالحزن، والوجع المفقود، والأعين الحالمة بالسهر، والفيض الوفير الذي لا ينقطع، والبذل بالجهد، والجهد بالبذل، ودقائق الخوف والقلق، ونوم مضطرب، وزاد الحديث الدائم الأثر، واليد البريئة الناعمة، والملمس الجميل، وجواهر الكون اللامع الباقي، والكنز المفقود الذي بدونه مفقود، والقلب النادر بالوجود، وأحضان الألم، والحاجة، والطاقة، والراحة، والغبطة، وأحضان طفل، وشاب، وفتاة، ورجل، وامرأة، لا ينقطع، ولا ينتهي أثرها، بل تختلف في كل مرة عن الأخرى، وكأنها فاكهة الجنة مُختلف لونها وطعمها في كل حين.

قبلة الأمل والحياة حين تتلامس شفتيها بوجنتي في لحظات ضعفي وكربي وأيام همي وحزني، فهي الجسد وهي الأجساد، وهي القوة دون ضعف، وهي الضعف في حمل القوة، فقد كان الحمل ضعفًا ومشقةً ووهنًا، فيزداد الضعف على ضعف، وتزداد المشقة على مشقة، وتصبح نافذة واسعة تتلقى فيها المشاق والصعوبات حيث كنت نطفة وتتابعت الأيام بالألم والأرق وفقدان بنيان الجسد والتغيرات الداخلية بالغذاء، فكانت هي المنبع الصامد العظيم، ونحن الينابيع لها، فيتغير الحال بالحال ويأتي وجع الولادة، ذلك الوجع المُخيف الشديد، ومن ثم الرضاعة بالعطاء، ثم العطاء بالعطاء حتى الفصام.

إن الكمال بالرحلة هي أمي، والوفاء بالبيت هي أمي، والكلمة الطيبة بعد الوفاق هي أمي، فهي شرارة مُتقدة حين نمل ونغتم ونحزن وهي المِدفع والدرع حين نتعرض لأذى أو يواجهنا عدو، فإذا خٌلقت أمي من ضلعٍ أعوجٍ، فهي الأضلاع بالإعوجاج تكونت لتتألف بأن تكون أضلاعي وأضلاع دائرة الحياة التي نحياها بروحها ووجودها وحديثها وكل شيء.

فالأم هي تاج العظماء، وهي الإكرام والكرم، فأكرم تٌكرم، ولا تقسو فتندم، فالجنة منزلة لها، والجنة تحت أقدامها قد تربعت واستكانت، فكم أنتِ عظيمة يا أمي!

فالحذر من قول حروف الجُرح وحروف الـ(الألف، والفاء)، فلا تستحق منا ذلك ولا تستحق منا إلا قول الخير وقول المعروف والرضا والارتضاء، فلا تريد منك جزاءً ولا تريد منك شكورًا، فأقول لنفسي ولكم لا تستهينوا، ولا تنهروا، ولا تذبحوا كلمات الحب والعطف والحنان، فالخير كل الخير فيها، والنجاح كل النجاح بها، والرزق بدعائها، والسعي في ذكرها واجب، والفراق والمفارقة والصمت والغضب والنظرة الجارحة كل هذا وأكثر إثم وذنب عظيم، فبها الجنة وبها الجنان ولا سواها يلين قلبك ولا سواها تمضي حياتك.

وأقول لأبي بلغة مكسورة بالحنان والرأفة والرجاء، بالله عليك يا أبي لا تقس على أمي، ولا تهجرها، ولا تجعلها حزينة بالوجع، ولا تقهرها، ولا تلق عليها لومًا بالعذر، ولا تترك لها قيادة سفينة في أمواج عاتية عالية وترحل، فكن إلى جانبها واحن عليها وساندها وشاركها في آلامها وفي حديثها، وأطب خاطرها فهي أمي وزوجتك، وهي أمك وجدتي.

لا الحديث ينتهي، ولا الحروف تكفي لأمي، ولا مكانتها، ولا عطاءها الباقي الفريد، فهي نبراس كل ظلام والطريق لكل ضال ومُنحرف، هي السماء التي تهطل بالمطر طوال العام، وهي البرق حين تراك ترحل وتتجاهلها، وهي صوت الرعد حين تكون وحيدة في بيتها، فالمطر لا ينقطع، والبرق لك لترجع كما كنت طفلًا بين أرجلها، والرعد في جوفها يدوي صوتًا عظيمًا هائلًا لا يحس به أحد إلا من أنزل فيها وقال: «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا».

الآن فقط قد اكتملت دائرة الأضلاع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد