تزدهر الدول بما فيها من موانئ ومطارات ومعابر، حيث تعتبر متنفسًا لها وبابًا على العالم الخارجي، وتعد من المقومات الرئيسية لبناء الدولة وتطورها وتقدمها، كما أن المعابر وسيلة لتسهيل خروج المواطنين والسفر، ودائمًا ما تكون المعابر خاضعة لسيادة الدولة وممولة من حكومتها لكي ترعى شؤون مواطنيها وتساعدهم وترفع عنهم الأعباء.

لكن في غزة الوضع مختلف تمامًا؛ حيث لا يوجد فيها مطارات ولا ميناء إلا على الورق وفي الوعود الكاذبة والاتفاقيات السياسية التي لم تتعدَ كونها حبرًا على ورق، بالإضافة إلى معبر يسيطر عليه الاحتلال ويستخدمه لتضييق الخناق على قطاع غزة، وأحيانًا يستعمله مصيدة للمطلوبين ورجال المقاومة، أما في الجهة الأخرى من القطاع  تكمن كل المشاكل والأزمات؛ هناك حيث يوجد معبر رفح الذي يفصل بين القطاع وجمهورية مصر الشقيقة، هو خاضع للسيادة الفلسطينية ولا دخل للاحتلال وأعوانه فيه، لكن رغم ذلك فهو يعاني من إغلاق مستمر إما بسبب مناكفات سياسية بين حركة حماس في غزة والحكومة المصرية، أو بين الأولى وشقيقتها حركة فتح حيث تكثر خلافاتهم حول هذا المعبر على السيادة هل هي فتحاوية أم حمساوية.

كل هذا لم يأتِ من فراغ أو في سبيل الاختلاف على مساعدة المواطن وتقديم أفضل خدمة له، ورفع الأعباء عنه لتسهيل سفره عبر معبر رفح حين يحن قلب السلطات المصرية وتقوم بفتحه استثنائيًّا بعد تدخل الكثير من الوساطات الدولية وحقوق الإنسان وغيرها، فالسبب في كل هذه الاختلافات هو مصالح شخصية ومكاسب مادية يجنيها من يسيطر على المعبر ويتحكم به. قد لا يصدقني بعضكم إذا قلت أن معبر رفح هو مثله كمثل أي شركة خاصة تعود بالربح على مالكها وتدر الأموال عليه بشكل مستمر، فقد حدثني صديق لي بعد أن نفخ الله في صوره ونجح في تجاوز هذه اللعنة التي حلت على الشعب الفلسطيني – معبر رفح – حيث أكد لي أنه انتظر أيامًا وشهورًا حتى تمكن من السفر بعد أن قام بدفع مبالغ باهظة للمتنفذين بالمعبر وسدنة الحكم عليه، عبر مكاتب سفريات وهمية أنشئت خصيصًا لجمع تكاليف التنسيقات من المواطن.

فصديقي المذكور لا يعتبر أحسن حظًّا من مئات الفلسطينيين الذين نجحوا في تجاوز المعبر بعد دفع الإتاوات أو كما يسمونها تكاليف التنسيق، فمنهم من دفع الغث والسمين وباع بعضًا من أملاكه لكي  يحصل على تنسيق يساعده في الخروج من جحيم غزة ويتجاوز معاناة المعبر، لكن ما يحير حقًّا أن هذا التنسيق هو حق شرعي وقانوني لكل مواطن ينوي السفر بدون دفع أي تكاليف إضافية أو رشاوى لرجال التنسيق.

من قدر له السفر قد استطاع دفع هذه المبالغ الكبيرة التي قد تصل وبحسب قول بعض الذين نُسق لهم إلى 3 آلاف دولار للشخص الواحد، فكيف هو الحال لمن لا يملك مثل هذه المبالغ وماذا سيفعل إذا كان طالبًا قد نجح في الحصول على قبول جامعي لدراسة الطب أو الهندسة في الخارج، لكي يعود بعد ذلك ويخدم وطنه وأهله بما اكتسب من خبرات في الخارج.

وما مصير المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة قد تقتلهم إذا لم يسافروا للعلاج في مستشفيات الخارج؟ فهم في هذه الحالة يقعون تحت حكم الإعدام قهرًا أو الموت البطيء بسبب عدم تمكنهم من دفع تكاليف التنسيق.

من المسؤول عن كل هذه الجرائم التي ترتكب في حق شعب عانى حروبًا ثلاثًا صمد خلالها في وجه احتلال إسرائيلي غاشم، وعاش حصارًا قضى على أبسط سبل العيش في غزة، أين الرقابة الحكومية أو الحزبية على مثل هذه المكاتب التي تستغل عوز المواطنين وحاجتهم للسفر أصعب استغلال قد تشهده البشرية، ألا يكفي التنسيقات التي تُطلَب من المواطنين للسفر عبر معبر إيرز وكثير منهم يمنع بسبب وطنيته وانتمائه لأحد أجنحة المقاومة.

متى سوف تنتهي هذه المعاناة ويخضع معبر رفح لرقابة حكومية صحيحة، تقضي على كل مظاهر المحسوبية والاستغلال التي يعيشها المواطن في هذه الفترة، ومتى يصبح السفر حقًّا للجميع بلا استثناء من دون تكاليف التنسيقات الباهظة؟ كل هذه المشاكل والأزمات ترجع إلى عدم وجود حكومة وطنية موحدة، واستمرار الانقسام الفلسطيني الذي يساعد على الاستغلال، وفرض القوانين وسيطرة سدنة الحكم والمتنفذين على كل مناحي الحياة، وكلما ظننا أنا وصلنا إلى نهاية طريق الانقسام وتظهر لنا بعض ملامح المصالحة حتى يظهر أحد المسؤولين يشتم ويسب على العلن، ثم يرد عليه آخر ويكيل له الشتائم والاتهامات، فيتوقف قطار المصالحة وتعود مظاهر الانقسام تطفو على الساحة الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة, فلسطين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد