«قد يكون لستالين الحق أن يقود الناس إلى جنته الموعودة، ولكن لا أحد يسوق الناس إلى الجنة بالعصا». نيكيتا خرشوف

هذا هو الجزء الثاني من مقالي عن الرفيق «نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف» كنت في الجزء الماضي قد عرضت كيف صعد خروشوف إلى قمة السلطة في الإمبراطورية السوفيتية، وكيف استطاع أن يُعطي وجهًا أكثر إشراقًا للتجربة الشيوعية بعد عتمة حكم ديكتاتورها الحديدي «جوزيف ستالين»، الذي كان يُشبه إلى حد كبير الجنرال «نافاريز»، الذي حكم إسبانيا فترة، وعندما جاءه الموت والقسيس بجانبه يُصلي له ثم يسأله:

«هل غفرت لأعدائك يا ولدي»؟

وزمجر الجنرال الذي يقف على أعتاب الموت وقال :

«أي أعداء، ليس لي أعداء، لقد قتلتهم جميعًا»!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏شخص أو أكثر‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

ستالين لحظة وفاته

واليوم أتحدث عن علاقة «خروشوف» بالزعيم «جمال عبد الناصر»، وبحركة القومية العربية وقتها، صعودًا وهبوطًا، وألقي ببعض الظلال على شخصية «خروشوف»، ذلك الفلاح الذي حكم الكرملين.

(1)

«إنكم قطعتم ذيل الأسد البريطاني بتأميم القناة، وإذا تجرأ وهاجمكم بالقوة فأنا واثق أنكم سوف تستطيعون تكسير أسنانه». خروشوف للسفير المصري وقت عدوان السويس 1956

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏ليل‏‏‏

كانت الخطوة الأولى «لخروشوف» والاتحاد السوفيتي للاقتراب من المنطقة العربية، ومن الزعيم «جمال عبد الناصر» عندما وافق الاتحاد السوفيتي على طلب تسليح مصر فيما عرف «بصفقة الأسلحة التشيكية».

لكن الظهور الأبرز للاتحاد السوفيتي جاء في أزمة السويس، فمنذ أن بدأت أزمة تأميم قناة السويس سنة 1956 كان الاتحاد السوفيتي يعطي إشارات مشجعة، ولكنه لم يلزم نفسه بشيء محدد على الإطلاق، وكانت إشارته المشجعة تتخذ في العادة شكل تصريحات أو مشاهد لها تأثير إعلامي أو سياسي بغير اقتراب عملي من ميادين الحوادث.

وربما كانت أكثر مرة ظهرت فيها نوايا التأييد السوفيتي لمصر بعد تأميم قناة السويس، وبعد أن زادت حدة التهديدات الموجهة لمصر هي تصريحات الزعيم السوفيتي «نيكيتا خروشوف» في السفارة الرومانية في موسكو يوم 8 أغسطس (آب).

فقد حضر خروشوف حفل استقبال فيها، وكان بين الضيوف فيه السيد «وليام هايتر» السفير البريطاني في موسكو والسفير المصري السيد «محمد القوني»، وما إن لمح خروشوف السفير البريطاني حتى صاح في وجهه: «ها قد أقبل المستعمرون»، ثم سأله: «كيف تحلمون بإعادة فرض السيطرة على شعب مكافح مثل الشعب المصري؟»

ورد عليه السير «وليام» قائلًا: «إننا لا نريد أن نفرض سيطرة، ولكننا نحاول أن نصون حقوقنا».

وصاح فيه خروشوف: «وماذا عن حقوق ومصالح المصريين؟» ثم استطرد قائلًا: «ولنفرض أن لكم مصالح فهل تحتاجون إلى تعبئة الجيوش وتهديد الآخرين بالحرب لتحقيقها؟ لا تنسوا أنه إذا بدأت الحرب نتيجة لسوء تصرفاتكم؛ فإن كل مشاعرنا سوف تكون مع المصريين. وإذا خاضت مصر الحرب ضدكم فإننا سوف نعتبرها حربًا مقدسة، وإذا جاء ابني وطلب أن يتطوع في الحرب ضد الإنجليز فسوف أشجعه على التطوع».

والتفت «خرشوف» فلمح السفير المصري «محمد القوني» فناداه وقال له: «إنكم قطعتم ذيل الأسد البريطاني بتأميم القناة، وإذا تجرأ وهاجمكم بالقوة؛ فأنا واثق أنكم سوف تستطيعون تكسير أسنانه».

وكان سفير باكستان «أخطار حسين» واقفًا وراء السفير المصري ولم يتركه «خرشوف»، وإنما توجه ناحيته وقال: «لقد كنا قبل قليل نوجه كلامنا للمستعمرين، والآن جاء الدور على (توابعهم)».

ودهش «أخطار حسين» وقال «لخرشوف»: «سيدى الرئيس أنا لا أعرف عن أي مستعمرين تتكلم؟».

ورد خرشوف قائلًا: «ألا تستطيعون أن تكونوا أمناء مع أنفسكم مرة واحدة وتعترفون بالحقيقة؟».

وحاول أخطار حسين أن يتخلص من الحرج فقال لخرشوف: «سيدى الرئيس ما هي الحقيقة؟ الحقيقة شيء نسبي، وكلنا نبحث عنها، ولكننا نحتاج إلى المعرفة لكي نتوصل لها؛ فهل لي أن أدعوك لشرب نخب المعرفة التي توصلنا للحقيقة؟».

ولم يسكت خروشوف، وإنما رد قائلًا: «لا، إنني لن أشرب نخبًا معك، فإن عندنا مثلًا روسيًّا يقول: «إن الرجل الذي يفقد ثروته يستطيع تعويضها، أما الرجل الذي يفقد شرفه فقد أضاعه إلى الأبد».

وتدخل رئيس الوزراء السوفيتي «بولجانين» في الحوار لتهدئة الجو فقال: «سوف أقترح حلًّا وسطًا، فلنشرب نخب شعب باكستان».

ورد خروشوف قائلًا: «إذا كان النخب في صحة شعب باكستان، فإني أرفع كأسي وأشرب نصفه فقط، وأما نصفه الآخر فسوف أحتفظ به حتى يتمكن شعب باكستان من أن يثور في وجه الأحلاف ويثور ضد الاستعمار، كما فعل الشعب المصري».

(2)

«إنني أشرب نخب كفاح الشعوب العربية، ونخب انتصار العرب، ونخب قائد العرب هذا الشاب جمال عبد الناصر». خروشوف لجمال عبد الناصر

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏بدلة‏‏‏

كان الموقف الثاني في أول لقاء لخروشوف بعبد الناصر، بعد حدوث ثورة العراق عام في 1958 وإسقاط «حلف بغداد»، وكان عبد الناصر يوم وقوع ثورة العراق في زيارة رسمية ليوغسلافيا «تيتو»، وعندما علم بوقوع الثورة قرر العودة مباشرة عن طريق البحر لمتابعة الأحداث من دولة الوحدة وقتها «مصر وسوريا»، إلا أن الرئيس اليوغسلافي «تيتو» رفض عودة ناصر بالبحر لخطورة ذلك على حياته، وطلب الطائرة السوفيتية الأحدث وقتها «تي يو 104» لتقله إلى حيث يشاء، وقرر الرئيس عبد الناصر أن يذهب أولًا إلى الاتحاد السوفيتي لمقابلة خروشوف قبل عودته إلى القاهرة، ووصل ناصر وبعض مرافقيه إلى موسكو.

وفجر يوم 17 يوليو (تموز) 1958 وصل الوفد المصري إلى موسكو، وفي الساعة العاشرة جاء «خروشوف». وتحولت غرفة المائدة إلى قاعة اجتماع، وبدأ «خروشوف» يتحدث، فأبدى سعادته بأن «جمال عبد الناصر» قرر لقاءه قبل أن يتوجه إلى المنطقة، وأنه طلب طائرة سوفيتية سريعة لتنقله إلى هناك.

ثم أضاف: «الحقيقة أنني كنت في غاية الدهشة، عندما سمعت أنكم على ظهر باخرة صغيرة تتقدمون ببساطة نحو البحر الأبيض. إن هذا البحر مليء الآن بكثيرين لا يتمنون الخير لكم. وبالتأكيد فقد كان يسعدهم أن يجعلوا منكم وجبة شهية لبعض أسماكه».

وأقبل أحد الخدم بكأس ملأه بالفودكا ووضعه أمام «خروشوف»، ودق «خروشوف» على المائدة قائلًا لرئيس الخدم: «ارفع هذا من أمامي»، ثم التفت إلى «جمال عبد الناصر» يقول له: «حينما تكون معي فأنا لا أشرب أبدًا، أنا أعلم أنك مسلم متدين، وأنا احترم عقيدتك»، ثم التفت إلى الناحية الأخرى التي يجلس فيها بقية الوفد المصري وقال: «لقد كان يسعدهم أن يواجهوه وحده في البحر الأبيض، فهم يعرفون أنه أصبح رمزًا لكفاح العرب، ولهذا فإن المعارك الدائرة اليوم أصبح محورها هذا الشاب ودوره». قالها خروتشوف وأشار إلى جمال عبد الناصر.

ثم ملأ كوبًا أمامه بالمياه المعدنية وقال: «إنني أشرب نخب كفاح الشعوب العربية (وقتها!)، ونخب انتصار العرب، ونخب قائد العرب».

ثم أضاف خروشوف: «أنا لا أتكلم عن الغيب، ولكني أومن بمنطق التاريخ، لقد انتهى الاستعمار، وانتهى عهد الإمبراطوريات، وأنا أرى أمامي هزيمتهم كاملة. هم لا يرون أنفسهم على حقيقتهم ويتمسحون بعبارات عن الديموقراطية، ويتعلقون بأذيال أدعياء الدين».

ثم وصل خروشوف إلى صلب الحوادث حين قال: «إن ثورة العراق كانت مفاجأة لهم. لقد سقط حلف بغداد. فهل يتصور أحد الآن حلف بغداد بغير بغداد؟ أو أن بغداد أصبحت فجأة ضد حلف بغداد؟ لقد حذرتهم طويلًا بعد أن سمعت «إيدن» (رئيس وزراء بريطانيا وقتها) يقول: «إذا تأكد لنا أن بترولنا في الشرق الأوسط مُعرض للخطر، فسوف ندخل الحرب».

ويضيف خروشوف قلت له يومها:

«استعمل عقلك، ماذا سيفعل العرب ببترولهم غير أن يبيعوه لكم؟ إن الاتحاد السوفيتي ينتج من البترول أكثر من حاجته،
فهو إذن ليس طامعًا، وليس مشتريًا لبترول الشرق الأوسط. وإنما أنتم في الغرب المشترى الوحيد». وضحك خروشوف ثم استدرك قائلًا: «ولكن المشتري غير اللص، وهم لا يريدون شراء البترول، وإنما يريدون سرقته»!

 (3)

«القومية العربية ليست أساسًا للوحدة، وإنما الأساس هو وحدة الطبقة العاملة في العالم». خروشوف

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏9‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏‏

لكن الأمور تعقدت بين مصر والاتحاد السوفيتي، عندما قرر خروشوف دعم قائد الثورة العراقي «عبد الكريم قاسم» بعد أن أخذ منحى الشيوعيين عام 1959، وتصدى له يومها الزعيم جمال عبد الناصر حينما قال:

«إن الشيوعيين العرب عملاء للأجنبي، ولا يتحركون إلا بتعليمات».

ورد خروشوف على ناصر: «بانتقاد فكرة القومية العربية، وأبدى رأيه بأن القومية العربية ليست أساسًا للوحدة، وإنما الأساس هو وحدة الطبقة العاملة في العالم»، ثم انتقد سياسة جمال عبد الناصر واتهمه بأنه: «يتصرف بأسلوب أحمق، وأن رأسه ساخن وهو يتصور أنه يستطيع أن يفرض سياسته على العالم».

ثم انتقد خروشوف لأول مرة سياسة عدم الانحياز قائلًا: «أنها سياسة ذات وجهين»، ثم عرض بالرئيس اليوجسلافي «تيتو» قائلًا: «إن تيتو يعطينا خده صباحًا لنقبله، ثم يعطي مؤخرته مساءً للرأسماليين الغربيين».

ورد عبد الناصر على خروشوف قائلًا:

«إن دفاع خروشوف عن الشيوعيين في بلادنا أمر لا يمكننا قبوله، وهو يعتبر تحديًا لإجماع الشعب في وطننا». ثم أضاف ناصر: «إننا لن نبيع بلادنا لا بملايين الدولارات ولا بملايين الروبلات، ونحن لسنا تحت وصاية أحد».

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

الزعيم جمال عبد الناصر

كانت تلك المرحلة هي قمة التصادم بين الاتحاد السوفيتى بقيادة خروشوف، وحركة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر.

والآن قد انتهت السطور المخصصة لذلك المقال، لكن لم تنتهِ بعد قصة الرفيق «نيكيتا سيرجيفيتش خروشوف»، والتي سنتابعها في الجزء القادم لنتعرف على:

  • كيف انتهى التصادم بين خروشوف وعبد الناصر؟
  • و لماذا قال «خروشوف» لوزير خارجيته «جروميكو» فلنشاهد الآن فيلم
    الدبلوماسي العاري؟!
  • ولماذا قال خروشوف لماوتسى تونج: «إن حالك مثل حال زوج يضبط
    زوجته كل يوم في سريره مع رجل غريب وهو يهددها كل مرة بالطلاق ولكنه لا يفعل»!
  • وما أسرار الانقلاب على خروشوف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ملفات السويس - محمد حسنين هيكل
سنوات الغليان - محمد حسنين هيكل
عرض التعليقات
تحميل المزيد