اعتدت أن أكتب عن أهم ما يمكن أن نستفيد منه عند مشاهدتي لفيلم ما من وجهة نظري، وكنت قد كتبت سابقا عن فيلم “البحث عن السعادة”، وهذا ما حدث معي أيضا عند مشاهدتي للفيلم الهندي “اسمي خان” فقد شعرت برغبة كبيرة في الكتابة عن أهم ما نستفيده من هذا الفيلم في حياتنا الإنسانية، ولكن كثرة ما يمكن أن نتعلمه من هذا الفيلم جعلتني أتردد في الكتابة عنه خشية عدم الإلمام بكل ما فيه، إلى أن سمعت عن ذلك الشاب الآيسلندي الذي دشّن هاشتاج #‎BuyPens .

 

وحملة تمويل جماعي يطلب فيها خمسة آلاف دولار أمريكي لمساعدة لاجئ سوري في لبنان انتشرت صورته وهو يبيع الأفلام حاملا ابنته على كتفه، فحصدت هذه الحملة في أول أربع وعشرين ساعة مبلغا وقدره خمسة وسبعون ألف دولار؛ لمساعدة هذا الرجل وإيصال المبلغ له.

 

هذا الحدث جعلني أتذكر “خان” في الفيلم عندما سمع عن الإعصار الذي يضرب “ويليمينا” في “جورجيا” وأصبح يكرر في نفسه “ماما جيني، لا بد أن أذهب إليها”. ولمن لا يعرف “ماما جيني” فهي المرأة التي آوته في منزلها بعد أن ساعد ابنها.

 

هذا الخبر جعلني أتذكر كيف أن الفيلم صوّر حياة الإنسان “المسلم” في الغرب على أنه إنسان مبادر يحب فعل الخير دون النظر إلى دين أو عرق، بل يخاطر بنفسه في سبيل أن يكون “إنسانا”.

 

في أحداث تبين كم أن الإنسان في داخله حب للآخرين إذا اتصف فقط بالإنسانية وأزاح عن عيونه وذهنه التعصب لدين أو عرق أو قبيلة أو دولة أو أو أو أو. صحيح أن الفيلم جعل هذا الإنسان الطيّب مريضا بأحد أشكال التوحد “متلازمة اسبرجر”، ولكن أيا كان، فتصرفات هذا الإنسان التي ظهرت في الفيلم تجعلنا نقول “نريد أن يكون بيننا الكثير أمثال “خان” ولكن!”

 

“لكن” هذه تعني أن هناك الكثير مما ينقصنا؛ كي نكون مثل “خان” في الفيلم، ومثل أي إنسان طبيعي على وجه هذه الأرض يحب الخير ويسعى إلى أن تعم السعادة أرجاء المعمورة، وإن لم يستطع أن يجعل السعادة في أرجاء المعمورة فيكفي أن يجعلها مع المحيطين به من أهله وأقاربه وأصدقائه وجيرانه والحي الذي يسكن به.

 

لن أتحدت عن الفيلم فما يهمني هو الحديث عن أهم ما نستفيده من الفيلم وتحديدا ماذا ينقصنا نحن كي نكون مثل “خان” في حياتنا التي نعيشها، ولكن وبشكل مختصر فإن الفيلم يتحدث عن فتى يعاني من متلازمة اسبرجر، راعته أمه على شكل جيد وعلمته أساسيات الحياة ومن أهمها أنه لا فرق بين إنسان وآخر، ثم ينتقل هذا الفتى إلى الولايات المتحدة ليعيش فيها، وهناك يتزامن وجوده مع أحداث 11 سبتمبر، وتغير نظرة المجتمع الأمريكي إلى المسلمين والتمييز العنصري الذي مارسه الأمريكيون في تلك الفترة ضد المسلمين.

 

وهنا تدور أحداث الفيلم الكثيرة، والتي أرى أن ما يستحق التركيز عليه المُشاهد وهو يرى الفيلم هو قوة العزيمة والاصرار عند “خان” لتحقيق هدف وضعه في حياته، بالإضافة إلى اعتزازه بقيم دينه وأخلاقه مهما كلفه ذلك من ثمن المخاطرة في حياته. إن أهم ما ينقصنا كي نكون كـ “خان” من وجهة نظري:

 

هدف واضح:

أنا هنا لا أتحدث عن التنمية البشرية، ولا أريد من يقرأ هذه الأسطر أن يظن بأنني أتحدث في كلام خارج القدرة البشرية، أو ليس ذا أهمية على صعيد حياة الأفراد، فمما لا شك فيه وما لا ينكره أحد، أن أكثر الناس قدرة على مواجهة تقلبات الحياة هم من يملكون هدفا محددا يسعون لتحقيقه، وهنا معنى لا بد من الإشارة إليه، وهو أنه لا يعني أبدا وجود هدف يسعى الإنسان لتحقيقه أن تكون كل ظروفه تساعده على تحقيق هذا الهدف، وأن يصبح رافضا لكل فرصة تلوح له في الأفق بحجة أنها ستشغله عن هدفه، فلو كان “خان” يرفض كل حدث وكل فرصة لما رأيناه يتجه إلى مساعدة البلدة المنكوبة من الفيضان، ولكان تصرفه هذا في نظر البعض تأخيرا عن الهدف الذي رسمه لنفسه.

 

إن وجود الهدف الذي نسعى لتحقيقه يعني أن تكون حياتنا منضبطة ومنظمة، بحيث نشعر براحة البال والضمير في كل الخطوات التي تكون في حياتنا، وهو يعني أيضا أن يكون الهدف هو البوصلة التي تعيد نظر الانسان وتركيزه إلى هدفه كلما تقدم به العمر وكلما ماجت به الحياة.

 

الاصرار والمثابرة:

صحيح أن بعضا منّا يملكون هدفا واضحا ومكتوبا، ولكنهم يعانون من الملل والضجر من طول الطريق دون أية دلائل على الوصول لما يريدون. إن هذا صحيح وواقعي، فطريق تحقيق الأهداف أبدا لن يكون قصيرا، ولن يكون ممتعا إلا لو كان الإنسان يتمتع بشيء من الإصرار والمثابرة.

 

“خان” في الفيلم كان يتمتع بذلك، فمع كل فرصة لاحت له بالأفق؛ ليقابل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية كان يستعد جيدا لهذا اللقاء ويسافر من مدينة الى أخرى، ويواجه الصعاب طوال فترة الرحلة، ولكنه مصرّ على أن يحقق ما يريد، خصوصا في تلك الأوقات التي يفشل فيها. إن سمة الإصرار والمثابرة هي من السمات التي يتمتع بها كل إنسان يسعى إلى أن يضع بصمة في حياته وأن يشار إليه بأنه في يوم ما حقق ما يريد.

 

المبادئ:

هنا لن يكون الحديث عن “خان”، ولكن الحديث هنا يدور حول الصحفيين الشابين اللذين تبنيا قضية “خان” عندما تم اعتقاله، فطافوا القنوات التلفزيونية لإقناع مراسليها بالحديث عن قصة الشاب وتكوين رأي عام عن القضية، ولم يستسلما أبدا لرفض القنوات الاعلامية، فرأيناهم في الفيلم يتوجهون إلى مراسل هندي “من نفس وطنهم” ليقنعاه بتناول القضية، ولكنه رفض خوفا من التمييز العنصري واتهامه بالإرهاب، لكن الصحفيين الشابيين وجها له درسا في تقبل الآخر حينها في مشهد ظهر فيه المراسل محرجا من نفسه.

 

وهنا معنى لطيف من معاني تبني القضايا العادلة، وهو أنه إذا أردت أن تجعل إنسانا يتبنى قضيتك فاجعل منه “عاريا” أمام مبادئه التي ارتضاها لنفسه، حينها لو كان إنسانا حقا سيتراجع عن قراره أو تصرفه وينحاز إلى الإنسانية التي تجمع الجميع تحتها. صحيح أن هذا الأمر لا يصلح مع الكثير ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا طغاة وجبابرة، ولكنه بالتأكيد يصلح مع من كانت نفسه سويّة وسليمة. وهذا ما كان في الفيلم.

 

وسائل القوة:

كانت وسائل القوة في الفيلم واضحة وهي تبدأ من عدالة القضية التي يؤمن بها “خان”، ولكنها كانت تحتاج إلى عوامل قوة على الأرض وهي وسائل الاعلام، فتم حشد رأي شعبي مطالب بتبني قضية “خان” وهو ما أوصل هذه القضية إلى أعلى ركن في الولايات المتحدة، ومن دون هذه الوسائل لقضى حياته في السجن دون أن يدري عنه أحد.

 

إن امتلاك وسائل القوة كالإعلام، والإعلام الجديد، ووضوح الرؤية والوسائل، والمخاطرة وتحمل عقباتها من شأنه أن يجعل من قضيتك العدالة قضية كل من يسمع عنك، وبالتالي تستطيع وقتها أن تحقق ما تريد.

 

من يغرد معك:

وحدك لن تستطيع تحقيق ما تريد، وقديما قالوا “يد واحدة لا تصفق”، لذلك إن أردت لقضية ما إن تنجح، فاجعل معك من يغرد معك بنفس ما تؤمن به، من أصدقائك أو من يؤمن بقضيتك. إن هذا بالضبط ما فعله الشاب الأيسلندي في حملة التبرعات للرجل السوري، فجعل العالم كله يغرد معه فوصلت قضيته التي تبناها إلى الجميع، وانتقل التغريد من شخص واحد إلى مجموعة كبيرة من الأشخاص وقد شاركهم بذلك وسائل الإعلام وهو ما تناولته في الأعلى من أثر الإعلام ووسائل القوة على ضمان نجاح القضية.

 

كذلك أصحاب “خان” ووسائل الإعلام وأخوه وزوجته غرّدوا معه في قضيته عندما تبنوها فجعلوها قضية للرأي العام، ولم يكتفوا بالتغريد، بل انتقلوا إلى الفِعل وهو ما رأيناه في مشهد المعونة التي قدموها للقرية المنكوبة.

 

إن تناول هذا الفيلم من منظور تنموي يحفزنا أن نضع أيدينا على ما ينقصنا كي نكون كـ “خان” في الفيلم، أو نكون كالشاب الأيسلندي في حبنا للمبادرة وتقديرنا للإنسانية، إن حياتنا الصعبة التي نحياها جعلتنا نتمنى أن نكون كـ “خان” ولكن ما نحياه يعوقنا عن التقدم.

 

إن صاحب الفطرة السليمة لن ينتزع الحب منه أحد، هو يعيش فيه، وسيعيش فيه لا ينازعه فيه أحد، يعطيه لمن حوله دون أن يطلب منهم أي شيء، فقط لكي يحافظ على روحه ونفسه في ظل هذا الواقع الأليم الذي نحياه.
الأخبار صعبة، المناظر مروعة، ولكن هذا كله جانب من الحياة، فهناك جانب آخر لا تنقله القنوات الاخبارية، هناك جانب الانسان، والحب، والعطاء، والتضحية، والسعادة والمال، وكل ما هو جميل في الدنيا. لذلك فنحن نؤذي أنفسنا حين نركز فقط على ما نراه من قتل ودمار وتشريد، وننسى بأن من سيأتي بحق كل أولئك المظلومين هم من يطلقوا لأنفسهم ونفسياتهم وقلوبهم العنان؛ لكي يصلحوا ما أفسده غيرهم، لكي يكونوا بجانب غيرهم، ولا يكون الإنسان بجانب إنسان إلا إذا كان يعيش بالحب وللحب.

 

أنا لا أقول أن نغض الطرف عن كل ما نراه، وأن نصاب بالبلادة، ولكن ما أدعو إليه هو أن نكون مبادرين لأن نكون مع من يحتاج كلمة طيبة، ونظرة حانية، وطبطبة راقية، فإن استطعنا أن نعطي ذلك، فنحن نعيش بالحب وللحب ونستطيع أن نبدل حالنا وأحوالنا بعد مشيئة الله والعون من قوته.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد