3- لمحات من وراء ربع المتر القماش

أ- التذكِرَة اليومية بالعدوّ!

مختلفة هي الحياة من وراء ربع المتر القماش، ليس فقط اختلافًا على مستوى الشعور، وإنما منذ الساعات الأولى لصُحبته قابلتُ مَن يرونه حدًّا فاصلًا منيعًا بيني وبينهم، يجعلني في ضفة مقابلة لضفتهم وبيننا نهر ناريّ ثائر لا يمكن عبوره بسلامة، هذا رجُل أمن يرمقني بنظرات مُشَكِّكَة ويفتّش حقيبتي بعناية لا أجدها مع غيري، وهذه أم تحكم قبضة يدها على طفلها كي لا تخطفه إحدى أعضاء عصابة سرقة الأعضاء التي دلّها نقابي على انتمائي لها، وهذه امرأة تدعو ربها بإبادة جماعة الإخوان المسلمين أو ترفع صوتها بسبّها إذ تراني، وهذه «أخت» من الجماعة ذاتها تظنني – بغضب – تلك المنتمية إلى حزب النور التي أشارت يومًا إلى سيارة أجرة ولم يجبها السائق فقامت ثورة إعلامية من أجلي على رئيس انتمى لجماعتها يومًا.

يقابلني هذا وأكثر، فأما البسطاء الذين نجح الإعلام الخبيث في إفساد تصوراتهم وجعل عقولهم مرتعًا للقولبة العمياء، فوالله لا أملك مع سهامهم سوى الضحك. حين يظنني أحدهم منتمية إلى جماعة أو حزب ما، أتذكر فورًا يوم كان يظنني أمثالهم متطرفة فكريًّا أميل للعلمانية إذا شذّ رأيي عن رأي مُتَّفَق عليه فيما بينهم، هذا لأني كنت أرتدي فقط مترًا ونصف متر من القماش حول رأسي وجَيبي. أليس أمرًا يثير الضحك حقًّا وإن كان ضحكًا كالبكاء؟!

وأما مَن يصوّب سهامه عن علمٍ ووعي – وهُم ندرة ممن قابلتُ إلى الآن – فأسعد لمقابلته سعادةً رزينة، سعادة الخليليّ إذ يمرّ بمستوطن يرمقه بنظرة تحطّ من شأنه، سعادة الحلبيّ إذ يشاهد كذِب نظام بلده على شاشة تلفازه الرسميّ فيعرف أنه ضعيف جبان، سعادة تلك المنحة اليومية؛ منحة التَّذكِرَة بالعدوّ! والمنحة في هذا عظيمة متجددة.

قبل صحبة النقاب لم أكن أحيا في حالة تذكِرة دائمة متكررة بأولاء الخبثاء. كثيرًا ما كنت أقضي أيامًا يغلب عليها التصالح مع كونهم أحد عناصر المشهد اليومي. أسير أمامهم وأمرّ بينهم، لا يستوقفني وجودهم ولا يزعجهم – غالبًا – مروري. أما اليوم، ففي المحروسة من في المحروسة لكنّي لا أرى في المحروسة إلا هُم! في كل مكان أرى معركتي على وجوههم الحمقاء وفي مرآة أعينهم العمياء. تارة يحتكون بي وتارة يكتفون برمقي من بعيد. وفي جميع الأحوال هي مواجهات صغيرة بسيطة متفرقة، تُطَمئن القلب بأنه ما زال بخير، حتى يُحدث الله بعد ذلك أمرًا.

ب- لم تصافحني الملائكة في الطرقات

عند عقد مقارنة بين حال حجابي قبل ربع المتر القماش وبعده، دلّني نقابي على مواطن تقصيري في حجابي الشرعي من قبله، فمن المفترض أن ما يفرضه الحجاب الواجب شرعًا قبل النقاب هو ما يفرضه بعده، لكنها إحدى آفات الخطاب القاصر، الذي إما أن يضعكِ في خانة غير المنتقبة التي يباح لها ما لا يبيحه الحجاب الشرعي، أو في خانة المنتقبة التي لا يباح لها كثير مما أحلّ الله، فالأولى معذورة في عين المجتمع لأن الله لم «يتمّ» هدايتها ونعمته عليها بعد، والثانية لا يحقّ لها الخطأ بعد أن حظيت بصكّ الغفران الإلهيّ والعصمة بنقابها، أو لأنها بقرار ارتدائها النقاب حُمِّلَت على عاتقها ما لا تطيق وما لم تختَر باختيارها النقاب، من كَونها صورة للإسلام أو حتى «الإسلام» ذاته!

وجدت نفسي منشغلة بكيفية إصلاح مواطن قصوري، في حين يتربص بي غيري إذ لم تصافحني الملائكة في الطرقات، فأدركت كم هي معاناة من ترتدي نقاب وجهها وتترك أذنيها بلا نقاب عن كلمات الهمز واللمز والإساءة والتهكم المتطرفة بجهل وتجرّؤ على الله ورسوله من هذه وتلك، وأدركت كم نضيّق على أنفسنا ما وسّعه الله علينا، لدرجة أن تصدير صورتي الإنسانية الفطرية أصبحت – رغمًا عني – من معاركي المستمرة مع مَن نصّبوا أنفسهم حُكَّامًا على غيرهم وتألّهوا وهُم عباد الله!

ج- الخصوصية المثمرة

من وراء ربع المتر القماش، علمتُ أنني لا أهرب، إنما أُستَر، وهذا الشعور أنتج بيننا علاقة صداقة ومحبة قوية صلبة، أدعي أنها لا تشبه سواها من علاقاتي!
فلأقرب الصورة إلى ذهنك، اذكر الآن اسم شخص واحد سَترك قبل هذا، ستر ضعفك أو ذنبك أو حزنك أو تيهك أو فشلك… إلخ، ولو في موضع واحد، كيف تشعر تجاهه؟ لا أظنه شعورًا يخلو من الامتنان على أيّ حال، هكذا ربع المتر القماش، لا يستر «جسدي» فحسب كسائر أمتار أقمشة لباسي، بل هو قطعة مميزة جدًا، تستر تعابير وابتساماتٍ ودموعًا منهمرة وتمتماتٍ وحكْيًا، لا يسألني حتى إن كان سرًّا أو لا ليقرر البوح به من عدمه، فكل حكاياتي معه سرّ، وكل ما يحدث وراءه ليس لثالثٍ العلم به، يخفي دموعي عن الجميع، بل ويمتصها، يخفي ابتسامتي الحييَّة حينًا والمبتهجة حينًا والساخرة حينًا، يؤمن بستري في كل حالاتي، فكيف لي ألّا أحبّه؟! وأنّى لي بصديق مثله؟!

ليس هذا كل شيء، بل بستري يحفظ لي مساحة من الخصوصية يتربص بها مجتمعنا تربصًّا، ليتحين الفرصة الملائمة وينقضّ عليها بغير رحمة ولا نُبْل! لا أتصور أنه ينبغي لجميع مَن في الحافلة أو للمارّة أو لرفاق انتظار المواصلات العامة، أو أنه ينبغي لزملاء الدراسة أو العمل، أن يعرفوا ماذا أردّد من ذِكر أو وِرد أو درسٍ أو خلافه، ولا ينبغي لأحد أن يعرف كذلك ما أتناول من طعام وشراب، ربع المتر القماش كفاني المتطفلين، وكفل لي قدرًا وفيرًا من حرّيّتي، مما أعانني على استثمار الأوقات البَينية بشكل أكثر فعالية، فزاد يومي بركةً حين أنتهي من وِردي أثناء ذهابي لدرس، وأراجع هذه المحاضرة أثناء إيابي، وأتناول غدائي سريعًا إلى أن يحضر الأستاذ إلى القاعة، مما صبّ في عوني على استثمار الوقت وإنجاز المهام.

(يُتبَع)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد