4-بين الصورة والمعنى

يشغلني منذ فترة طويلة استمرار تذكِرَة نفسي بالتفريق بين الصورة والمعنى، في محاولة لإنقاذ روحي من ضيق التوحّد بينهما، المُصَدَّر لنا إعلاميًّا واجتماعيًّا.

مثال1: زوجة تسأل زوجها باستمرار عن تفاصيل يومه، حتى إن كان متعبًا، أو غير مستعد للحديث، أو عنده ما لا يرغب في إثقالها به، وإذا سئلت عن هذا؛ أجابت بأنها تهتم به.
المعنى: الاهتمام. الصورة: كثرة التساؤلات. التوحّد بينهما: هي ترى أن الصورة الوحيدة لإسقاط معنى الاهتمام بزوجها في هذا الموقف هو استمرار توجيه التساؤلات، ونفي هذا ينفي اهتمامها به.

مثال2: أب مُسِنّ يسير مع وَلَديه في طريق، ويسير الولدان بخُطَى بطيئة، لكن أحدهما يسير هكذا؛ حتى لا يسبق أباه برًّا به، والثاني يسير بطيئًا اختيالًا وفخرًا وتباهيًا.
الصورة الواحدة: السير ببطء.. المعنى الأول: الانتصار لبرّ الوالد. المعنى الثاني: الانتصار لكِبر القلب. لا يستوي المعنيان مثلًا، وإن تشابهت الصورة.

مثال3: امرأتان مسلمتان ترتديان النقاب، إحداهما ترتديه لتستر وجهها فقط بعد أن سترت سائر جسدها بالحجاب الشرعيّ، والأخرى ترتديه لتحيي داخلها معنى، كالحياء مثلًا.
الصورة: امرأة منتقبة. المعنى الأول: ستر الوجه. المعنى الثاني: إحياء شُعبة الحياء من شعب الإيمان.

وهكذا نرى أن الزوجة كان بإمكانها الاهتمام بزوجها بصورة أخرى من صور الاهتمام أكثر ملاءمةً، وإن كان الاكتفاء بالدعاء والربت على كتفه، أو حتى الصمت والصبر فحسب، لولا عدم إدراكها الفصل بين الصورة والمعنى من ورائها، ونرى أن الوَلَدين – وإنْ حَكَم الناس على ظاهريهما حكمًا واحدًا – فإنه شتّان الفارق بينهما، لا لاختلاف الصورة، بل لاختلاف المعنى من ورائها عند كل منهما.

وكذلك، المنتقبتان، إحداهما اختارت انتصارًا لمعنى من وراء نقابها، والأخرى اختارت إحياءً لشعبة من شعب الإيمان من ورائه، وفي كُلٍّ خَير لا ينكره أحد، لكن – أيضًا – لكلٍّ منهما نصيبها الذي اختارت من معنى من وراء صورتها، وربما عاشت الأولى، وقضت بغير إحياء شعبة الحياء من وراء نقابها، وربما عاشت الثانية وقضت بغير تأصيل أهمية ستر الوجه من وراء نقابها، إلا بفضل من الله وتدبير لهما.

وهكذا أثبت لي ربع المتر القماش أن قيمة الصورة في ثراء المعنى من ورائها، وليس في ذاتها فحسب؛ مما يدفعني باستمرار للبحث عن المزيد من المعاني وراء صورة ستري الجديد، لأنهل أكثر وأكثر من نبع المعنى من ورائه، فإن كانت الصورة وحدها بهذا البهاء، فما بالي بالمعنى!

وأنبهر، ليس فقط بعدد تلك المعاني، بل بنوعها أيضًا، فمثلًا معنى كالحياء أو الأنوثة أو حفظ الخصوصية قد يكون ذا صلة قريبة نسبيًّا إلى الذهن من صورة النقاب، لكن هناك ما يصعب استيعاب علاقته بالنقاب للوهلة الأولى، كمعنى حفظ اللسان العربي مثلًا!
وسأحاول فيما يلي إلقاء الضوء على بعض المعاني من وراء صورة نقابي الذي عَرَفتُ.

أ-معنى الأنوثة

شتان الفارق بين التفاتي لأنوثي قبل ربع المتر القماش وبعده.. تربيتُ – كما قرينات مجتمعي – تربية التفاخر بين الأمهات بـرجولة بناتهنّ.. هذا التفاخر الذي يُرَسَّخ بتكراره في نفس الفتاة منذ الصِّغَر، حتى يزيد عمرها أعوامًا، وتنخرط في مجتمع يعزّز أيضًا ما شبّت عليه، لتصطدم يومًا بأنّ جسدها غريبٌ عنها، لا تعرفه، ولا يشبه شيئًا داخلها أو سلوكًا لها، ذاك بأن اليد التي كانت تغرس الرجولة – التي لم تُخلَق لها – بداخلها، كانت باليد الأخرى تضيّق الخناق على كل معلم أنثوي، حتى حصرت أنوثتها في ذلك الجسد، ليس لشيء، إلا لأنها لا تملك تغييره، وطمس أنوثته هو الآخر، وإلا لفَعَلَن – بعضهنّ – في ظنّي!

يومًا ما، اتخذت قرارًا صارمًا بأنّي أنثى كما فطرني الله! بنفسي أنثى، وبقلبي أنثى، وبعقلي أنثى، وبجسدي أنثى، ورأيت مالم أرَ يومًا قَطّ من الجمال.. جمال كانت تواريه كلمات خلطت بين معاني العفة وصَون العِرض والنفس والقلب – التي هي من فطرة الله – وطمْس خلق الله بالنفس والقلب – التي هي من تشوه وانتكاس الفطرة – .. عرفتُ الأنثى داخلي.. حين تعرّفت إليها وجدتها تشبهني كثيرًا.. أحببتها وتصالحت معها.. فأغدقَت عليّ من كَرَمِها.. رأيتُ الكثير كما لم أره من قبل.. الألوان.. انتقاء قطع الملابس.. الطبيعة وموسيقاها وبديع لوحاتها.. صبر الأنثى.. ثقتها بنفسها.. حياءها.. وبَدَا لي أن الأم في مجتمعنا لا تحتاج أكثر من تربية ابنتها كـأنثى، وهذا الأمر سيفرز بدوره من الحياء والاستغناء والثقة بالنفس ما يعزز عفتها ويدفعها دفعًا حقيقيًّا للدفاع عنها باستماتة، وليس أن تنزعها منها لتصبح الفتاة تائهة، مُطالبَة باستمرار بالدفاع عن شيء يُقَال لها إنها تملكه، بل إنها لا تملك أغلى منه، لكنها أبدًا لم تستشعره، ولم تُتَح لها الفرصة حتى بلقائه لقاءً هادئًا مثمرًا، تجول فيه بنفسها وروحها؛ لترى تلك الأنوثة التي عليها حفظها.

ما تعجّبتُ له، هو تطور شعوري بأنوثتي ونضج تعاملي معها، ورؤية الجمال بداخلي أكثر بعد صُحبة نقابي.. ما السرّ؟ وما الرابط؟ لم يتركني كتاب الأنصاريّ أيضًا لتعجبي هذا كثيرًا، فسرعان ما وجدتُ هذه العبارة العبقرية بين طيّاته: التخفي سر بقاء الحياء، والحياء سر بقاء الجمال، ولو أملك إضافةً لأضفتُ: والجمال سِرّ بقاء الأنوثة!

ارتديتُ نقابي، فعلمتُ أنني غالية اتسع إدراكها لهذه الحقيقة أكثر وأكثر اليوم، ليزداد اتساقي مع فطرتي، وتزداد ثقتي بنفسي، ويزداد تعجبي ممن حتمًا لم يعرفوا شيئًا عن النقاب قَطّ، إذ يربطون بينه وبين ضعف الثقة بالنفس وبُغض الفتاة لأنوثتها.. واللهِ ما عرفوه مَن أكثروا الثرثرة حوله.. لو ذاقوا حلاوة صُحبته ما ظلموه يومًا بتلك الكلمات المؤَطِّرَة والأوصاف الباهتة، لو ذاقوا لعرفوا، ولو عرفوا لاغترفوا، ثم اغترفوا، ثم اغترفوا، ثم صمتوا! فالصمتُ في حَرَمِه جَمالٌ.

(يُتبَع)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد