سبق وقد كتبت عن مشكلتي مع الشراح وها أنا اليوم أكتب عن مشكلتي مع الترجمات العربية التي لا يختلف قارئان بسيطان عن تأخر العرب في هذا الميدان الذي يمهد لأي انطلاقة حقيقية في مجال العلوم الذي تتسابق الأمم على ترجمة مستجداته في الساحة، ونظرًا لهذا التأخر صرح كثير من المفكرين بأن العقل العربي يفكر بعقلية القرن التاسع عشر، بل منهم من قال إنه يفكر بعقلية القرن الثامن عشر بفعل اتساع الهوة المعرفية بيننا وبين الغرب، ولقد كانت انطلاقة الحضارة الإسلامية الحقيقية التي نتباها بها عادة أمام الملأ ببدء حركة ترجمة حقيقية من اللغات الأخرى إلى لغتنا العربية، من ثم بدأ المسلمون والعرب من حيث انتهى الآخرون.

يفتقد العرب للعمل المؤسسي في مجال الترجمة وجل الأعمال التي ترجمت تمت بجهود فردية يكتب لبعضها النجاح والآخر الفشل، لذلك دائمًا ما نرى المشاكسة بين المترجمين، خصوصًا في المصطلحات العلمية بالتحديد والتي تترا بشكل متسارع في هذا الوقت، ولنضرب المثل حتى نقرب الصورة أكثر لنبين حجم التخبط الذي يعاني منه طالب المعرفة بالغة العربية، ففي علم الجيولوجيا مثلًا هنالك نظرية لعالم فيزيائي وجيولوجي يدعى اللورد كلفين، وقد اختلف المترجمون في ترجمتها، فمنهم من ترجمها بمبدأ التنميطية، ومنهم من سماها بالاتساقية، ومنهم من يسميها النظامية، وغيرهم من أطلق عليها النظرية الانتظامية!

مع العلم أن النظرية واحدة يظنها القارئ خمس نظريات! ويتوه طالب المعرفة بسبب هذه الترجمات المختلفة ولا ريب أن مترجمينا الأفاضل قد تسابقوا لنيل السبق بترجمة النظرية، فباتت خمسًا من حيث لا يشعرون بفعل تشاكسهم على تسميتها! وفي حين جميع الأمم لديها مؤسسات تترجم هذه النظريات والمصطلحات العلمية تحت مسمى واحد وتعممها مع إلزام العلماء بها حتى لا يحدث خلط فيما بينهم لكي لا يتوه طلاب العلم في مسمياتها.

يشكو القارئ العربي دائمًا وأبدًا من عدم المهنية في الترجمة والأمثلة في هذا كثيرة ولسنا بصدد التشهير بالمترجمين، فالقارئ يريد فقط وبكل بساطة ترجمة الكتب الأجنبية كما هي بغض النظر عن معتقدات أصحابها لكون كتابها من ثقافات مختلفة عنا، لذا فلا داعي للتكلف بالحذف أو التعديل، أو الإضافة فيما تقدمه الكتب من أفكار نحن نعلم علم اليقين أن اصحابها غير عرب، وغير مسلمين، بل منهم ممن يزيد من الطين بلة ويقوم بتعبئة الهوامش حتى يكاد حجمها يفوق حجم الصفحة ذاتها ليبرهن لنا أنه مختلف مع المؤلف، بينما يكفي المترجم كتابة سطرين في مقدمة ترجمته وينأى بنفسه عن أفكار الكتاب ومؤلفه وفي الوقت ذاته يرضي ضميره المهني بأداء الأمانة في ترجمته التي هو مسؤول عنها، كما لسنا بحاجة لترجمات إسلامية صرفة لكتاب غير مسلمين كما هو الحال في كثير من الكتب!

مما لا شك فيه ولا ريب أننا كعرب نحتاج لشوط طويل لسد الهوة في عالم الترجمة وبسبب تقاعسنا الشديد في هذا الباب المهم تأخرنا تقريبًا في كل شيء لا سيما العلوم الحديثة التي نحن بأمس الحاجة إليها في اللحظة الراهنة، وسبق وقد ذكرنا أن الترجمة تسبق أي تقدم حقيقي لأي حضارة كانت، فالأمم حينما تقوم تبدأ من حيث انتهى الآخرون، والعلوم بطبيعتها هي خلاصة معرفة البشر منذ بدأ عصر الكتابة والتدوين حتى هذه اللحظات والحضارات أيضًا تدور رحاها مثل السحاب متنقلة بين القارات تمطر عزًا ومنعة على البشر بغض النظر عن أعراقهم وأديانهم وأحسابهم وأنسابهم، لذا لا بد لنا من فتح باب الترجمة على مصراعيه فيما يهمنا وينفعنا من علوم وآداب، ولنذكر مثالًا جميلًا عن اليابان التي قامت بعد سقوط مدوٍ خلال فترة وجيزة، ففي مجال أدب الأطفال مثلًا تبعث الحكومة اليابانية سنويًا لجانًا لتطوف حول العالم وتنقب في معارض الكتب الخاصة بالأطفال عن الجديد المفيد، من ثم ترفع قوائم بأعداد مهولة من عناوين الكتب لمؤسسات مختصة تقوم بعملية الترجمة من اللغات الأجنبية إلى لغتهم الأم، وهذا غيض من فيض كوكب اليابان.

نعيد ونذكر أن هدف المقال ليس الشماتة أو السخرية بالترجمات العربية والتشهير بها، وإنما نطمح أن تترقى لأعلى المستويات الممكنة لها لكي تمهد لانطلاقة حقيقية لمستقبل أفضل لأجيالنا، ولا ننكر تلك الجهود والمحاولات المباركة التي بذلت وتبذل في سبيل تحسين مستوى الترجمة، ونأمل أن تتبنى حركة الترجمة الحكومات العربية والمؤسسات المرموقة، إضافة للمجهودات الفردية المشار لها بالبنان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد