في الثامن والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2021، وتحديدًا عند السادسة مساءً. ظهرت على شاشة هاتفي دون سابق إنذار رسالة من إدارة «فيسبوك». كلمات قليلة وضبابية تلخص الرسالة في علاقة القوة الإذعانية التي تحكمنا مع الشركات التكنولوجية الكبرى: «تم تعطيل حسابك. لا يمكنك استخدام فيسبوك لأن حسابك أو نشاطك عليه، لم يتبع «معايير مجتمعنا». لقد راجعنا هذا القرار بالفعل ولا يمكنك إلغاؤه. للتعرف على المزيد، يرجى زيارة معايير مجتمعنا». كان عمر الحساب الذي تم إزالته للتو في لحظة حوالي ثماني سنوات، هكذا دون سابق إنذار ودون أي إشعار مسبق أو أي تقييد على مدار كل هذه السنوات، ودون توضيح لماهية الانتهاك، في لحظة مفاجئة وغامضة أزيل الحساب – بما في ذلك التعليقات – ومُنعت فورًا من أي إمكانية للوصول إليه دون أدنى تفسير أو أي حق في الاعتراض. كل ما يمكنني فعله هو زيارة معايير مجتمعهم والتي تبدو ضبابية أكثر من رسالة الحذف نفسها.

الغريب هنا، أن جانب من عملي ونشاطي بصفتي مدافعًا عن حقوق الإنسان هو التدريب على الحقوق الرقمية، أي إنني أدرك تمامًا هذه المعايير بشكلها العام وأنضبط بها بمعزل عن مدى قناعاتي الشخصية في ظل التضييق على المحتوى الفلسطيني الرقمي بوجه ما لأسباب سياسة متعلقة بالصراع مع الاستعمار الاستيطاني. للكثيرين وأنا من بينهم، تحول «فيسبوك» مع الوقت من منصة تواصل اجتماعي إلى «بروفايل» شخصي طويل وسيرة ذاتية مهنية ممتدة؛ إذ نشرت عبره مئات المقالات، والمنشورات، والفيديوهات، واللقاءات الإعلامية التي قمت بها، سيما مع العزل الواقعي والكثافة الافتراضية التي خلفها تفشي جائحة كورونا. لكن كل ذلك المحتوى، ذهب في هذه الخطوة التعسفية دون توفر نسخ أخرى من المحتوى لدي. رغم مراسلتي «فيسبوك» مباشرةً فور الإزالة الغامضة ومعي عدة جهات حقوقية ورقمية للحصول على تفسيرات/إيضاحات، ومطالبتهم بالحد الأدنى بتوفير قاعدة بياناتي عبر البريد الإلكتروني، لم نلق أي استجابة حتى اللحظة.

استباقًا لهذه المماطلة ترافقت رسالة الحذف التي وصلتني مع رسالتين، الأولى تؤكد أنه لم يتبق لطلب المراجعة سوى 30 يومًا قبل الحذف النهائي – وهي تتناقض مع رسالة لقد راجعنا بالفعل هذا القرار ولا يمكن إلغاؤه – كما أن طلب المراجعة المتاح هنا هو صورة هوية شخصية فقط! حساب فعَّال، باسمي وصوري ولقاءاتي الإعلامية ومقالاتي وأعمالي المهنية وموثق برقَمَي هاتف وبريد إلكتروني، وهو تقريبًا حساب أستخدمه حصرًا لهذه الغايات وليس للتواصل الشخصي نتيجة أزمة ثقة مع الشركات التكنولوجية الكبرى بشأن خصوصيتنا في الحيز الرقمي، وسبق أن طلبت توثيقه من أشهر عبر ذات صورة الهوية شخصية يكون طلب مراجعتي لحذفه بهذا الشكل التعسفي هو إرفاق صورة هوية.

والرسالة الثانية المرافقة لرسالة الحذف: «لا يتوفر لدينا في الوقت الحالي سوى عدد قليل من الأشخاص المتاحين لمراجعة المعلومات بسبب كوفيد–19. هذا يعني أننا قد لا نتمكن من مراجعة حسابك. نعتذر عن أي إزعاج قد يسببه الأمر». هكذا، بهذه البساطة، تضيع كل هذه المراكمة في قاعدة بيانات مهنية طويلة عبر «فيسبوك»، دون توضيح، دون حق اعتراض، دون توفير نسخة من معلوماتك، دون أدنى سابق إشعار. وهو فعل مذهل في مفاجأته وكشفه للهشاشة الرقمية يضعك أمام خيار البحث الذاتي عن الجهة ما وراء خطوة إدارة «فيسبوك»، أي، الجهة ما وراء الإغلاق.

بالقفز من الخاص إلى العام، تتعرض الحقوق الرقمية للفلسطينيين/ات لانتهاكات من كل السلطات في حيز تتداخل فيه محاولات السيطرة على الحيز العام. وهو ما حوَّل معرفة الجهة التي تقف وراء الانتهاك إلى نوع من التحدي. العديد من الأمثلة على الانتهاكات الرقمية يمكن إيرادها، مع الإشارة إلى أن هذه الانتهاكات في الحالة الفلسطينية المعقدة، ترتقي من تقييد الرفاه للآخرين من سكان هذا العالم إلى تهديد الحياة للفلسطينيين في بعض الحالات.

إذ لا يتوقف الأمر على حجب لعبة أو أغنية على أهمية ذلك. خذ عندك مثلًا، تمييز شركة «Googol» عبر تطبيقها «Google Maps» ضد الفلسطينيين بتسمياتها أولًا، وبشمول مسحها الجغرافي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تشكل جريمة حرب في القانون الدولي ثانيًا، وبحذفها لأسماء القرى الفلسطينية في مناطق (C) ثالثًا. ما الذي يعنيه هذا الأمر؟ حجب التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية أمام المستخدمين، يحيلنا وبكل سهولة إلى سيناريو متوقع هو أن السائق الفلسطيني في هذه الجغرافيا المتداخلة قد يدخل خطأً بسيارته إلى مستوطنة إسرائيلية وهو ما سيعني شيئًا واحدًا شبه محقق: تحييده بالرصاص من قبل الحراس و/ أو المستوطنين.

تتكاتف الانتهاكات الرقمية في فلسطين مع إشكالية حجب المواقع من قبل جهة أخرى من السلطات. حوالي 50 موقعًا إلكترونيًا فلسطينيًّا جرى حجبهم في نوفمبر 2019، وهو فعل أسود مستمر لم ينجح مرسوم الرئيس الأخير بشأن تعزيز الحريات في إيقاف آثاره. والحال كذلك، يتعدى فعل الحجب والممارسة الفردية أو الأمنية إلى فعل تشريعي ومؤسساتي ممنهج بربطه بالإطار القانوني الذي استند عليه ممثلًا بقرار بقانون الجرائم الإلكترونية في الضفة الغربية (16/2017)، والذي تم تخفيف حدته لاحقاً عبر قرار بقانون (10/2018) مع بقاء بنيته الأساسية على حالها، وبصدور قرار الحجب من جهة قضائية. ينبغي التذكير هنا، بتهمة إساءة استعمال التكنولوجيا السخيفة في قطاع غزة التي أضيفت مع القانون (3/2009) المعدل لقانون العقوبات (74/1936). أمام صراع تنافسي بين طرفي الانقسام للسيطرة على الحيز الرقمي العام. تشريعات حقبة الانقسام سيئة السمعة تَعرّض – وما زال – على إثرها العديد من الصحفيين والنشطاء للملاحقة، بما نقل الانتهاك للحقوق من الرقمي ممثلًا في الحجب إلى الجسدي والمعنوي ممثلًا فيالتوقيف والملاحقة والمحاكمة.

في السياق يبرز انتهاك آخر للحقوق الرقمية «مُمَؤْسس» على مستوى أرفع وأقدم يتمثل في الشركات الاحتكارية، التي تقدم خدمات الإنترنت. منذ مجيئها اتّبعت السلطة الفلسطينية سياسة رسمية في إدارة الخدمات رُسِمت عبر محورين، المحور الأول: إدارة تلك الخدمات من خلال أجسام حكومية وغير حكومية ذات مهام إشرافية وفنية وإدارية لكل قطاع على حدة، بما في ذلك قطاع الاتصالات. والمحور الثاني: الأسلوب غير المباشر في تقديم الخدمات في هذه السلع الإستراتيجية بالاعتماد الكلي على القطاع الخاص في الإدارة والتشغيل وتزويد الخدمة، بامتيازات وعقود وتراخيص احتكار وبالذات في مرفق الاتصالات.

ما زال السؤال مفتوحًا دون إجابة رسمية حول الاتفاق السري الذي جددت بموجبه شركة الاتصالات الفلسطينية في ديسمبر 2016، احتكار السوق الفلسطيني لعشرين سنة قادمة، أي حتى 2036 مقابل 290 مليون دولار، دفعتها للحكومة الفلسطينية – ستستعيدها مضاعفة من جيوب المواطنين – في تقرير للبنك الدولي حول الحوكمة ومكافحة الفساد في الضفة الغربية وقطاع غزة نُشر في العام ذاته، أفاد البنك الدولي بتعرفه على إساءة استخدام ممكنة لقوى السوق وهيمنة لبعض الفاعلين النافذين بقطاع الأعمال ووجود صلات شخصية قوية بين أصحاب الأعمال التجارية والمسؤولين العموميين.

كما يبرز انتهاك رقمي آخر مهم هو خطاب الكراهية الذي يجري ممارسته على نطاق واسع ضد النساء، والذي يتزايد على نحو خاص مع كل جريمة أو خطوة مرتبطة بجريمة ضد إحدى النساء، وهي كراهية تمتد لتشمل ذوي الإعاقة، ذوي البشرة السوداء، والأقليات الجندرية والدينية في الحيز الرقمي الفلسطيني. كان لافتًا إلى دخول جانب جديد من الكراهية والتنمر مرتبط بفيروس كورونا، خاصة مع بداية تفشي الجائحة مطلع 2020 الفائت. سواء ذلك الموجه ضد مصابي فيروس كورونا، أو ضد العمال الفلسطينيين في أراضي الـ48، أو ضد وزيرة الصحة، أو ضد الآسيويين الذين يعيشون في الضفة الغربية.

مطلع العام الجاري أعلن رئيس الوزراء، محمد اشتية، تشكيل لجنة فنية للمحافظة على الحقوق الرقمية الوطنية وتحصيلها من شركات التكنولوجيا العالمية، وهو أمر مهم وسيكون جديًّا لولا أن معارك رقمية أسهل لخوضها وممكنة لم يتم الالتفات إليها، تبدأ بنشر الاتفاقية السرية مع شركة الاتصالات ولا تنتهي بالضغط لتعديل تشريعات الجرائم الإلكترونية، وهي معركة فلسطينية داخلية لن تستدعي الكثير من الإمكانيات، كالتي يتطلبها فتح جبهة مع الشركات العالمية الكبرى على مستوى دولي.

يبقى السؤال المحوري في حادثة الحذف، من هي الجهة وراء ذلك؟ الاحتمالات كلها واردة وممكنة أمام هذا التداخل. بما فيها متعصبو اليمين الشعبوي والإسلامويون من «حزب التحرير» الذين اعتادوا مهاجمة صفحتي وتهديدي عبرها على خلفية قضايا ذات علاقة بالحقوق والحريات العامة، وربما غيرهم. بعد كل هذا السرد، قد تبدو فترة الابتعاد القهرية عن «فيسبوك» مريحة بعض الشيء، للتخلص من توترات التحديث المستمر للأخبار البائسة في هذه البلد، وفرصة لقضاء وقت أطول مع العائلة، وللابتعاد عن البرمجة التي تمارسها المنصات ضد وعينا وهوياتنا الفردية.

لكنها بلا شك، تعكس في آن هشاشة عصر البيانات الكبرى الذي نعيش فيه، وضعف ظهر الفلسطينيين في ممارسة حقوقهم الرقمية، تمامًا كما هي بقية الحقوق. ففي الوقت الذي تعتبر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن ما هو محمي في الواقع من حقوق الإنسان يجب أن يكون محميًّا رقميًّا، تبرز الحقوق الفلسطينية شيئًا غير محمي على الإطلاق لا واقعًا ولا افتراضًا. وهو ما يبعث على الحزن، ولكنه أكثر، يبعث على السخرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد