قبل نقدي لكتب التنمية البشرية، يتوجب علي تقديم اعتراف، ولو كان متأخرًا، لكل كتاب هذا الفن؛ لكونهم من فتحوا شهيتي لعالم القراءة الواسع، والتي أغلقت منذ المراحل الدراسية المتوسطة، فقد كانت عناوينهم البراقة دائمًا ما تسلب الألباب مثل: «دع القلق وابدأ الحياة»، «حياة بلا توتر»، «أيقظ قواك الخفية». وغيرها من العناوين التي يتهافت عليها كثير من القراء، كما يتهافت الجوعى إلى ولائم دسمة، بعد أن نال منهم الجوع والإعياء.

لكنني وبعد حين، سرعان ما اكتشفت أن تلك الولائم الورقية، التي زينت بها مكتبتي، وتشدقت بعناوينها البراقة أمام الملأ، لا تسمن ولا تغني من جوع، فقد كنت كمن يلهث ظمآن خلف سراب بقيعة، يتبعه سراب آخر، في سلسة سرابات لا متناهية، وكأن ذلك السراب الذي كنت أتتبعه ما هو إلا شعلة الأمل المركوزة في أنفسنا، التي هي بالضرورة تلقت خيبات أمل عديدة، وتبحث بكل عزم وإصرار، ولو عن بصيص ضوء، ينير لها درب الحياة المظلم مجددًا، وكأن حال القراء الذين لهثوا خلف شراء هذا النوع من الكتب كمن يشتري على الدوام ورقة اليانصيب، مع علمه التام والمسبق باحتمالية ربحه الضئيلة، التي ربما تكون واحدًا في المليون، ورغم ذلك يتوق لنيل الجائزة مئات الآلاف من البشر، وربما الملايين، ويشاركون كل مرة في هذه المسابقات على أمل نيل الجائزة، رغم ضعف احتمالية الربح فيها.

معظم الكتاب الذين يخوضون غمار هذا المجال يتبنون قاعدة «كتابة ما يطلبه القراء»؛ فالنفس بطبيعتها تتوق لسماع كل من يبث روح الأمل فيها، ويذكرها بأمنياتها السالفة؛ لذا دائمًا ما ترى آمالك وطموحاتك واردة في كتاباتهم، وهذا أمر رائج في مجال الصحافة؛ لكون طبيعة الحقيقة مرة، لا يرغب أحد في سماعها أو قراءتها، حتى في مجال الإذاعة، فبرامج «ما يطلبه المستمعون» من أكثر البرامج متابعة في الإذاعة، وقس على ذلك.

تعلمنا في الحقوق أن أي قضية نتبناها ولا نحملها كما يجب، نضرها أكثر من أن ننفعها، فما بالكم إذا كانت القضية التي ننصرها هي قضية الأمل في تحقيق النجاح! وهذا حال معظم مدربي التنمية البشرية، الذين أساءوا في نصرتهم لها، حتى باتت وبالًا على مناصريها قبل مناهضيها، وقد أنشئت مراكز تدريب لتأهيل المدربين، وباتت هذه المراكز قبلة للعاطلين عن العمل، وصدروا لنا آلاف المتدربين، الذين حملوا القضية، و«أكلوا عيش» منها في حين أن أهم شرط من شروط هذا الفن هو النجاح في الحياة؛ إذ لا يمكنك التحدث عن النجاح وأنت فاشل لا سمح الله! كما لا يمكنك التحدث عن التميز ورصيدك صفر اليدين في التميز، حتى وإن تشدقت بهذه الموضوعات، فلن يكون لك أي تأثير بين الجموع، وقديمًا قال العرب من قبل: فاقد الشيء لا يعطيه؛ لذلك لا بد من عامل القدوة الحسنة عند مدربي التنمية البشرية، وهو أهم عامل في صناعة النجاح وتنمية الذات، حتى لا تصبح مواد التنمية البشرية التي تدرس مستهلكة لدى الناس.

هناك ملاحظة يجب ألا نغض الطرف عنها، ونضعها في حسباننا، وهي تتعلق بالفروق بين مدربي التنمية البشرية العرب والغربيين، ومن أبرزها ورود ألفاظ ومصطلحات في كتب غربية، وعلى لسان مدربيهم، مثل اصنع نفسك واصنع قدرك، وكلمات مثل هذه تؤكد أن الإنسان مخير في حياته وقراراته، بينما نجد نحن أن المدربين العرب يذكرونها على مضض، أو على سبيل التمليح؛ خوفًا من اصطدامهم بمعتقدات الجماهير التي تؤمن بالنقيض عند – الأغلبية- ومن يطالع كتب التنمية البشرية يجزم بأن أس هذا العلم مبني على صناعة القدر، وكل من تحدث في هذا الفن يدعو إلى ذلك، سواء آمن به أو لم يؤمن! ولست بصدد الحكم والتفتيش على معتقدات الخلق، ولكني، وددت وضع النقاط على الحروف، فكلنا يعلم أن المذاهب الإسلامية استوعبت جميع الحالات في مسألة التسيير أو التخيير، أو حتى الوقوف بينهما!

تعد قراءة السير الذاتية للناجحين والمتميزين، في نظري، هي أعظم تنمية بشرية؛ ففيها نجد عزاء ومواساة لكل الصعوبات التي واجهتنا في الحياة، فحياتهم لم تكن مفروشة بالورود، كما يتخيلها البعض، بل كانت العوائق توضع في مسالكهم دومًا  والمصائب تترى عليهم من كل حدب وصوب، ورغم ذلك لم يفقدوا الأمل في تحقيق أحلامهم، وواصلوا المسير في دروبهم المتعثرة، ما بين صعود ونكوص حتى بلغوا المنى، والجدير بالذكر  أن ثلث القرآن الكريم حافل بقصص وأخبار الرسل، والأنبياء الأولين مع أقوامهم المعارضين للرسالة، وفيها من العزاء والمواساة للرسول وأتباعه ما فيها، وتحمل القصص في طياتها بشرى بالنصر والظفر المبين للمؤمنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات