اخترت أن أكتب كلماتي بهذا الموضوع، ربما لأن من عاش هذا الابتلاء بتفاصيله قليلًا – رغم أن الجميع أبطاله بطريقة أو بأخرى-  فكثيرًا ما نتناقش بأمر العلماء أو الدعاة الذين أصبحوا يحلقون في عالم الفضاء ناسيين كوكب الأرض، فلننساهم الآن و نعمل “فلاش باك” لمشاهد متعددة ثم نعود لهم لاحقًـًا.

لنلق نظرة سريعة على التعليم المصري من قبل عشرين عامًا سنجد أن المدارس كانت تنقسم لحوالي أربعة أنواع: المدارس الحكومية والتجريبية والخاصة اللغات والأزهرية، وعلى هذا الترتيب تجد العدد متفاوتًا بينهم، فهنا طبقة دون الوسطى أو لأسباب خاصة اختارت التعليم الحكومي صاحب التكلفة الأقل التي قد لا تتعدى الخمسين جنيهًا وهناك طبقة وسطى اختارت التعليم الأجنبي بتكلفة لا بأس بها بالمدارس التجريبية التي تقوم بتدريس بعض المواد بلغة أجنبية لجانب تعليم اللغات.

أما المدارس الخاصة فاختارتها فئة أخرى فضلت تربية أبنائها في ظل اهتمام خاص بعيدًا عن الزحام الحكومي والتجريبي، وتبقت لنا هذه الطبقة المتدينة الفائزة التي لم تضل الطريق مثل السابقين واختارت التعليم الأزهري، بالطبع هذا التفصيل سيزداد سوءًا وفروعًا وطبقية ودولية وأمريكية اليوم، وكأنَّنا مجبرون على اختيار طريقة انتحار هادئة الطباع دون نوح وبكاء على هُويتنا.

وبهذا فأنت أمام أربعة مصادر رئيسة للتعليم كل منها ينادي لحب الوطن بطابور الصباح، ويرى صورة مبارك أمامه داخل الفصل، أما عن الدين والأصل الذي ننتمي له فهو مجرد مادة بحصة أو حصتين لا تتضاف إلى المجموع إلا بالمدارس الأزهرية التي كانت هويتها الإسلام وتدرس فروعه، ولو اعتبرنا أن تعداد الطلاب يقسم بالمساواة بين هذه المصادر الأربعة سنكون أمام 75% من الطلاب لا يفقهون شيئًا عن دينهم أمام 25 % وهم من يدرسون بالأزهر ويتعلمون أصول دينهم أو على الأقل يعلمون دينهم! وهذا مجرد توقع طيب الملامح!

سألقي الأضواء قليلاً على فئة المدارس الخاصة، التي غلب عليها طابع المسيحية، لأن القائمين عليها رهبان وراهبات، وهذا ما يشير إلى أن هذه المدارس كان  يعيش الرهبان بداخلها ويتربى المسيحي والمسلم في حضن هذا الراهب، ومن ثم أنت تلقي أولادك في ضمير هذا الراهب الذي سيربي ابنك كما يشاء، فكان حظي أن من ربتني راهبة تحثني على ديني كما تحث المسيحيين على دينهم، ومر الزمن وتخرجت من المدرسة ثم الجامعة التي لم يتبق بها محاضرة أو حصة الدين اليتيمة التي تمردنا عليها مسبقًا، وتبقى فقط في بطاقتي أني مسلمة.

وكان دائمًا ما يلاحقني سؤال كالناقوس وهو “هل الدين مجرد ضيف ننحت اسمه بالبطاقة أم هو طريق نستدل به؟ هل الدين شيء أم هو الأصل لكل شيء؟”، حيث إنه كان بالنسبة لي مجرد صيام لرمضان ودعوة من الجميع لإقامة الصلاة التي هي عماد الدين، وكان لسان حالي أني لا أعلم هذا الدين الذي تريدونني أن أقيم عماده، كنت دائمًا في صراع لا أستطيع التصالح معه، فأقوم بتنفيذ ما أستطيع لكن عقلي شارد في استفهامه، أما عن استقصاء المعلومات فاكتشفت أنه في رمضان أستمع لبعض الحلقات لبعض البرامج، وإن شاء القدر ولفت انتباهي إلقاء هذا وفكرة ذاك فأتابعهم!

فعشت بتعجب لاستفهام آخر هل ستظل علاقتي بالدين مجرد صدفة؟ إلى أن تخرجت ودخلت معهد إعداد الدعاة الذي كان مخصصًا لغير الأزهريين الذي يتبع وزارة الأوقاف وكان يوجد أكثر من معهد على مستوى كل محافظة يستقبل أكثر من 200 طالب، إلى أن حدث الانقلاب المصري وأغلقت المعاهد وتركوا معهدًا واحدًا يتوسط  كل محافظة من محافظات مصر، وصار حتميًا علينا أن ندرس مناهج جديدة لجانب قوانيين جديدة تصعب من الالتحاق بالمعهد أو الاستمرار فيه!

وعلى صعيد آخر وسط كل ما سبق ظهر جيل الدعاة الجدد الذي كان لي بمثابة أمل لتجديد للخطاب الديني الذي لم يعد يتناسب مع الشباب، أو على الأقل معي ومن هم على شاكلتي، نعم فأنا لا أفهم هذا الشيخ الذي يحدثني باللغة العربية الفصحى وكأني ولدت ومعي معجم، كنت دائمًا ما أواجه هذا الذي يقول كلمات تشل سمعي للحظة لا لإني لم أفهمها ولكن لإنه قالها بسرعة لم أتمكن من سماعها لأستطيع فهمها، وكأني مررت على ما يقول مائة مرة، رغم أن الرسول صلوات ربي عليه كان يعيد ما يقول أكثر من مرة حتى يصل المعنى للصحابة، فأين نحن منه؟

فكان الدعاة الجدد بالنسبة لي طوق النجاة أو المترجم لما أريد معرفته، وبدأت الرحلة من درس لبرنامج لندوة إلى جانب سعيِّ بالتعلم حتى أصبحت البوصلة التائهة مستقرة، وصار هناك تغيير سريع مستمر بحجابي وحياتي وأخلاقي، وأصبحنا كشباب لم يحصل على التعليم الأزهري لدينا شيء محفز تجاه التطور الذاتي الديني، لأننا وجدنا قدوتنا وجدنا شابًا يرتدي زيَّنا يخاطبنا بلغتنا في دينَّنا، فأصبح التفاهم أسرع والتعلم والتغيير أيسر والتطبيق ميسَّر.

و انتشر مع هذا الخطاب الديني معنى العمل الخيري، الذي زاد بنا الشعور بالمسئولية والفاعلية، وكأن الدعاة الجدد كالقائد الجديد القدوة الذي أتى لتطهير الذات وضبط البوصلة التي دمرها التعليم الفاقد للهُوية، فعلى مستوى الفرد زادت الثقافة والالتزام بقواعد دينَّنا الحنيف، وعلى مستوى المجتمع زادت معاني الإيثار ومثل المؤمنون كالجسد الواحد!

إلى أن أتت العاصفة التي مزقت هذا الجسد وأخذت هذه القدوة في مهب الريح ولم تعد بعد ولن ننتظرها، أتت أحداث نكبة الثورة المصرية لتميّز الخبيث من الطيب، فكان انقلاب على الجميع ليس فقط على الرئيس الشرعي المنتخب، لنجد أن البلورة السحرية التي كانت تدلنا الطريق لم تأت بأية معالم للطريق، ولم تقل آراءها ولم تبد الأسف على القتلى ولم نر وجوههم إلا في العبارات المحفوظة “حفظ الله مصر والمصريين”.

وانكسرت هذه البلورة السحرية وأصبح واجبًا عليّ أن أشق طريقي ولا سند ولا مترجم لي، فلا هذا الشيخ الذي تمردت عليه بالأمس نصرنا أو نصحنا ولا هذا الذي أخذناه قدوة اليوم أنقذنا بل خذلنا، فحدثت قهرة وخذلان لدى كثير من الشباب، فكيف الذي علمني إسلامي البارحة ينسى الجسد الواحد اليوم، والأحمق هذا الذي يقنع نفسه ومن حوله أن هذا زمن الفتنة وأن علينا التزام بيوتنا، فهل بيوتكم هي الشاشات التي تلتزمونها دائمًا؟ أم هذه الكاميرات المصاحبة لكم و أنتم تعيشون بأفخم الأماكن وباقي الشباب معتقلون ومعذبون ومطاردون ومغتربون؟ ألم يكن الحق بيّن والساكت عن الحق شيطانًا أخرس، ألكم جريح أو شهيد أو معتقل ومازلتم ترونها فتنة؟ أين التذكرة الدائمة بالتراحم وأن الرسول بكى لموت غير المسلم و أنتم الآن نسيتم حتى التراحم على روح المسلم!

فالآن أوجه حديثي لمن وقع بنفس ابتلائي، فرِّغ الأفكار من ذنوب الأشخاص ولا تترك العلم بذنب العلماء ولا تأخذ العلماء قدوة مطلقة فهم بشر يصيب ويخطئ، استمر بالبحث دائمًا ما دمت عاقلًا، ولا يغرك اللسان الأعوج عن العربية ولا تظن أن الحضارة في تعلم اللغات الأجنبية والتخلي عن الهُوية، فكل حضارة بلا هُوية هي حضارة شكلية ضائعة الملامح، ولا تنساق وراء حضارة مدنية الاستحمار بالأشكال والماركات واللسان الغربي.

أما مشايخنا فلا أريد منكم شيئًا إلا أن تعملوا بما تعلمون وألا تقولوا ما لن تفعلوه، وأن تنسوا وتحذفوا من كل حلقاتكم القادمة حديث: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ … ”

فحتى يأتي اليوم الذي تطبقون فيه الدين كله لا تحدثوننا بالدين كله، وأخيرًا فتحياتي ودعائي لجيل وجب عليه أن تتلخص بوصلته في هذه الآية الكريمة:

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (120)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد