كما كنت أتوقع، أثارت مقالتي المعنونة بـ«قصتي من سجن الإلحاد إلى حرية الإيمان» العديد من التعليقات والملاحظات والاقتراحات، السلبية والإيجابية، التي أشكر أصحابها لتكرمهم بها، لأن المرء بحاجة دائمة لمراجعة أفكاره وتقييم مدى صوابها، ويصعب أن يفعل ذلك دون تلقيه النقد من الآخرين، مع أن بعض الناس مع الأسف الشديد لا يفرقون بين النقد الموضوعي البنّاء، الضروري والمحبذ، وبين الانتقاد الشخصي، المغرض والهدام، والمنطلق غالبًا من أمراض وانحرافات فكرية أو أخلاقية يعاني منها المنتقد. فالإنسان السوي، صاحب الشخصية النبيلة التي تسعى إلى الارتقاء بنفسها وبالآخرين، يحاول جاهدًا أن ينقد الأفكار لا أصحابها، وأن يحسن الظن بالناس، وأن لا يتسرع أو يتعسف في أحكامه، وألا يقفز إلى نتائج يختلقها أو يتوهمها لا علاقة لها بما يقرأ، وألا يسخّف جهود الناس أو يحقرها، وألا يدع توجهاته الإيديولوجية وانتماءاته وتحيزاته الذاتية توجه أفكاره وكلماته بعيدًا عن الحق والإنصاف، على كل حال، نحن بشر ولسنا ملائكة، وكلنا لا يخلوا من مثل تلك العيوب إلى درجة أو أخرى، ولكن من المهم أن نحاول علاجها ومقاومتها قدر المستطاع.

أعود إلى موضوع المقالة الرئيس بعد ذلك الاستطراد الذي وجدت أن من المهم التعريج عليه. كانت المقالة الأولى مجرد فكرة عامة عن تجربتي، بخطوطها العريضة، دون الدخول في كثير من التفاصيل. ولذلك فإن من التعسف وقصر النظر الحكم بسطحية تجربة عمرها أكثر من ربع قرن، بالرجوع إلى مقالة قصيرة حاولت تغطية أهم محطاتها. فقد اشتملت تلك التجربة، ولو بحكم الوقت الذي استغرقته، على كثير من الجوانب والأبعاد والصراعات والمخاضات، ولم تكن حتمًا رحلة سطحية كما قد تبدو عليه باستعراضها عبر حفنة من السطور.

فكما ذكرت، لقد كنت أسعى إلى الهرب من العودة إلى الإيمان أكثر بكثير مما كنت أسعى إلى الرجوع إليه. وكنت أكاد أفرح كلما وجدت شبهة تبدو قوية ومقنعة من تلك الشبهات التي درج الملاحدة على تسويقها، فالغارق في مستنقع الإلحاد مثله مثل المدمن الذي يخشى التخلي عما يتعاطاه ويظن أنه لا يقوى على الحياة بعيدًا عنه، ولذلك فإنه يتشبث بأية قشة قد تساعده على الغوص أبعد وأبعد فيما هو خائض فيه. ولذلك كنت أتلقف شبهات الملحدين باحتفاء وأدرسها بعناية، غير أن نتائج ذلك التقصي كانت تكاد تجعلني أشق ثيابي وألطم وجهي غيظـًا من التفاهة والضحالة الفكرية التي كنت أتخبط فيها، حينما سمحت لنفسي بأن أردد كالببغاء في يوم من الأيام مثل تلك السخافات! بدأت حينها أحلل موقفي ومواقف أصحابي ممن كانوا على شاكلتي، وكلهم من الأكاديميين الحاصلين على شهادات عليا، كي أفهم المنطلقات التي انطلقنا منها، أو الأسباب التي رمت بنا إلى جحيم الإلحاد، فوجدتها تتأطر بوجه عام ضمن عدة روافد، أجد أن من المهم جدًا تخصيص هذا المقال لاستعراض أبرزها:

 

التأثر الأعمى بالغرب

من الدوافع الأساسية للإلحاد التأثر الأعمى بالغرب، والانبهار بكل ما يأتي منه. فلو تأملت في خطاب معظم الملحدين لوجدتهم يجعلون من الغرب كعبتهم التي تحج إليها أفئدتهم، بوصفه رمزًا لكل ما هو متقدم ومتحضر وحداثي. وهذا كان حالي أنا وأصحابي، فقد كنا نعبد ماركس ونيتشه وفرويد وهايدجر وسارتر وفوكو وأبو رجل مسلوخة وسلومة الأعور وأمثالهم من دون الله، وننافس بعضنا بعضًا ونتباهى بترديد مقولات أولئك الضالين المضلين، كدليل على الوعي التقدمي الثوري!

 

النزعة العبثية

بعض الملاحدة ضلوا الطريق بسبب النزعة العبثية، وربما العدمية لديهم. أي بسبب انفجار ماسورة المعايير وتشظي منظومة المعاني لديهم ورفضهم الاعتراف بما تعارف وتواضع واصطلح عليه الناس من أفكار ومفاهيم، فعندما تتحاور مع واحد من هؤلاء تجده يرفض التسليم بأكثر الأمور وضوحًا ويقينية واستغناء عن البرهان، من قبيل وجود الأرض أو الشمس أو الكون أو حتى وجوده هو نفسه، فتلفيه يقول مثلًا: وما أدراني أنني موجود فعلًا، وأنني لست مجرد حلم أو وهم في عقلي أو في عقل غيري! كما هو واضح فإن من شبه المستحيل الوصول إلى نتيجة يعتد بها مع من يتبنى مثل ذلك الموقف المخاطي المطاطي، والأرجح أن ينتهي الحوار بنوبة قلبية للطرف المؤمن. فإذا كان صاحبنا غير متأكد من وجوده هو نفسه، فكيف يمكن أن يقتنع بوجود الله! على كل حال لقد نصحت واحدًا من  أصدقائي من حملة تلك الأفكار الهائمة العائمة بأن يلقي بنفسه أمام القطار، وهو لن يتألم من الصدمة أو يموت حتمًا، بما أنه غير موجود، ولكنه سيتأكد بنفسه فقط مما إذا كان الله موجودًا أم لا! وإن جبن ولم يفعلها، ولن يفعلها، فسأبلغ عنه المختصين في السرايا الصفراء حتى يريحوه ويريحوا العالم من أفكاره الخنفشارية!

 

الجهل

تنطبق على الملحد صفة الجهل، حتى وإن حمل جائزة نوبل في العلوم. مما يدل على أنه ليس هناك علاقة جوهرية بين المستوى العلمي للفرد، وبين توجهه الديني! كما أن العلم في مجال معين لا يعني على الإطلاق الفهم أو الحذق في مجالات أخرى، فقد يكون المرء عالمًا عبقريًا بالفيزياء، بمستوى أينشتاين نفسه، وجاهلًا في الوقت ذاته في الاقتصاد أو السياسة، جهل المرحومة جدتي بهما. كما أن تعمق الإنسان في علم معين لا يعني بالضرورة امتلاك مفاتيح ذلك العلم واستكناه كل أسراره، فكلما زادت معارف علماء الفلك مثلًا، زاد وعيهم وإقرارهم بأنهم لا يعلمون إلا أقل القليل عن مجاهل الكون وخفاياه، فيما يشكل مصداقًا لقوله تعالى: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا»، وإذا كان العلماء، وبالرغم من كل التقدم الهائل الذي أحرزوه، لا يعلمون كثيرًا عن طبيعة الإنسان نفسه، ولا يفهمون حتى الآن تمامًا كيف يفكر ويشعر ويتعلم ويتذكر ويبدع ويمرض ويشفى ويموت…إلخ، فكيف يمكن للبعض أن يزعم بأن العلم يتعارض مع وجود الله أو ينفيه، كما يفعل ثلة من الملاحدة السذج. ولذلك فإن الملحدين هم ممن تنسحب عليهم الآيات الكريمة القائلة: «يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرًا من الناس بلقاء ربهم لكافرون».

ومن يتأمل في حجج الملاحدة، يكاد فعلًا أن يضحك من سذاجتها وتعبيرها عن مستوى مريع من الجهل في أمور كثيرة، أولها اللغة العربية، التي لا يمكن ادعاء فهم الدين الإسلامي فهمًا عميقـًا إلا بالتمتع بمستوى متقدم منها. فبعضهم مثلًا يقول لك بما يشبه التشفي والزهو بنشوة الانتصار وكأنه جاء بالذئب من ذيله: كيف يقول ربك في القرآن: «حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة»؟ من يتساءل مثل ذلك السؤال الساذج، ويؤسس إلحاده على تساؤلات مشابهة لا تقل سذاجة، لا يعلم فيما يبدو عن وجود شيء يسمى المجاز في اللغة العربية، بل في كل اللغات، ولا يدرك أن الألفاظ لا تُؤخذ على نحو حرفي دائمًا. بل إن من الملاحدة من يبلغ به البؤس المعرفي درجة الزعم بأن هناك أخطاء نحوية في القرآن الكريم، غير مدرك أن كل علوم اللغة العربية قد تأسست بعد عشرات السنين من نزول القرآن، وأن القرآن كان هو المرجعية والمعيار والمسطرة التي تم الاستناد إليها لاستنباط القواعد، بمعنى أن القرآن هو القاعدة التي يقاس عليها، وليست قواعد اللغة المستلهمة من القرآن هي ما يمكن الحكم بواسطتها على القرآن!

ولكن الملحد مثله مثل الذي يطيش على شبر ماء كما يقول المثل الشعبي، فبمجرد أن يصادف عبارة غير واضحة المعنى أو قد تخلق بعض اللبس عنده في ضوء جهله باللغة وبعلوم التفسير، أو يأخذها بالأحرى من إحدى المواقع الخبيثة الجاهلة المتخصصة بتشويه الإسلام، حتى يتعامل معها كدليل قاطع لا يقبل الدحض أو النقاش على وجود أخطاء في القرآن أو الحديث، دون أن يكون معنيًا، في أغلب الحالات، بمعرفة المعاني المختلفة المحتملة لتلك العبارة، ودون أن يكون مستعدًا حتى لتغيير رأيه، مهما كانت درجة قوة ووجاهة التفسيرات التي تقدم له!

ويرتبط بمسألة الجهل المعرفي، الجهل بقدر الله وعظمته وجلاله. فحجم الكرة الأرضية كلها بالنسبة للكون قد لا تزيد عن حجم نقطة ماء في محيط، فتخيلوا قدرة وعظمة الخالق الذي أوجد ذلك الكون، الذي قد لا تمثل الأرض ومن عليها بالنسبة له ما يزيد عن جناح بعوضة. بعض الملحدين أو اللاأدريين بالأحرى يقولون قد يكون الله موجودًا، ولكنهم يتهمونه بالافتقار إلى الحكمة والعدل والرحمة! فما أجرأهم على الله وما أعظم جريمتهم، فهم والأرض التي يعيشون عليها بقضها وقضيضها لا يشكلون أكثر من نقطة في بحر من خلق الله، ثم نرى واحدهم ينسى نفسه ويريد أن يحتج على الله وأن يحاكمه وأن يعترض على إرادته وأحكامه وأقداره! ثم يتساءل بسماجة وبجاحة لماذا يستحق التخلد في جهنم السوداء بعد ذلك!

حتى على الأرض وفيما بيننا نحن البشر، عندما يسيء شخص إلى آخر، تزداد العقوبة وتغلّظ كلما علت مكانة الشخص المساء إليه. فإذا ما أسأت إلى جارك الحلاق الأسطة صبحي، وشكاك إلى الشرطة، فقد ينتهي الأمر بقبلة رأس واعتذار. أما إن أسأت إلى الحاكم أو الملك، فقد تختفي خلف الشمس. فكيف إذا ما تجرأت وحاولت الإساءة إلى ملك الملوك الخالق المنتقم العزيز الجبار القهار. إنك تكون كمن يتم تعيينه في مؤسسة عملاقة، ليتنعم في خيرات مالك المؤسسة وكرمه وفضله غير المحدود، ثم نجده آخر النهار يتوجه بالسباب والجحود تجاه ذلك المالك، بل يحاول تدمير المؤسسة نفسها، بنشر سمومه وأفكاره الضالة فيها، والدعوة إلى عصيان صاحبها والتمرد عليه. ولو كان يستند إلى أسس شرعية معقولة فلربما التمسنا له عذرًا، لكنه يعتمد تمامًا على مقولات ساذجة واهية لا يمكن أن تصمد أمام أدنى اختبار عقلي. فهو يرى المؤسسة رأي العين، ويشاهد ما فيها من إبداع وحسن تصميم، بل يعيش ويعمل فيها، لكنه ينكر أن يكون لها موجد أو مالك أو مدير أو مدبر! كما أنه لا يستطيع أن يفسر لنا بصورة تحترم العقل من أين جاءت وكيف تكونت. فمرة يقول لك إن الأمر كان بالصدفة، وأخرى يقول لك إن مخلوقات فضائية جاءت وأنشأتها، وثالثة يقول لك إنه لا يدري، وإنه بانتظار العلم كي يكتشف الجواب!

لقد خُلق الإنسان لمهمة أساسية قوامها عبادة الله. أي أن الوظيفة الأولى والأخيرة التي وجد من أجلها هي توحيد الله، وإعمار الأرض وفق أوامر الله. فإذا ما رفض الاعتراف بتلك المهمة، وبصاحبها، وجعل إلهه هواه فقرر ابتداع أهداف ومهام أخرى لوجوده على الأرض على مزاجه، بما يتعارض مع المهمة التي كُرس من أجل القيام بها؛ فإن الله يحذره بمنتهى الوضوح بأن مصيرة الخلود في الجحيم. لكنه تبارك وتعالى يبشره في المقابل، وفي الوقت نفسه، بأن مصيره الخلود في الجنة، إذا ما أبدى حرصًا جديًا مخلصًا على الالتزام بتنفيذ تلك المهمة، التي تضمن له السعادة والحياة الفضلى في الدنيا قبل الآخرة، فهل من حقه بعد ذلك الادعاء بأن الله ظلمه! عجبًا للإنسان، وصدق الله العظيم إذ قال فيه: «قُتل الإنسان ما أكفره»! فالله يقول له إن أمامه الاختيار بين طريقين لا ثالث لهما: طريق الهلاك وطريق النجاة، فنجده يمضي في طريق الهلاك المعبد بخطوات الشيطان ورفاقه عن سابق تصميم وإصرار وترصد، ثم يفغر فاه بالصراخ شاجبًا الحكم بمعاقبته بالجحيم الأبدي، وواصفـًا إياه بالظلم والقسوة والتسلط، مع أنه هو الذي اختار مصيره بنفسه!

من حكم بماله ما ظلم كما يقال. ونحن وكل الدنيا من أملاك الله ومن صنعه، وهو صاحب الحق الحصري المطلق في التصرف بنا. وحياتنا القصيرة التافهة على الأرض، التي قد لا تتجاوز 100 سنة على أبعد تقدير، لا تذكر أمام الحياة الأبدية الخالدة التي يعدنا بها بعد الموت. فمعاناتنا على ظهر هذه الأرض مهما عظمت وبلغت، هي لا شيء في واقع الأمر، ولا يجعل من تلك المعاناة، بما يتضمن موت الأطفال ومرضهم وعذابهم، سببًا لاتهام الله بالظلم وعدم الرحمة إلا أخرق قصير النظر، ما دام الله قد تعهد بتعويضنا بدلًا منها بنعيم مقيم إلى أبد الآبدين. فالله الذي خلق طفلًا مريضًا أو معاقـًا أو تركه يتعرض لأقصى صور الاضطهاد الممكن تخيلها هو أرأف به منا، وهو قادر على أن ينسيه بغمضة عين كل ما لقيه من عذاب. وفي هذا السياق قد يكون من المفيد استحضار حديث نبوي مهم يقول: «يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار فيقال: اغمسوه في النار غمسة فيغمس فيها، ثم يقال له: أي فلان، هل أصابك نعيم قط، فيقول: لا ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشد المؤمنين ضرًا وبلاءً فيقال: اغمسوه غمسة في الجنة، فيغمس فيها غمسة، فيقال له: هل أصابك ضر قط أو بلاء، فيقول: ما أصابني قط ضر ولا بلاء».

لحسن الحظ، فإن علاج الجهل ممكن وسهل، وعلى الملحد أن يبحث في التفاسير المختلفة، المتوافرة اليوم على الأغلب مجانًا على الإنترنت، وأن يسأل أهل العلم الموثوق بهم للاستفسار بشأن ما يلتبس عليه ويعجز عن فهمه. وإذا كان الملحد، كما هو الأمر في معظم الحالات، لا يكاد يستطيع تركيب جملة عربية واحدة دون أخطاء، فليكن صادقـًا مع نفسه وليتساءل إذا ما كان من المنطق أو الإنصاف أن يتصور أنه قادر على تفسير آيات القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية على هواه كما قد تبدو لفهمه السطحي!؟ وهذا يقودنا إلى سبب آخر مهم  قد يقف خلف الإلحاد، وهو:

الكبر والغرور

كما دأب بعض العلماء الأفاضل على القول فإن أول خطيئة عرفها التاريخ البشري هي خطيئة إبليس عندما رفض السجود لآدم عليه السلام، تكبرًا منه وغرورًا. وهذا ما يعاني منه كثير من الملحدين، فهم يرفضون فكرة العبودية لله، ويزعمون أن كرامتهم تأبى عليهم السجود لأحد! ولكن لو دققوا في حياتهم وتفاصيلها، لأدركوا كذب زعمهم، فهم في واقع الأمر عبيد لأسرهم، وهم عبيد لمدارسهم وجامعاتهم التي يدرسون فيها، وهم عبيد للشركات التي يعملون فيها، وهم عبيد للجيوش التي يخدمون فيها، دون أن يتجرأوا غالبًا على الغياب أو على عصيان الأوامر والتعليمات في تلك المؤسسات. ناهيك عن عبوديتهم لمطامحهم ولأهوائهم ونزواتهم وشهواتهم التي يوسوس لهم بها شياطين الجن والإنس. ولا أدري حقيقة لماذا يبدو الإنسان غالبًا كالأرنب أمام كثير من الهيئات التي تتحكم بحياته، التي يديرها بشر ضعفاء مثله، بينما يحاول أن يتعنتر ويظهر كالأسد عندما يتعلق الأمر بالله!

إن الملحد، وبخاصة إذا كان من حملة الشهادات العلمية، واسألوا مجربًا ولا تسألوا طبيبًا، ينظر إلى جموع المؤمنين باستخفاف واستعلاء، حتى لا أقول باحتقار، فهو يرى فيهم مجرد أناس جهلة لا علاقة لهم بالعلم أو بالعقل، بعد أن أغرقوا أنفسهم في أساطير الأولين وترهاتهم! ولكن إذا ما تعمقت في أفكار صاحبنا ومنطلقاته، لوجدتها تبحر بعيدًا بعيدًا في عالم الأساطير والخرافات!

وأرجو أن تشاهدوا هذا الفيديو، لأحد جهابذة الإلحاد المعاصرين، ريتشارد داوكنز، ودققوا في إجاباته، واحكموا بأنفسكم على نوعية العلم الذي ينطلق منه هو وأشياعه!

علاج الكبر ليس بالسهل، فتضخم الأنا هو من أبرز المشكلات التي نعاني منها نحن البشر، لكنه ليس بالمستحيل. وقد يكفي للإنسان أن يتذكر من أين جاء وكيف خلق وكيف يعيش وكيف سيموت وأين سيذهب حتى يدرك حجمه الحقيقي. فقد تشكل ابن آدم من قطرات قذرة من المني خرجت من مجرى البول، وولد من فرج امرأة، وقضى شطر عمره في بيت الخلاء يتخلص من فضلاته، ولو لم يستحم لأيام فقط لتحول إلى جيفة تمشي على قدمين، وعندما يموت يدفن في الطين وتقتات عليه الحشرات! لقد خُلق الإنسان على ذلك النحو المقترن بالفضلات كدرس بليغ في التواضع للملحدين على وجه الخصوص، لتذكيرهم بأن التركيز على وجودهم المادي، وهم لا يؤمنون إلا بالمادة، لن يقودهم إلا إلى أن يصبحوا جزءًا لا يتجزأ من عالم الفضلات المادية التي تطوقهم أينما اتجهوا، ولتنبيههم بأن الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذهم من ذلك العالم المادي المنتن الفاني ويميزهم عنه هو التسامي بأرواحهم، ووصلها بالخالق الذي أوجدها ونفخ فيها من روحه وجعلها أهلًا للخلود.

ضعف الإيمان

بعض الناس يعبدون الله على حرف، أي يتصرفون فيما يتعلق بالإيمان والكفر وكأنهم يقفون على نقرة، وكأنهم يبحثون عن أدنى مبرر للتخلي عن إيمانهم. فإذا ما أصابت أحدهم مصيبة نسي أو تناسى أنه وجد في هذه الحياة كي يكون في حالة اختبار مستمر لإثبات صدق إيمانه وصبره وثقته بخالقه، وضرب بعرض الحائط قول الله: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون»، ودار يولول ويندب ويتهم الله بالظلم والقسوة!

ومن مظاهر ضعف الإيمان الذي قد يفضي إلى الإلحاد عدم التمييز بين الدين وسلوك متبعيه، فصحيح مثلًا أن فتاوى بعض «المشايخ» و«الدعاة» هي جرائم نكراء، لتعارضها مع الدين والعقل والذوق السليم. ولكن ما علاقة الإيمان بدين معين بأخطاء من يدعون اتباعه، حتى نسارع إلى الكفر به، وكأنه يمثل شيئًا واحدًا هو وبعض الجهلة المتخلفين الذين يحاولون الحديث باسمه وبالنيابة عنه! وما الرابط بين الإلحاد وبين السلوك الانتهازي المنحرف لبعض التيارات السياسية التي تستغل الدين! فالإنسان يفترض أن يعبد الله، لا أن يعبد الناس كالإمعة، حتى إذا ما زاغوا عن الحق قلدهم وكفر بربه من أجلهم أو بسببهم!

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: «وما كان الله ليضيع إيمانكم»، فمن المستبعد تمامًا أن يضيع الله جهود المخلصين في البحث عنه وإيجاده، فهو يهديهم ويمهد لهم السبل حتى يؤمنوا به، مكافأة لصدقهم وإخلاصهم وجهدهم الحثيث للعثور على الحق والحقيقة. أما من يضل فلا يلومن إلا نفسه، لإن المشكلة فيه حتمًا، فهو يعاني إما من الجهل أو من الكبر أو من التقليد الأعمى أو من الرغبة في التحلل الأخلاقي، لذلك لن يزيده بحثه وهو بتلك العقلية والنفسية إلا ضلالًا ونفورًا من الحق.

وأختم هذه المقالة بخبر مهم للملحدين المتشدقين بالعلم ومقولاته، يقول إن بحثًا قد أجري في جامعة أكسفورد، أفادت نتائجه بأن الأطفال يولدون وهم يؤمنون بالله بشكل فطري، قبل أن تؤثر في هذا المعتقد البيئة المحيطة، الأمر الذي ينسجم تمامًا مع ما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام القائل: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه…».

فهل يتخلى الملحد عن عناده ويستفيق من سباته وإصراره على الباطل قبل أن يصحو بعد فوات الأوان ليجد نفسه في هذا الوضع المهين الذي يتحدث عنه القرآن الكريم بقوله: «وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير. إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقـًا وهي تفور. تكاد تميّز من الغيظ، كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير. وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقـًا لأصحاب السعير»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد