هناك، أمام التلفاز، بدأت القصة. كنت فتى في الخامسة عشرة من العمر، وكما كنت مولعًا بالمذياع، كنت مولعًا أيضًا بمتابعة نشرات الأخبار على التلفاز. حتى جاء ذلك اليوم الذي كنت أتابع فيه نشرة للأخبار كعادتي على إحدى قنوات الأخبار، وكانت المذيعة تستقبل ضيفًا لا أتذكر من أية دولة عربية ولكنه يتكلم بعربية متلعثمة نوعًا ما، ممزوجة بالعامية، وكأن لسان حاله يقول، لو ينقلب هذا الحوار بالعامية لكان أحسن.

ربطت المذيعة الاتصال عبر الأقمار الصناعية بمحلل آخر، وما لبث بالكلام حتى انطلقت كلماته بلسان عربي فصيح ولغة عربية سليمة، في الحقيقة لم تستوقفني عربيته بقدر ما سرحت في ملامح وجهه التي لا تبدو عربية على الإطلاق، ولا غربية أيضًا. لقد كان اسمه اسمًا عبريًا.

هناك انهالت علي الأسئلة من كل حدب وصوب. أو يعقل هذا، يهودي يتكلم العربية أحسن من العرب أنفسهم؟

لم أنم على طبيعتي تلك الليلة، كيف لي أن أنام وسؤال واحد قد سرق مني نومي وراحتي، لماذا يتكلم هذا العبري لغتنا بطلاقة ونحن أصحاب اللغة نرتكب فضائح الأخطاء، فكيف بنا أن نتكلم لغته هو؟

هناك اتخذت قرارًا لا رجعة فيه، لماذا لا أتعلم العبرية أنا أيضًا؟

كنت آنذاك أترجى الوالد ليعطيني بعض الدريهمات لأذهب إلى مقهى الإنترنت الوحيد بالبلدة. كنت أصرف كل درهم يقع في يدي هناك. بدأت بالإبحار في أعماق ودروب الشبكة العنكبوتية والبحث عن كل ما له علاقة بلغة هذا العبري.

بدأت بأبجديتها، رغم أن شكل الحروف بدا في أول الأمر غريبًا، لكنني تعودت عليها مع مرور الوقت، لقد كانت أبجدية عربية خالصة، فقط مع تغييرات طفيفة في النطق ومخارج الحروف.

وكنت أطبع أوراق تلك الأبجديات من عند صاحب مقهى الإنترنت الذي كانت علامات الصدمة تبدو عليه وهو يرى صبيًا مراهقًا يطبع أشياء بعيدة عن سنه وغريبة. فلم يستطع التحكم في فضوله فسألني ذات مرة ما هذا؟ أهذه طلاسم أم ماذا! وكان يقف بجانبه شخص آخر، فقلت له «لا، إنها فقط أبجدية اللغة العبرية». وما أن نطقت بها حتى رمقني الشخص الواقف بنظرات ازدراء وتصغير وقال بلغة مفعمة بنبرة احتقار وتنقيص «هذا كل ما ينقصه، لغة اليهود!» وأسررتها في نفسي وقلت: «دعهم فمجتمعاتنا ما زالت لا تستطيع التفريق بين الدين والقوم واللغة».

لقد كان اهتمامي باللغة العبرية سببًا في فتح بوابة كبيرة أشبه ببوابة علي بابا. لقد فتح الباب أمامي على مصراعيه للتعرف على الثقافات الشرقية واللغات السامية، ومجموعة من الحضارات والأشياء التي لا نجدها في المقررات الدراسية.

درست تاريخ اللغة العبرية وكتابتها وتطورها عبر العصور. اكتشفت العديد من خبايا وغرائب وعجائب هذه اللغة. في الحقيقة لم أصدم، لا سيما عندما اكتشفت أن جزءًا كبيرًا من العبرية الحديثة مرتبط بالعربية أيضًا.

لقد كان اليهود في البلاد العربية يساهمون في أدب اللغة العربية على مر التاريخ. لقد كانوا جزءًا من التراث العربي والإسلامي. ولهذا نجد أن تأثير اللغة العربية على اللغة العبرية أقوى من تأثير أية لغة أخرى. فمتعلم اللغة العبرية تبدو له العبرية عربية لكن مع إبدال السين شينًا أحيانًا والعكس أحيانًا أخرى، وكذا قلب الكاف خاء والعكس كذلك.

لقد اهتم اليهود ببناء لغتهم وتطويرها وأولوا ذلك اهتمامًا كبيرًا. فبعد أن اندثرت وكادت أن تموت، أعاد اليهود تطويرها من لغة عبرية قديمة لا نجدها إلا في الكتابات الدينية والنصوص المقدسة، إلى عبرية حديثة تتماشى مع العصر الحديث ومنفتحة على اللغات الشرقية والغربية.

لندع الدين والأيديولوجيات بعيدًا ولنتكلم الآن بصراحة، اليهود طوروا لغتهم، لكن ماذا فعل العرب؟

إنه من المؤسف حقًا أن نطرح هذا السؤال ومن المؤسف أكثر أن نجيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك