عَرَض علي سائحٌ ياباني 100 دولار مقابل لوحتي البسيطة. كنت طالبة فنون جميلة أُؤدي المطلوب مني، أرسم وأستكشف العالم بقلمي الرصاص مبدئيًا، حتى تدخلت الألوان فأبهرتني، واختفى سحر الأسود من حياتي، مع ذلك، لم أفهم لماذا يعرض شخص ما هذا المبلغ من أجل لوحة إسكتشية لم تستغرق أكثر من خمس عشرة دقيقة!

 

كنت كما كل يوم أذهب للمتحف المصري، ولمدة تقارب الشهر؛ لكي أنهي مشروع الرسم الخاص بي، وأنتظر الدرجات عليه وتعليق الأساتذة. كنا ننتشر كما الحَمَام في السماء، كل قاعة فيها طالب أو أكثر، كنا في أول سنة وكان عدد الدفعة كبيرًا، لذلك انتشرت في كل مكان، كل قاعة وكل دور.

 

يومها، وقعت في غرام التماثيل التي داومت على رؤيتها كل يوم حتى شعرت وكأن لها رسالة خاصة لن يعرفها إلا من يُطيل النظر ويُصغي السمع، حتى جاء يوم دخلت فيه الدور الخاص بتوت غنخ آمون، هذا الملك الشاب الذي ما زال يُحيّر العلماء في كيفيه موته! والغموض الذي حدث بعد أن فُتحت مقبرته. كان الدور مليئًا بمحتوياته عن آخره، وكأنه متحف منفصل، عرشه، سريره، صنادله الذهبية، تماثيل صغيرة له.

 

يُعتبر واحدًا من الملوك النادر وجود كل محتويات مقبرته سليمة، حتى القاعة الخاصة به يتوسطها قناعه الذهبي، الذي بهرني تفاصيله، ووقفت أمامه مُتسمرة ولم أجد حجة أفضل من أن أرسمه لأحتفظ بوجودي جواره أطول وقت ممكن، لأن الأمن لا يسمح لأي سائح بأن يقف أمامه مدة طويلة، كذلك استعمال الفلاش أو التصوير عامة. وقتها، وبعد أن انتهيت من اللوحة عَرَض عليّ هذا السائح الهائم 100 دولار.

 

أتذكر أنني رفضت. كنت متمسكة بنتاج وقوفي وانبهاري بالقناع الذي شعرت وكأنه مفتاح للغز كبير، فقط يحتاج الأمر بحثًا جيدًا. كان هذا منذ ثماني سنوات.

 

توت 1

 

مَرّت هذه الأيام والسنوات وعملت مصورة صحفية، ودخلت المتحف مرات كثيرة بعدها، أحبه وأشعر بالحنين له كما أشعر بالحنين لنهر النيل، لكن لم يُسمح لي بالتصوير داخله ولا مرة، حتى قرأت ما حدث للقناع، وشعرت بأن جُزءًا مني أُهين، وعرفت أن وزير الآثار سيُقيم مؤتمرًا صحفيًا في المتحف، فذهبت بنيّة الاطمئنان على قناعي العزيز، وأنا متأكدة أن المُؤتمر لن يكون مُختلفًا عما شاهدته في هرم سقارة، حيث أدخلوا الصحفيين داخل الهرم باستخدام سقالة حمراء لا توجد عليها ذرة تراب، وأخبرنا –كالعادة- أن “كله تمام”، لذلك توقعت أن رسالة هذا المؤتمر ستكون كسابقه “كله تمام”.

 

وقد كان. لذلك انتظرت حتى أذهب للتمثال وأرى بعيني، وأٌقارن رسمتي القديمة بما هو واقع، وبالفعل، بعد أن انتهى المؤتمر الذي كان مليئًا بالكاميرات والوكالات العالمية، وتحدث فيه خبير ترميم ألماني -أحضروه ليثني على مجهوداتهم وينكر فعلتهم- دخلنا المتحف، وحاول الأمن منع التصوير في قاعاته، مشيرين إلى خريطة مرسومة أمامنا لا توصل إلا لقاعة توت، حتى وصلنا غرفة بها إضاءة خافتة يتصارُع فيها الصحفيون على القفص الزجاجي الصغير بمحتواه الثمين، فكل مُصوّر يبحث عن الصورة التي تُخبر العالم “هل حدث؟ هل تم ترميم ذقن توت بطريقة خاطئة؟ أم أنها مجرد شائعات”.

 

توت 2

حاولت أن أخرج بصورتي، بعد لحظات من الدهشة وسط حشود لم أرها في سنوات دراستي، متساءلة: “هل يجب لآثارنا أن تُشوّه لكي نذهب بأعداد كبيرة؟! ولماذا لا نعرف قيمة ما نملكه إلا إذا فقدناه؟!”.

 

الآن، يمكنك بعينك المُجردة أن ترى شيئًا ما غريبًا في توت عنخ آمون، الذقن تبدو وكأنها مائلة قليلاً لليمين، وهناك كشط في الحد الفاصل بين الذقن المُركبة ووجهه، هذا شيء لا تُخطئه العين حتى وإن كانت علاقتك الوحيدة بالقناع من الصور، فما بالك لو كانت علاقة عشق دامت سنوات!

 

هذا ليس القناع الذي رسمته منذ ثماني سنوات، كان هناك شيءٌ غريب. لماذا لا يُمكننا الاعتراف بالخطأ؟ لماذا لا يخبرنا الخبير والمسؤول أنهم سيفعلون ما بوسعهم لإصلاحه!

 

خرجت من المتحف فرحة بفرصة نادرة لتصوير القناع العزيز على قلبي، لكن حزينة لما حدث له، حتى قابلت مصوّرًا صديقًا أخبرني أن هناك فتاة ماتت في طلعت حرب اليوم، فعرفت أننا نعيش في بلد قاتلة، لا تُفرّق بين ماضيها وحاضرها، حيًا كان أو ميتًا.

لعنة الفراعنة تُرافقنا ولكنها ليست كأساطيرنا؛ لعنة الفراعنة هي أن تعيش وتموت في بلدك بلا ثمن، بلا قيمة.

 

توت 3

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الصور بالمقال تصوير الكاتبه والمصورة هبة الخولي
عرض التعليقات
تحميل المزيد