بهاء الدين يوسف 64
بهاء الدين يوسفحجازي 64

1 )

استجابة إلى القول السائد والمأخوذ من القرآن الكريم أن الله يعد الإنسان الغنى والثراء والجنة، والشيطان يعده الفقر والذل والمهانة والنار، ادعو الله تعالى أن أكون كذوبًا، عوضًا عن أن أكون صادقًا ومُصدقًا لديكم حينما أروي تلك القصص التي أحسبها عبرت على حيوات العديد من بيننا، وباتت فجأة ظواهر عادية للحياة المصرية، وجزءً من الثقافة المصرية التي صنعها زمان حُسني مبارك وأعوانه الكرام.

أشهد بأنني رأيتُ الذين استثمروا والذين استكشفوا البلاد، ناهيك عن أنني كُنت من الذين استكشفوا ولا أزال من بينهم، والذين يحاولون استثمارًا ثقيلًا لا يأتي إلى مُريديه، وهذا المقال يشكل شهادة ما بين ما جربته شخصيًا، أو ما سمعت عنه، أو الذي يدور في حياتنا العادية كمصريين، ذلك لأن الاستثمار صار مطلبًا إعلاميًا، وحرصتُ على أن اكون عونًا للإعلام في الدعاء إليه حتى وإن كان من باب السخرية.

2)

في مطلع عام 2013 حتى نهاية 2016 كُنت على مقربة من سبعة شُبان يقومون بصناعة مساحة للعمل – Working space – في ميدان الجيزة، بدون وصف صلة القرابة بيني وبين أحدهم، وبدون التدقيق في تفاصيل لا أعتقد أنها ستكون مهمة، ولكنني سأشرح بعض التفاصيل التي يتوجب عليّ ذكرها من أجل توضيح كيف أفلس هولاء السبعة فجأة.

في البداية قام صاحب العقار بتجهيز عقد إيجار رسمي لمُدة 20 سنة تشجيعًا له لفكرة هؤلاء الشباب كان بمبلغ ألفي جنيه قابلة للزيادة بنسبة 5% كل عام، بدايةً من العام السادس، أي أن بعد خمس سنوات سيصبح ذاك الإيجار 2100 جنيه، كانت الكهرباء منقولة سابقًا إلى النوع التجاري، والنوع التجاري بالمناسبة هو عداد كهرباء لا يحمل دعمًا من الدولة أو يحمل بعض الدعم، لا أتذكر الفرق حقيقةً، وأنصح القارئ في مراجعة هذا الأمر، ولكن على أية حال لم تكن المرافق رخيصة.

نظرًا للظروف التي تمر بها البلاد بسبب قراراتها السياسية في عام 2013 المجيد، لم يكن هناك نشاط جامعي حقيقي طوال تلك السنوات التي كان ينزف فيها هؤلاء السبعة أموالهم، بالرغم من أن طوال الثلاث سنوات كان الإيجار مدفوعًا لم يتأخر، ووفقًا للسياسة التي كانت بينهم، كان الإيجار مجموعًا أول كل عام، ويدفع مقدمًا لـ12 شهرًا كاملًا، ولكن ما حدث فيما بعد كان رأي صاحب العقار نفسه.

رأى صاحب العقار أن ليس هناك فائدة من أن يضع تشجيعه لهؤلاء الشباب الذين لم يقدموا في نظره أي نجاح، حتى وإن كانت الدولة مشغولة باعتقال الشباب بالأخص عوضًا عن تقديم مناخ جيد لهم من أجل الانتباه إلى الدراسة أو استغلال مُعدات تلك المساحة التي صنعها السبعة الذين أروي قصتهم، فطلب منهم بعد العام الأول بزيادة مالية عن طريق استخدام سعر الدولار كسبب من أسباب الزيادة، ومن ثم في العام الأخير طلب منهم الرحيل بشكل نهائي حتى لا يجلب البلطجية لأن أحد محلات الملابس الشهيرة الذي لن أذكر اسمه لأخلاقيات الكتابة يريد أن يشتري الطابق الأرضي بالكامل.

بعيدًا عن المجتمع المدني الذي لا يساعد على الاستثمار، رأيت الدولة منذ عام 2013 من الإرهاب فرصة لحظر العديد من الإلكترونيات في مصر، حتى أصبح من الصعب على هؤلاء الشباب جلب أي معدات أو إلكترونيات من أجل إقامة أي نشاط يقدم لهم أية فرصة للمستقبل، كانت دورات التنمية البشرية التي كانت تقدم في تلك المساحة، بعض النشاطات الطلابية وغيرها من الاجتماعات، مشاريع تخرج خفيفة، هي مصدر عيشهم، حتى تقلص عدد الموظفين من 50 موظف إلى ثلاثة موظفين من بين الثلاثة كان اثنان من شركاء المكان لأنهم لا يمكن دفع مرتب أحد غير السكرتيرة التي كانت تستطيع أن تأتي باكرًا لفتح ذاك المشروع.

أغلق السبعة الذين أروي قصتهم ذات المكان حينما قررت الضرائب أن تعاين المشروع وأرباحه وإلى آخره، وطلبوا في النهاية مبلغًا لم يصل إليه السبعة طوال السبع سنوات، وقرروا إغلاق المكان نظرًا أن الجميع يطالبهم بأموال لم يصلوا له بعد، وهذه إحدى شهاداتي على الاستثمار.

3)

شهادة أخرى على الاستثمار بدأت حينما دخلت في المرحلة الثانوية، للذي لا يعلم عني شيئًا أنا أدرس هندسة الحاسبات والإلكترونيات في جامعة النيل المصرية، أي أنني في الثانوية العامة كُنت ملتحقًا بشُعبة علمي رياضة، كان العديد من الأقارب وأصدقاء العائلة ينصحوني بشكل مستمر في دخول الشعبة الأخرى علمي علوم، نظرًا للمزايا التي بها، وكانت الاقتراحات الاستثمارية كالآتي:

إذا حصلتُ على فرصة دخول صيدلة، سواء بالمجان في أحد الجامعات الحكومية أو بالنفقات عن طريق الجامعات الخاصة يمكنني استخدام تلك الوسيلة في إقامة صيدليتين أو أكثر، نظرًا لأنني يمكنني إعطاء رخصة صيدلية مقابل المال لأحدهم، وفتح أخرى لي، وإقامة العديد من الفروع؛ مما يدفعني للجلوس في منزلي، وعد الأموال مقابل مرض العديد من الناس أو احتياج العديد من الأطفال إلى الحفاضات.

إذا حصلتُ على فرصة دخول علاج طبيعي أو طب بيطري، يمكنني استغلال ذلك بإقامة أحد تلك المعاهد أو العيادات في العديد من المناطق بمختلف الأسعار، الأسعار الرخيصة تقوم باستقطاب سائقي التاكسي والمقروباص والسيدات الكبيرات في السن، والذين يشتركون في أمراض خشونة العظام وآلام العمود الفقري، أما المناطق التي تتمتع بالرفاهية، ويودون المساج التركي والصيني والإسباني تكون لهم الأسعار المرتفعة بالطبع، وفي النهاية سأجلس بذات المرتب لأجني المال، أما احتمالية الطب البطري سيكون الفائدة هو أن أستفيد من المزارع الخاصة بالمواشي والأبقار، وإقامة بعض العيادات في مناطق تمتع بالرفاهية من أجل ولادة الكلب والقطة وغيرهما من الحيوانات الأليفة مقابل آلاف الجنيهات.

في أسوأ الأحوال ظنوا جميعًا أنني من الممكن أن أصبح ممرضًا، والممرض إذا قسم وقته جيدًا فيمكنه أن يجمع في الشهر الواحد ما يقارب إلى 10 آلاف جنيه وفقًا لكلام هؤلاء، واعتذر لجميع الممرضين والممرضات عن هذه المبالغ التي لا أعلم صحتها، لكنهم قالوا لي عن عدد العيادات والمستشفات التي يتوجب عليّ الذهاب إليها من أجل تأمين مستقبلي المهني، ناهيك عن مشروع المعامل الذي سيصنعه خريج علوم أو مشروع عيادات الأسنان الذي يصنعها طبيب الأسنان، ولكن هؤلاء جميعًا اتهموني في النهاية أنني ولد خائب؛ لأنني باختصار قلتُ لهم: أريد أن أدرس البرمجة.

4)

علينا التفكير لماذا لن يستثمر أحد؛ لأننا بكل صراحة نحتاج إلى المال بشدة، ولا أخجل من قول حقيقة أن الجيل الذي يشكل آباءنا هو جيل مهمل وغير واع، ويعاني مراهقةً مبالغًا فيها، حيث يحمل جيلي بالكامل مسئولية الإنفاق على نفسه، بينما هؤلاء لم يحملوا مسئولية أن ينجبوا أبناءهم وفقًا لقدرتهم المالية، باختصار شديد كان الإنفاق على الواقي الذكري أقل تكلفة من الإنفاق على الأبناء، لماذا ينجبون أبناءً لا يستطيعون الإنفاق عليهم؟

جيلي لا يستطيع الاستثمار في المطلق، ويبحث عن الربح السريع؛ لأنه لديه الحق في الحياة، والتي لن يكفلها ذاك الأب الذي اتفق بكل أريحية أنه منذ أن يبلغ ابنه الحلم لن ينفق عليه قرشًا، وفي بعض الأحيان لن ينفق على ابنته، ونجد الكثير من الآباء في هذا الزمن لا ينفقون حتى على الزوجة بالمناسبة، كيف يمكننا الاستثمار إذًا، ويتوجب علينا أن نجد بأبسط تعبير (تمن سندوتش طعمية؟).

لذلك تجد التسويق الشبكي والمضاربة بالعملات والتداول والكول سنتر ملاجئ الطلاب، الدراسة الاجتماعية ليست سهلة، وليست إنسانية على الإطلاق، لا يمكن لأحد أن يكمل تعليمه الجامعي بجانب قضاء وظيفة ما، إلا في (مسلسلات زمان) لأن العلم وقتها لم يتطور، ولم ينتشر لدرجة أن يهتم بتوضيح صعوبته المخرج أو السيناريست، ولذلك إن وجدت في جيلي من لديه وظيفة جيدة، فهو الذي ليس لديه مسيرة دراسية جيدة، أما الذي لديه مسيرة دراسية جيدة في الأغلب لا يمتلك وظيفة على الإطلاق.

التسويق الشبكي والمضاربة بالعملات والتداول كانا المثالين الأكثر رواجًا بين الناس من أجل الربح السريع غير المستمر؛ لأنك من الصعب أن تجد أحدهم معمرًا في كيونت أو غيرها، لكنهم يحاولون باستمرار أن يجمعوا قدرًا جيدًا من المال من أجل كفالة أنفسهم، في ظل أن آباءهم قد وصلوا بالفعل إلى الراتب الجيد الذي يمكنهم به سد حاجة أبنائهم.

أما شركات الكول سنتر يا عزيزي، فيكفيني أن أقول لك إن لحظة كتابتي هذا النص لدي فيها 20 مثالًا، أول مثال أن لي صديقًا كان يعمل في مؤسسة خيرية ما، وتلك المؤسسة كان يقوم فيها بالاتصال على الناس عبر سجلات عشوائية بها الاسم ملحق برقم الهاتف فقط من أجل الاقتراح عليهم بالتبرع لصديقي منذ 2 أغسطس (آب)، وأرباح تقريبًا لن يحصل عليها إلا في نهاية هذا الشهر، نظرًا إلى أن المؤسسة ترى ذلك عدلًا لأنه تركهم.

ثلاثة آخرون كانوا يوم 27 من شهر يوليو (تموز) تم تثبيتهم في الشركة التي قامت بإغلاق نفسها يوم 28 من يوليو، تبقى لدنيا 14، من بينهم حمسة كانوا يعملون في إحدى شركات الاتصالات، والتي وقعت معهم عقدًا مدته ستة أشهر، وفي الشهر الخامس قبل توزيع الأرباح، استكشف موظف (الإتش آر إن) هؤلاء الخمسة طلاب، وقام بطردهم قبل حساب تلك الأرباح، ستة من الأ11 الآخريين كانوا يعملون في أحد المطاعم الذي كان يمنع الشراء من أي مطعم آخر، ولا يضع تخفيضًا للطعام الذي يصنعه المطعم نفسه للعاملين فيه، ويراقب المطبخ والمخزن حتى لا يتثنى لأحدهم أن يأكل دون أن يدفع ثمن الطعام شاملًا الضريبة، وبالمناسبة هو أحد أشهر سلاسل المطاعم في مصر، والأدهى أن الراتب لا يسع إلا ثلاث وجبات فقط. أما الخمسة الآخرون يعملون في الـ(هوت لاين) لبعض المحلات الكبرى منذ سنوات، وهم في الحقيقة لا يمتلكون عقودًا أو مرتبات ثابتة.

من أتحدث عنهم يا أعزائي ليسوا كبارًا من حيث الفئة العمرية، هم فقط لديهم ما بين 14 عامًا حتى 19 عامًا، ضحايا آباء مراهقين، لم يشتروا واقيًا ذكريًا أو شرائط منع الحمل، وأقولها صراحةً، إن لم تنو أن تنفق على أبنائك حتى يحصلوا على وظيفة حقيقية، لا تطلب منهم أن يحترموك في أي يوم، ما هو معنى الأبوة، إن لم يكن الأب مصدرًا للأمان المعيشي وحفظ كرامة أبنائه؟

5)

دعوني أحدثكم عن أشرف، أشرف ليس مميزًا على الإطلاق في أي شيء، هو بواب عمارتي، والذي إن قرأت عليه هذا المقال فلن يهتم به في المطلق، أشرف يعمل في المنطقة التي أسكن فيها حينما كان لديه 15 عامًا ترك مدرسته باحثًا عن الرزق حتى يدفع الجوع عن أمه، هل فكر فيه أبوه؟ ليس لأن أباه اختار الجلوس في البيت نظرًا لأنه عمل لعمر طويل، ويكفيه كل هذا، كهربائي في الأساس كان أشرف، أما مسألة اختيار مهنة البواب بحثًا عن سكن مجاني في فترة وجوده في منطقتي، ثم لإضافة بعض الأموال إلى جعبته.

في ظل الـ17 عامًا التي عاشها ذاك الشاب يعمل من أجل تلك الأسرة، يجلب أموال الدروس الخصوصية وأموال جهاز إخوته البنات وأموال الطعام والشراب، وزيجة أبيه الأخرى بالمناسبة، وحضوره بنفسه في تلك الزيجة التي سبقت زيجته لأنه لم يكن يمتلك القدرة على الزواج، بينما أبوه يستطيع الزواج بماله، لماذا لن يفكر أشرف في أن يستثمر؟

بعيدًا عن أشرف، اعلم أن العديد من أبنائنًا في الثانوية العامة استطاعوا أن يحصلوا على منح نظرًا لتفوقهم الدراسي، ما رأيك أنني أعلم العديد ممن يحصلون في الشهر الواحد على ألفي جنيه، ويرسلون من بينها 1600 جنيه في ظل الظروف المعيشية في مصر إلى أهاليهم لأن الوالد قرر فجأة ألا ينفق قرشًا على أبنائه، يقومون بالعمل في ظل قدرتهم على الحياة بدونه، فقط لتقسيم الراتب الإضافي بين الأسرى وبينهم، حتى يصبح الدخل الذي ينفق به على نفسه 800 جنيه، والمبلغ الذي يصل إلى الأسرة ألفي جنيه كاملة، كل تلك المعاناة بجوار دراسة مثل الطب والهندسة مما تحمله من التعقيدات فقط لإرضاء ذاك الخنزير الجالس على أريكة منزله.

هذه أمثلتي وشهادتي عن الاستثمار، وما أديت إليه الاستكشافات، أقول صراحةً ان لا فائدة من الحياة في مصر، لا فائدة من استكمال تلك الحياة ها هنا، آباء مراهقون، وحكومة لا تبحث عن الحد الأقصى والأدنى في الرواتب، فساد إداري في شركات عديدة بها عمالة بلا عقود، وظروف اقتصادية سيئة، وقوانين فاشلة لا تدفع للمحاولة حتى، وآخر ما يعقد الأمور ها هنا هو عقلية شعب لا يدعم الأفكار الجديدة والتطوير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك