إتاوة وسُحت!

قد حل علينا مُنذ عقود مشهد فتول العضلات واكتظاظها بالجبروت مع قفزات الصدر المانعة لُكل قوات دفع تجاه معلم يُحتسب في عُرفه أن الأنفاس تأتي إليه من فوق ظهور الضعفاء. غير أن تلك العقود لم تُكن تمُر بتناس في قبور الذاكرة، فقد استدعت الدولة وانتدبت في ثوبها المدني هذا المُتريس على القوم بحجة أنه يحمي لهم أعراضهم بمنطق الفتوة، وحامي حمى الأنساب والأقرباء.

وكذلك الدولة بدأت تتسيد في مركزها الحيوي من خدمتها العامة، بفرض إتاوة عنوة على المواطنين، الذين هم في سباق مع الفقر والموت، بعد مسيرة من جُرحٍ طويل، أو مرض مُستطيل.

ففي مرفق النقل مثلًا، والذي يُعد تذكرة قطاراته أغلى تذاكر العالم وأكثرها تهميشًا من حيث الخِدمة – إن كنا نسطيع أن نُطلق عليها خِدمة- قد أجبرت الدولة عُملاءها على دفع إتاوة مقابل خدمتها غير المرئية من فجع خيال، أو ما يُطلق ضمن تطريز لوائِح تطبيق «غرامة» إن لم يستطِع العميل «قطع تذكرة» من المحطة، قبل اعتلاء قدميه حافة القطار، وهذه الغرامات أضعاف مُضاعفة لسعر التذكرة الذي يُفترض أن يقطعها الراكب قبل استدعائه لقطار الهلاك.

مما قد أشعل في نفوس مريضة محسوبة على المرفق، أكل سُحت المستهلكين، إن لم يكن قد حمل معه تذكرة لا عِلم له بقيمتها، بعد توقيعه ضمن اللوائح بتطبيق الغرامة الجُزافية.

فما كان من مواطِن منهمك في تفسير الأهوال الحاضرة والقادمة، أن ينسى قطع التذكرة ويلقي بجسده إن كان قد لقي مقعدًا فارغًا ينتظره بترحيب، على متن قطار يأتي بالقتل الفوري بعجالة وإلزام. حتى يأتي عليه «كمسري» قد حُددت مهنته بضيق نزع واستجلاب «لشخللة وهز الجيوب» لأخذ إتاوة من مُلتحق، «غرامة» عُكازية تمنح الدولة غسيلًا لأموال غير شرعية، بعد أكل السُحت من المواطنين، وبهذا لا يسع الراكِب إلا بالدعاء على ظالم قد أقهره بسياسات خارجة عن نمو حال دخله، فما كان من وزارة النقل إلا أن تتناقل دون حُسبان لتعقُل في فرض «غرامة» تزيد بأربعة أضعاف وأكثر من سِعر تذكرة معلوم رسومها.

وقد استغل هذا الاندفاع الزهاقي من قِبل الوزارة ولوائحها القهرية، بعضًا من أفراد التحصيل من العُملاء «الكمسرية» بإعلاء المشاحنات والإدانات للدفع والمناوبات في الألسنة، إن كان الأمر لم يصل للدفع بالأيادي والأرجُل لطرد العميل، الذي لبث في مقعد لا يحل له. وكُل ذلك لتحصيل محصول وجب أن يُجتبى ياستعلاء من مِنح الدولة تجاة المواطنين بما يتماشى مع خِدمة اللوائح وتطبيق القوانين.

وهذا الفُحش المتغالي من دولة لا ينطق لسان حالها إلا بتعظيم المواطِن بمدرج جميع خُطب عزيزي الرئيس، ومختلف منابِر وزرائه الأعزاء، بدأ يسري الفُحش على سبيل خدماتها من مواطِن محسوب عليها «كمسري» ضِد مواطِن آخر «الراكِب»، حتى رفعت الدولة يدها بعد أن تغول سُم لوائحها الجبرية واستُنفِذ التحري عن ترياق يرفعه!

فأصبحت تُطرق قِراع طبول الحرب بين المواطنين المسمومين في حلبة تُبث لمتفرج واحِد، هو الدولة، التي تحمِل تكليل بالضعفاء وتعظيم للقُرباء الذين استزهقوا كل روح لسبيل جريان لائحة أو قانون!

وما مِن خِدمة لدولة يُلقي لها نداء، من تحقيق حربٍ لها بانتماء. فقد ظهر وعبر مُشردون من سياسات، عن كِلفة توجهات، أن اقتلوا هذا وذاك، في ضوء قانون يستحل كُل انتهاك. فلا سمع لمواطِن ولا بقي له من بصر، لرياح مألوفة تأخُذهُم لكُل مُختصر، من مرضٍ وفقر، في روحٍ تُحتضر، اعقلوه في خِدمة بعد سجينة مِن حِصار، لضريبة تغلو من نعش موت وكفن يٌقتصر، على جسد قد آنفه حُزنٍ وبكاءٍ ينهمر، لإنعاشات من قبيل وسياسات بتعويل لوائح تُهتدر.

فأنا القانون ونسبه، في عُرف دولة تُعد حسبه، في سيادة دون تنظير، وخلاء من كُل تطهير، عن دفع من ذوي الضمير، يطعنون بكُل عتاد، لخلاص من عناد، في أكل كبرياء، ومال عام في ارتياء، على هوى رئيس ينتظره أعداء، عديمي الأصل، ومندفعون من قبيل جهات، فى إطار قانون حرمه أصحاب الذوات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد