إذن مكثت أسبوعًا في بنغلادش، خرجت منه بوثائقي، ولباس شعبي يدعى كورتا.

لا تجد عنوانًا لهذه البلاد إلا الصارخ من التناقضات، تعتمد الثقافة الأقصوية في كل شيء قاضية على أي منطقة وسط. تجد فيها مناطق بديعة خلابة في غاية الجمال لم تر مثلها عين، سجاد أخضر مفروش على مد البصر، وأشجار متنوعة الخضرة بتدرجاتها، وبالمقابل تجد نفسك في المدينة وكأنك تسير وسط حاوية كبيرة من القمامة. وتجد فيها تنوعًا فظيعًا من الفواكه الاستوائية نظرًا لطقسها، فعشرات الأنواع من المانجو، وشيء من البابايا وجوز الهند والكاتال والبطيخ، ولا تجد بالمقابل غذاء يخلو من الكاري أو التوابل الحارة.

تذهب لتشتري عصير ليمون باردًا في يوم حار فلا تجد، لأن ثقافتهم لا تستسيغ برودة العصير ربما، وتجد بالمقابل جميع فنادقها «الفايف ستارز» و«الهاف ستار» مكيفة. تبحث في الشارع عن سائق ليس كرضوان الذي صحبنا فلا تجد، زحام خانق وتجاوزات خطيرة وأبواق سيارات لا تنقطع، وإشارات مرور للزينة، ودوارات تدخلها من اليمين أو اليسار كما شئت، وتجد بالمقابل الإنترنت يغطي الدولة من أقصاها لأقصاها، في العاصمة والمدن الرئيسية والصغيرة وعلى الأطراف وفي القرى والمناطق الحدودية بسرعات تفوق دولًا عربية.

تجد شخصية كالدكتور أبو الرضا الندوي عضو البرلمان البنغالي الذي استقبلنا، وأحسن ضيافتنا، ودعانا لمنزله مرتين، وأخذنا في جولة سياحية في ربوع بنغلاديش، واستفاض في الحديث معنا أمام الكاميرا أو في الجلسات الخاصة، وتجد شخصية غريبة الأطوار كحاكم منطقة كوكس بازار الذي قطعنا لأجل زيارته خمس ساعات سفرًا بالبر فاستضافنا بخوف وتعجرف، وبدأ لقاءنا معه بأسئلة استخباراتية من قبيل: من أنتم؟ ولم جئتم؟ وكم ستقيمون؟ وأين ستقطنون؟ قبل أن يمنعنا من التصوير أو إجراء أي لقاء رغم ترتيب مسبق، مدعيًا أن اللقاء يستدعي إذنًا من الحكومة تارة، وأن عمل الخير لا ينبغي أن يظهر في لقاءات متلفزة تارة أخرى. كيف لا وهو يحكم بلدة تملؤها مخيمات اللاجئين الرهونجيين حيث تنتهي التناقضات ويتوقف الزمن، ويسود لون واحد.

لأجل هذه الزيارة المريبة وبسببها وافقنا على الذهاب مباشرة لزيارة منطقة اقترحها مساعده لبناء مسجد بعد أن علم بوجود أحد المرافقين ممن يعملون في العمل الخيري صرفًا لنظره عن فكرة عمل المرافق لجهة دون أخرى، رغم علمنا المسبق عدم صلاحية المكان لمسجد، ونية الحاكم الدخول كمقاول ووضع ما يتسنى له في جيبه. بسببها أيضًا، عدنا للفندق خائبين، قبل أن نستخرج أسخف ما حملنا في حقائبنا: شورتات وقبعات وقمصان زاهية نرتديها ونجول في المدينة كما يجول السياح، نركب التوكتوك والركشة، ونلتقط صورًا فيما نشرب جوز الهند صرفًا لأي أنظار تراقبنا فور أن خرجنا من مكتب الحاكم، ومنعًا لأي ضرر قد يمس المرافقين البنغال. وبسببها قمنا بتعديل خطتنا وعدنا أدراجنا خمس ساعات أخرى بعد أن كنا نوينا المبيت في كوكس بازار.

حين ذهبنا لزيارة مخيم كوتوفالانغ، وأثناء التنسيق للزيارة، رفض عمدة المخيم استقبالنا إلا بمبلغ من المال يضعه في جيبه، طلب مئة دولار تعطى له وفق شروط يضعها هو: تسلم له بعد الزيارة مباشرة، ويستلمها في منزله، دون تواجد أي من الزوار، وتتيح لنا التصوير داخل المخيم بكاميرا واحدة فقط دون استخدام أي نوع آخر من أنواع العدة، ويكون ذلك لنصف ساعة يقف خلالها بيننا وبين الحكومة مدافعًا وحائلًا في حال تعرضنا لأي خطر، أما ما قبلها وما بعدها فلا نعرفه ولا يعرفنا.

وحين نوينا الذهاب إلى تكناف، حيث الخط الحدودي مع أركان التي يفصل بينها وبين بنغلاديش نهر ناف، سبق ذلك ترتيب مطول، مكالمات ورسائل وتحذيرات من الذهاب دون أخذ ما يلزم من احتياطات، أو إصرارنا على خوض أي مغامرة غير محسوبة العواقب. فالزيارة تستلزم الخروج مباشرة بعد الفجر وقبل استيقاظ سكان المنطقة الذين يعملون كمخبرين، والوصول لا يعني المكوث أكثر من خمس دقائق، والتصوير بأكثر من كاميرا واحدة فقط غير مسموح، وحمل أي حقائب في السيارة تحوي أي شيء من مستلزمات التصوير غير مسموح، وحمل ذاكرة واحدة للكاميرا قد يسبب مشكلة، فكل ما في السيارة ومن فيها يتوقع تفتيشه، فحملنا ذاكرتين، واحدة احتياطية تحوي مناظر سياحية لدكا العاصمة وشيتاغونغ الجميلة، وأخرى نستبدلها فور وصولنا لأي نقطة تفتيش. أما جلوسنا في السيارة فيجب أن يكون في الخلف، مع ترك المقعد الأمامي للمرافق البنغالي الوحيد الذي تجمعه مع بعض المخبرين على نقاط التفتيش الخمسة علاقة جيدة صرفت أنظار بعضهم، وبقيت واحدة كان أفرادها يلهون مع بعضهم – صدفة– حين مرورنا. أذكر بعد كل ذلك كيف جاء أحدهم والتقط معنا صورة سيلفي أثناء تصوير الحدود دون مقدمات، وكيف أخذنا هاتفه وأجبرناه على مسح الصورة الفجائية غير المتوقعة.

أما حين زرنا صندناش حيث تجمّع اللاجئون الفارون حديثًا – فأقدمهم جاء منذ شهرين، وأحدثهم منذ أيام– فكان الترتيب أن تقوم برصد شيء من المرافق وأعمال الإغاثة نهارًا، ومن ثم ننتقل لعقد مقابلات مع اللاجئين وقاطني المنطقة فيما تبقى من وقت المساء، لكن فاتنا لما وصلنا أن الكهرباء لا تصل المنطقة، فما أن غابت الشمس حتى تحول كل شيء إلى سواد دامس، كُحل تام لا ترى منه يدك. ولولا ضوء سيارتنا التي أقلتنا خائبين لما رأينا بعضنا.

ولما عدنا لصندناش بعد أيام، كان من قدرنا وجود رياح عاصفة تحولت إلى أمطار لا موسمية، حولت المنطقة بالكامل لمستنقع طيني، وَحْل على مد البصر. المؤسف أن كان هناك اجتماع مع بعض أهالي التجمع لإغاثتهم بالقدر الممكن، لكن المطر أدى بهم إلى الهروب من ساحة الاجتماع والصعود إلى الجبال حيث يقطنون. فما كان منا إلا اللحاق بهم، وهناك وقعنا على وجوهنا في الطين، وسقطت منا أدواتنا، واستعنا بحبال وعصي وما تيسر للتغلب على أرض زلقة. وما كسر كل ذلك إلا ضحكات الأطفال علينا ونحن نصارع صعودًا وهبوطًا.

لأجل كل ذلك، ولأجل ضحكات الصغار، كنا صناع أفلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد