رحلة غير التي اعتدناها دومًا، ليست تلك التي تنتمي إلى مسرات الحياة، حيث اللقاءات اليسيرة والرفقه المبهجة المليئة بالفرح والغناء وتبادل أطراف الحديث والضحكات، ولا شك التقاط الصور وجمعها لتوثيق الذكريات والاستمتاع بجمالها حين يروق لنا استعادة تلك اللحظات مرة أخرى، والعيش معها شيئًا من الوقت.

رحلتنا هذه لا تمتع بصور ولا أدنى رغبة في توثيق ذكرياتها، ولا أظن أننا سنتمنى استعادة لحظاتها يومًا، فهي مأساتنا التي نحيا، كل ما نأمله أن نتجاوزها ونتجاوز كل شيء يتعلق بها، ولو على سبيل الذكرى، فكل شيء يربطنا بها مؤلم للذاكرة.

رحلة لا ينقصها الجمع أيضًا، يجمعنا الطريق، فوجهتنا واحدة، ولكن لكل منا سماؤه، تجد الكل غارقًا في بحر صمته، بحر لجي يغشاه الظلام، ظلام الأفكار والأشواق، أفكار تكاد تطرح بعقولنا أرضًا، وأشواق تكاد تزهق أرواحنا. ولا تجد مأوي، فترتحل عنا، تحوم في الآفاق، كلٌ بأحلامه وتساؤلاته، تلف العالم بأسره علها تجد إجابة هنا أو هناك، تتخبط وتتوه ولا تجد جبلًا يعصمها، فالعالم مشبع بالقسوة، وتتبدد الآمال فتعود تصيب قلب كل منا بسهام خيبتها؛ فيعاود القلب أنينه.

نحاول الهروب منها قليلًا، نتأمل الطبيعه وجمالها. ربما تأخذنا من أنفسنا بعض الوقت، لعل قلوبنا تنهل منها ما ينير وحشتها، وتنسجم عقولنا معها فتتخلى قليلًا عن ظلام تلك الأفكار. نطمئن بطلعة النهار وجمال إشراقه، وما يبعثه من طمأنينة وسكينة، فهو ينبت بعض ورود الأمل في القلب؛ فيملؤه يقينًا، لابد من نهار لا محال مهما طال ظلام الليل.

وهذا شأن الطبيعة دومًا، تأخذك من بحر عذابك إلى أنهار عذوبتها وجمالها، فما أرحم بالقلب من الطبيعه!

يوقظنا شيء ما على حالنا، ويذكرنا بما نحن في طريقنا إليه، فيذبل ذاك الورد نوعًا ما.

نحاول الانسحاب مرة أخرى، فالتواجد دائمًا بين تلك الأفكار والأشواق قد يصيب بالانهيار، نعاود التأمل، نتذكر نور العالم بهم، كم كان جميلًا ومطمئنًا، أمنًا وأمانًا.

ثم نتأمله الآن، نتخيله بهم،، بوجودهم وخفة خُطاهم، بأصواتهم وضحكاتهم، بدفء ابتسامتهم واحتواء قلوبهم وسَكنهم، بقلوبنا بلا انتظار، وقد شُفَيت من أرق الحنين ورزقها الله لقاء أحبابها.

نبتهج ويزدهر الورد ثانيةً، ثم لا نلبث أن نعود إلى واقعنا بدونهم! ولا ندري إلى متى؟

ولا ندري كم سيصمد ورد الأمل في لقائهم بقلوبنا، قلوب تفقد تربتها وضوءها شيئًا فشيئًا تباعًا.

 

لكل الأحاديث التي ما كانت تروى إلا لهم، ولم يمنحنا العالم حينها حق لقائهم ومخاطبتهم. لكل المواقف التي افتقدنا فيها نُصحهم ودعمهم، ولم نسمع إلا صدى أصواتنا. لكل أحداث الحياة التي ماكانت لتمر إلا بهم، بسندهم بدعواتهم ولم تجدهم، فمررتها الحياة ولازالت عالقة بقلوبنا. لكل الدروب التي ما كنا لنقبل عليها إلا بنور رُشدهم وكلمهم الطيب، ولم نجد إلا ظلام الحياة في غيابهم. لكل أيام العمر التي ما كانت لتمضي إلا بهم، ولكنها مضت

لتلك الذاكرة التي تعيد علينا كل هذا وقسوته بدونهم!

نتحرر قليلًا من أفكارنا، قليلًا فقط، تلك الأفكار دومًا في الذاكرة تنشط بشدة خلال الرحلة لا تخمد، كأنها تؤنسنا ونستأنس بها، وتشعرك في ذلك بعمل عظيم، حيث تسرقك ساعات الانتظار الطويلة المريرة، ممزوجة بمشاعر اللهفة والحنين.. يودون عبور المكان والزمان؛ وقطع كل الأسوار والأسلاك وكل الساعات المتبقية المانعة للقاء.

 

غير أن الواقع هنا أدهى وأمر، صورته واضحة وجليّة، تقتحم القلب والعقل فتلغي وجود كل شيء عداها. فلا مجال حتى للتجول بخيالك وشعورك هنا أو هناك، كل ما عليك هو الانتظار بصبر مهما كانت مرارته، وربما تشعر بطاقتك اسُتنفدت تمامًا، وتود لو يعيدونك من حيث أتيت، ولكن الشوق يغلبك.

لكل مشهد في الرحلة كواليسه، وحيثياته وجديده، وجميعهم يرتبط بالسجان والمستجد من تعليماته، والكل قائم على مزاجه اليومي المتقلب! ولك من الانتظار ما هو مقدر لك، تنتظر بما يشاء الله، إلى أن يفتح الباب، باب الفرج أو قل باب الزيارة، فتغنم باللحظات المنتظرة؛ التي تنعم فيها بشرف رؤيتهم.

وما أجملهم؛ كالملائكة بوجوه ناضرة راضية مطمئنة، جباههم تنطق بالبطولة والصمود، ضحكاتهم تشرح الصدور وتملأ القلوب أملًا ويقينًا حتى سلام أيديهم يشد الآز ويخفف الحزن. فما أصبر تلك الأرواح بإيمانها، وما أقوى تلك القلوب بربها، وما أشرف تلك القضايا التي لم يتخل عنها أصحابها بعد كل هذا القهر والعذاب، وما أضعفنا!

ما قطعت له الأميال وانتظرت لأجله ساعات وراودتك بشأنه مئات الأفكار، ما هو إلا بضع الدقائق. هذا البضع من الزمن، نعلم حسبته بدقة، إلا أننا نعد له الكثير نحن وقلوبنا، فهو يعني لنا معنى الحياة.

وفي قيمته، يقول الأسير الفلسطيني وليد أبو دقة: لم أسأل من قبل، لم يكن يهمني الزمن وكم يمر منه بالمعنى الواسع لمفهوم الزمان بقدر ما كان يهمني كدقائق تمر بسرعة أثناء زيارة الأهل القصيرة التي لا تكفي لأن أطرح عليهم كل ما سجلته على كف يدي من ملاحظات ومهام، حيث يمنع منا استخدام القلم والورقة أثناء الزيارات، فتبقى الذاكرة وسيلتنا الوحيدة لنتذكر.

نحن وهم، ننتظر تلك الدقائق ونعد لها عدًا لا على قيمتها الزمنية، ولكن على كل الكلمات والأحداث والأشواق والكثير جدًا الذي لا اكتمال له إلا بهم وبنا في تلك الدقائق، وقد يعجزنا كل ما يملأ أفواهنا وقلوبنا لهم فتصيبنا لعنة الصمت ونهون على أنفسنا بأن الصمت أبلغ من الكلام كما يقولون! تأسرني لحظات اللقاء؛ فهي تنطق بالحب والصدق والجمال، لا أمل النظر إليهم خلالها، أحضانهم وكلماتهم، ضحكاتهم ولعبهم، دموعهم وشوقهم.

 

والأطفال وما أروع، وهم يسارعون الخطى، وآباؤهم ينتظرونهم ولهيب الشوق يأكل قلوبهم، يتبادلون الأحضان، يضحكون ويلعبون، يأكلون ويشربون، يتشاركون في الكثير بقدر استطاعتهم خلال الدقائق المعدودة المتاحة لهم، كأنهم يحاولون حضور جزء من الكل الذي يمر على أولادهم بدونهم، لعلهم يصلحون ما يفسده غيابهم في طفولة أبنائهم، وفي مراحل تكوينهم ونضجهم والتي لا تستوي إلا بوجود الأب، فهو مرآة ابنته وهو مصدر ثقتها بنفسها، وبه ترى عالم الرجال، وربما نظرتها لكل العالم حولها، وهو كالعمود الفقري لابنه، دائمًا في ظهره سندًا له ولأخطائه وهفواته، ممسكًا بيديه حتى بر الأمان في عالمه.

يمر كل هذا بدون وجود آبائهم، بدون ذكريات وصور وتوثيق لكل اللحظات ومراحل النمو والتغير في أعمارهم وأشكالهم، والاحتفال بكل إنجاز في حياتهم، ويقع عبء هذه المهام على تلك الدقائق المعدودة المشتتة بين الضوضاء وغيره، وربما بعض الرسائل المكتوبة المتبادلة بينهم إن سُمَح لها بالدخول!  

فلا عجب إن صارت تلك الرحلة بكل مآسيها أحب للطفل من كل الرحلات الأخرى التي يتحمس لها زملاؤه مهما كان مكانها السياحي.

والأمهات المكلومات وقد زادهم الحزن والتعب شيبة، لازلن يتفننّ في إعداد كل ما يحب أولادهن ويقطعن الأميال بلا حيلة ولا صحه فقد أخذ منهن الأسر أضعاف ما أخذ من أولادهن، ألا يكفي قهر قلوبهن وهن يُحَرمن من فلذات أكبادنهن وهن على قيد الحياة؟!

قلوب تنزف ألمًا في بعد أولادها، عقول سجينة معهم، يضيق سجنها مع كل يوم وعيد انتظرت حضرته، وحالت بينهم القضبان، فتزيد افتقادًا وأسى.

ومع كل ما تحمله تلك القلوب، فهي لا تعبأ بتعب أو جهد، صدق من قال: قلب الأم زهرة لا تذبل، لا شيء يهمها سوى الاطمئنان على ولدها، والتمتع بقربه ومحادثته وإطعامه بيدها، تتأمل كل حركاته وسكتاته علها تشفي قلبها إلى حين لقاء آخر.

ما بين التمتع بلحظات اللقاء المقدسة للجميع في المكان، والتألم لهم ولنا،، تشوب كل تلك المشاعر الصادقة والضحكات المبهجة صفاراتهم ليشيروا للجميع بالانتهاء، ها قد انتهت الدقائق المسموح لكم بها فغادروا بصمت، أشد ما تكرهه أذُننا تلك الصفارات، نلعن صفاراتهم وإشاراتهم بصمت أيضًا!

فلا الصراخ ولا الدموع ولا الأحضان ولا كل حروف اللغة، تكفينا وتكفي معتقلينا. إلا أننا قد نفوز من ملائكتنا ببعض الكلمات السريعة التي تمدنا بزاد قلوبنا، وتهد من نار الفراق إلى حين لقاء آخر. ولا عجب وهم المقيدون ونحن الأحرار، وهم العائدون إلى الأسر ونحن العائدون إلى الحياة بكل أشكالها، إن كلماتهم لقلوبنا كقطرات المطر لبعض النباتات

تمنحها الحياة، فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وتلك القلوب بالرغم من مآسياها لازالت بكل الخير لا تعرف إلا الحب والعطاء.

وعودًا آخر إلى الانتظار، فما أكثر الانتظار في تلك الرحلة ذهابًا وإيابًا، ننتظر في باحات السجن قبل عودتنا كأن السجان يُذيقنا بعضًا مما يراه أحبابنا، تمر الدقائق والساعات حتي نسأم عدها. خيالنا في رفقة الأحباب كأنه يسير معهم، يحاول جاهدًا تصور حالتهم كل لحظة؛ خطواتهم الثقيلة في ممرات السجن، كل شيء تخطه أرجلهم المتعبة، كل شيء تلمسه أيديهم وتحمله أجسادهم الشريفة، كل كلمة قد تهمهم بها ألسنتهم المقيدة، كل خاطرة تجول ببالهم ويرتلها قلبهم بالدعاء علها تتحقق يومًا ما، ما حال مسكنهم، زنازنهم بالأحرى، مشربهم ومأكلهم، نومهم ويقظتهم، كلامهم وصمتهم، أفكارهم وخيالهم، إلى أي مدى، يأسهم وأملهم، دعائهم في الليل، قرآنهم في الفجر، أذكارهم في الصباح والمساء، رفقتهم وحديثهم، حكاياتهم على الطعام وقبل النوم، نومهم وأحلامهم، وهي الشيء الوحيد الذي يمتلكونه بحق!

خيال يتساءل عن كل دقائق وساعات يومهم كيف تمر، وما حال قلوبهم في كل لحظاتها؟

من جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، قادر على أن يمررها بلطفه ورحمته، هكذا يجيب قلبي، ثم يمضي في رضًا واحتساب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد