في مساء الخميس الأخير من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الفائت خرجت من مدينة جغجغا حاضرة الصومال الغربي متوجها إلى دري داوا والتي تشتهر بالتنوع بكل أشكاله ومسمياته. الطريق إلى دري داوا يمر بين قرى ومزارع قات في الإقليم الأورومي، وإقليم هرري، ومدن كهرر الإسلامية، وبابل الأورومية. تسحرك الطبيعة الخلابة من جبال ووديان وسهول خضراء من بديع صنع الله.

بعد خمس ساعات من السفر المتواصل وصلنا بحمد الله إلى دري داوا بعد أن أسدل الليل ستاره وتتشحت المدينة بسواد الليل. وكان معنا في الرحلة أحد الإخوة من جغجغا والذي قال بالحرف الواحد سأستضيفكم الليلة في منزلنا، فاعتذرنا في البداية ولكن تحت إصراره لم يكن أمامنا إلا القبول. فذهبنا معه إلى منزلهم في حي ملكا جبدو مستقلين البجاج وهي وسيلة نقل شائعة في كل المدن الإثيوبية، وبعد وصولنا المنزل جرى استقبالنا بأحسن وجه وبتنا ليلتنا مطمئنين. وفي الصباح التالي تناولنا فطورًا شهيًّا أعد بطريقة خاصة ثم تجاذبنا أطراف الحديث مع سيد البيت، وهو شيخ مسن تظهر من ملامحه خبرات السنين. وفي العاشرة صباحًا ودعنا صديقنا بعد أن شكرناه بحسن استقباله وكرم ضيافته وتوجهنا إلى داخل المدينة حيث ذهبنا إلى مقر إقامتنا الرسمي وهو فندق مملوك لرجل أعمال صومالي من سكان المنطقة.

دري داوا مدينة إسلامية صومالية في الأصل، ولكن في الوقت الراهن أصبحت مدينة إثيوبية خالصة يتكلم سكانها بخمس لغات وينتمون إلى كافة الأعراق والقوميات الإثيوبية، ومن مختلف الثقافات والديانات.

تقع مدينة دري داوا في شرق إثيوبيا وتتمتع بحكم ذاتي ضمن النظام الفيدرالي، الذي يقيم البلاد إلى تسعة أقاليم وإدارتين، وهما العاصمة أديس أبابا ومدينة دري داوا.

دري داوا مدينة استثنائية في المنطقة فهي عاصمة التعايش والتسامح في إثيوبيا، الإسلام دين رئيسي في المدينة بجانب المسيحية الأرثوذكسية ولذلك يوجد فيها عشرات المساجد والعديد من الكنائس في كل أرجاء المدينة على حد سواء.

فهل يمكنك أن تتخيل مدينة أفريقية يسكنها شعوب متعددة ذات ثقافات ولغات مختلفة وكلهم مواطنون إثيوبيون ورغم هذا الاختلاف فإن الاندماج والتعايش بينهم عجيب، ويمارس الكل سياسة قائمة على القبول بالآخر والتعايش معه.

وتعد اللغة الأمهرية رابطًا قويًّا يجمع هذه الشعوب فهي لغة الدولة ولغة الدراسة الرسمية في المدارس الحكومية ويجيدها الأغلبية ويعرف الجميع أساسياتها.

أعراس في شارع الحب

من الأمور العجيبة واللافتة للنظر وجود شارع باسم شارع الحب في المدينة، يتحول إلى صالة أعراس ليلًا وتتوقف فيه حركة المرور احترامًا لقداسة الزواج ومناسبات الأزفة. يتحول هذا الشارع في الليالي إلى صفحة بهيجة، يتجمع عدد من العرسان مع معارفهم وأصدقائهم في أماكن متفرقة قريبة من بعضها في هذا الشارع ويلتقطون صورًا تذكارية في جو مليء بالمرح والسعادة.

في أحد الأيام كنت أعد أوراقًا نقدية من البر الإثيوبي وكان من بينها ورقة نقدية من فئة 500 شلن الصوماللاندي، وهو مبلغ زهيد للغاية فقال شاب إثيوبي ما هذا وأشار بيده نحو الفلوس؟ فأعطيته تلك الـ500  شلن وقلت له هذه نقود صوماللاند فاستغرب الاسم وذكرت له أنها نقود مدينة وجالي فعرف الاسم فأخبره شقيقي بأن هذه القطعة تساوى 300 بر إثيوبي كنوع من المزحة فقفز الشاب وصرخ باسم وجالي سعيدًا فرحًا وسط دهشتنا.

بعد أسبوع حافل بالاستجمام والمغامرات قررنا أنا وشقيقي الأصغر مصطفى، الذي كان معي طوال هذه الرحلة، الرجوع إلى جغجغا ومن هناك إلى هرجيسا، فودعنا المدينة بعد أن أخبرنا سائق باص النقل أننا سنسلك طريقًا مختلفًا لأن الطريق الرئيسي الذي يمر عبر هرر وبابل مغلق وغير آمن، نتيجة قطع الأورومو هذا الطريق بجانب إيقافهم تصدير القات إلى العديد من الأقاليم. سلكنا الطريق الجديد الذي يربط بين دري داوا وجيبوتي وانعطفنا إلى الشرق بعد ساعة ونصف إلى طريق ترابي غير مسفلت، فانقطع بنا الطريق في منطقة جبلية في إقليم ستي في المنطقة الصومالية الشاسعة، بعد أن تعطلت شاحنة نقل وتسببت بتوقف الحركة في هذا الطريق الوعر. وبعد خمس ساعات مكثنا هناك تمكنا من مواصلة الرحلة إلى جغجغا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد