أكتب هذه الكلمات وأنا أعيش داخل ذكرياتي الماضية، أكتبها وأنا بعيد عنها مجبرًا، بيني وبين مكان حدوثها آلاف الأميال، ولكنها داخل قلبي، كلمات أكتبها ويتحدث بها قلبي عن سنوات الجامعة التي دومًا لها بالغ الأثر في حياة كل الشباب، مرحلة تتشكل فيها كل القلوب على كل الأوضاع؛ فتنتهي يومًا إما بقلب نقي ازداد نقاءً، وإما قلب مظلم كان يومًا ما نقيًا، سنوات يموت معها القلب أو يحيا، يتعلم حقًا كيف يفرح ويحزن، وحتى على النقيض كيف يحسد ويكره، للعلم لست وحدي من يعيش ذلك الألم ومن يحن للماضي.

ولكني سأكتب عن ماضٍ أحسبه كان نقيًا، وحاول أن يعيش نقيًا. ذاك الماضي الذي لم ولن يشعر به أحد مثل أولئك الشباب التي كانت مصر أحب إليهم من أنفسهم، وكانوا شجعان أكثر من الشجاعة، وما زالوا حتى هذه اللحظة يعيشون على تلك الذكريات.

أتذكر أخي الذي احترق جسده في عربة الترحيلات، وقتل مخنوقًا بغاز سام، وصاحبي الذي كان معه في عربة الترحيلات قتلا سويًا دون مرعاة لحرمة إنسان داخل تلك العربة التي لا تتسع لأكثر من 10 أشخاص، ووضعوا فيها 45 شخصًا، أتذكرهما وكم جلسنا سويًا وكم كانت الضحكات والبسمات تتلاقى مع نغمات قلوبنا، وذاك الصديق في مجزرة الحرس الجمهوري عندما اخترقت الرصاصة جسده وخرجت منه ليذهب عند ربه، أتذكر كل ضحكة منه، أتذكر حبي له، تلك الأخوة بيننا التي أبكي حينما أتذكرها، وذاك الرفيق الذي ضُرب على رأسه داخل الرحم الجامعي، وظل يقبع في الغيبوبة شهرًا وقلبي غائب معه، ثم صعدت روحه الطاهرة إلى ربها، وما زال ضيق نفسي متعلقًا بروحه.

نعم سنواتي الجامعية هي روحي التائهة، على الرغم مما فيها من ألم وحزن، قد يقول قارئ لماذا تكتب فقط عن ذكرياتك ولحظاتك الأليمة والحزينة؛ لأن تلك السنوات كانت بدايتها مع انطلاق الثورة، وما زالت الثورة وأثرها يعتصر القلوب.

الحديث هنا حديث الروح والقلب اللذين أثخنا بالجراح من كل حدب وصوب، وهذا الحديث بالنسبة لي مبك أيما بكاء. غاب الأخ والصديق والرفيق والصاحب، وتركوا حقهم مرتبطًا بقلبي، وكل يوم يقول قلبي يا هذا! هل حصلت على حقهم ام سيظل الألم والحزن فقط؟

أعلم أنني يومًا ما سأقابلهم، وسيكون السؤال الأصعب: ماذا فعلت لنا؟ لست أعلم إلى متى تستمر تلك اللحظات! ولا الأيام، ولا السنوات! ولكن ما زالت تلك سنواتي الجامعية، روحي التائهة بين تلك الحياة المادية، تلك الحياة التي لا تعرف المشاعر، ولا تعلم عن معنى الحب شيئًا فقط، كل الناس تتكلم عن المال والجنس والسياسة.

تناسى الجميع أن الراحة بالقلوب، ولكنهم حطموا كل القلوب، وقطعوا كل الشرايين عن عمد حتى يحققوا غايتهم المادية، ولكنهم نسوا أن تلك القلوب تضخ الأمل ليتحرك في الروح لتحيا النفوس.

تدق القلوب بكاءً ودماؤها الدمع، لكني لن أستسلم، سأعيش ما بقي بأملي، وسأطلق لقلبي العنان، سيذهب حيثما يستمد طاقته عند رفيقي في بلاد ما وراء النهر، أو في الشرق الأدنى، أو حتى الأوسط، تتلاقى قلوبنا عند نقطة الذكرى، ثم تسموا بالحب تلك الحياة التي لا أعرف غيرها، ولا أريد أن أعرف غيرها.

يومًا ما سنكون أقوى، يومًا ما ستحكم قلوبنا العالم، وعندها تكون روحي عادت من التيه، ولكن حتى ذاك الحين فلن أقف مكتوف اليدين تجاه هذا الواقع المادي، ولن تفارق البسمة شفتي؛ لأن البسمة منبع كل أمل، فلو اتصلت البسمة بالقلب لما انهزم أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد