كثير منا يسمع كلمة «العلمانية»، سواء في الحوارات التليفزيونية، أو في الخطب والمواعظ، أو يقرأها بشكل عابر في مقال أو كتاب. ارتبطت كلمة العلمانية ـ في أذهان الغالبية العظمى من الشباب، ومن الكبار أيضًا – بأنها المعادل الموضوعي للإلحاد، وفي حقيقة الأمر يتضح ذلك من النقاشات العديدة بين الأصدقاء، وبعضهم البعض، وحتى بين بعض النخبة من السياسيين والمثقفين. نريد أن نلقي سويا الضوء على تعريف كلمة العلمانية، وتحديد مفهومها بدون مبالغة أو تقصير.

العلمانية لها تعريفان، أحدهما لغوي، وتتعدد الآراء في ذلك الأمر؛ حيث يرجع بعض اللغويون مصطلح العلمانية إلى أنه مشتق من العلم ـ بفتح العين ـ بمعنى العالم أو الدنيا، ويرجعه البعض الآخر إلى أنه المقابل والمضاد لكل ما هو ديني أو كهنوتي، ولأن تلك الكلمة هي إنجليزية الأصل وجب علي أن أبحث في أصلها الإنجليزي، فوجدت أنها تعني secularism وتعنى حرفيًا فى قاموس اللغة «الدنيوية» أو «المذهب الدنيوي».

هذا من وجهة نظر لغوية بحتة، أما المفهوم الأكاديمي الفلسفي للعلمانية، فهو إبعاد الدين عن الدولة، والتمسك بالمذهب الدنيوي في حكم كل شئون وأمور الحياة، ونحن هنا لا نتحدث عن دين بعينه؛ فالتوجه العلماني ـ بشكله العام المجرد ـ يسعى لتنحية أي دين ـ مهما كان اسمه، ومهما كانت مبادئه ـ ليصبح الحاكم الأول والأخير لتعاملات البشر ومصالحهم هي القوانين والدساتير الوضعية التي وضعها البشر لضبط وتنظيم كافة أمور دنياهم. 

ظهرت العلمانية فى أوروبا فى بداية القرن السابع عشر الميلادي، ومرت بمراحل عدة على مر السنين والعصور، فاتخذت مواضع الشدة والقوة في بعض مناطق أوروبا ي فترة من الزمن، ثم انتقلت لتحط بأثرها فى موضع آخر، تاركة وراءها فكرًا علمانيًا لا يندثر في موضعها الأول .

تباينت آراء الفلاسفة والمفكرين في المذهب العلماني، فمنهم من تبنى هذا المذهب، ودافع عنه بقوة، ومنهم من دحض هذا التوجه ونقده بشدة، وكل منهم في نقده تتضح خلفياته الفكرية والبيئية والظروف العامة التي أحاطت به؛ فقد يكون المذهب العلماني في مكان ما، وفي عصر ما، وفي توقيت ما من الزمان، مناسبًا لعصره، وقد يكون غير مناسب في مكان آخر، في زمن آخر، مع بيئة مختلفة.

فى حقيقة الأمر، إن المذهب العلماني ليس وليد اللحظة؛ فهو لم يظهر خلال عام أو عامين أو حتى عشرة أعوام، بل هو نتاج فكر وموروث ثقافي مرت به أوروبا خلال سنوات تاريخها الطويلة، والباحث في التاريخ الغربي سيجد أن النزعة العلمانية ثابتة ومتأصلة في نفس الإنسان الغربي منذ قديم الأزل؛ فعلى سبيل المثال: إن الباحث في الحضارة اليونانية القديمة سيجد الصراع الدائم المحتدم داخل النفس البشرية بين الإنسان والدين يظهر جليًا واضحًا في عدة مواضع، وخاصة الأساطير اليونانية القديمة، مثل: «الإلياذة، والأوديسة»، وغيرهما الكثير. 

تمر السنون وتدخل أوروبا مرحلة العصور الوسطى؛ فيحتدم الصراع بين طبقات الشعب، وخاصة الفقيرة، والمعدمة منها من ناحية، وبين الكنيسة، متمثلة في رجال الدين والكهنة من ناحية أخرى، نشأ ذلك الصراع من سيطرة رجال الدين والكهنة على الفكر والعقل والقلب، وكبح جماح التفكير والبحث، والتحدث باسم الله، وجعل رجال الدين من أنفسهم وسطاء بين الشعب وربه، وانتشرت محاكم التفتيش وصكوك الغفران، وحرفت المسيحية.

كل تلك العوامل وغيرها أدت إلى ميل النفس البشرية الغربية في ذلك الوقت إلى المذهب العلماني، والذي قوى ذلك الميل ودعمه كان النزعة العلمانية المتأصلة بداخله، والتي ما إن وجدت الظروف سانحة حتى انطلقت ثائرة على كل ما يعيق التعايش السلمي، وكل ما يحجر على سلطة العقل، والفكر؛ ليجعل منها عبدًا خاضعًا لأمر سيده.

يسألني العديد من أصدقائي: هل تتوقع ظهور العلمانية في الدول العربية بشكل عام، وفي مصر بشكل خاص؟ تنقسم إجابتى على هذا السؤال إلى قسمين: قسم تاريخي متعلق بالحضارات الشرقية القديمة التي ارتبطت بشكل وثيق بالديانات السماوية التي كانت الأراضي العربية مهد ظهور وبداية انتشارها، وغير السماوية أيضًا، ولكنها تظل مناهج أيضًا تحث على أشياء وتنهى عن أشياء، والقسم الثانى من الإجابة فمتعلق بالوضع الحالي، وما جد ببلادنا من أحداث غيرت وجه البلاد والفكر السائد وأثرت فى نفسية الأمة بشكل عام.

توجد عدة أسباب من وجهة نظري أدت إلى عدم تمكن العلمانية من الانتقال إلى الشرق وإحداث ما أحدثته في أوروبا والدول الغربية بشكل عام – وأنا هنا لست بصدد الحكم على أحد؛ فكل إنسان له تجربته الخاصة والعامة تحكم ما تؤول إليه أمور حياته، ومجريات الأمور لا يتم الحكم عليها بالنظر، بل يجب أن تعيشها؛ حتى تحكم حكمًا خالصًا عادلً.

من تلك الأسباب هو الحجر على القلوب، والذى يتضح من خلال قراءة تاريخ «صكوك الغفران» التي انتشرت بشكل واسع في أوروبا في العصور الوسطى فمن له الحق أن يحكم عليك بالإيمان من عدمه؟ وكيف له السبيل إلى ذلك؟

فالبنظر إلى التاريخ الإسلامى – وأنا هنا لست بصدد المقارنة، ولكنى أفند أسباب عدم نجاح العلمانية فى الشرق – سيجد أن الخلفاء المسلمين لم يصدروا مرسومًا يتيح للشخص دخول الجنة أو إثباتا لإيمانه فيما عرف بصك الغفران. كما أن الخلفاء لم يختصوا بالفتاوى الدينية، بل تركوا ذلك لعلماء الدين، ولم يتحالفوا مع الظالمين ضد الشعب مثلما حدث في أوروبا. أيضًا من أسباب نشأة العلمانية في أوروبا، وفي نفس الوقت عدم قدرتها على الانتقال إلى الشرق هو النزعات للفتنة والحروب الدموية التى أثارها في بادئ الأمر رجال الدين والكهنة، مثل الحروب الأكثر دموية على مر التاريخ، وهى الحروب بين «الكاثوليك والبروتستانت»، لم نجد فى الشرق، وخاصة في التاريخ الإسلامى مثل تلك النزاعات، وبالتالي لم نكن فى حاجة للنفور من/ ونبذ «رجال الدين»، طبيعة الصراعات التى دارت في الحضارات الشرقية على اختلافها لم تكن صراعات أشعل فتيلها بواسطة رجل دين! 

طبيعة المجتمع الشرقي ـ بشكل عام ـ تميل إلى التمسك بالعادات والتقاليد، وأصبحت الديانات على اختلافها جزء أصيلًا من نسيج الأمم الشرقية، ومنبعًا للفكر والعقيدة والسلوك والتصرف، وبالتالى فإن نبذ الديانات والتمسك بالقانون الوضعي لهو أمر غريب وشاذ على مجتمعاتنا حتى في عصورنا الحالية، فإن التركيبة العامة والشاملة للمجتمعات الشرقية، حتى وإن اختلفت كثيرًا عن الماضي فهي تركيبة دينية إلى حد كبير، يتضح ذلك من عبارات التدين الشائعة على الألسنة، ومن التبرك باسم المسيح أو الصلاة على محمد – عليه الصلاة والسلام – وغيرهما الكثير من مظاهر النزعة الإيمانية المتأصلة في نفس الإنسان الشرقي، التي حتى وإن قلت مع الزمن وأثرت فيها عوامل عديدة سياسية كانت أو اجتماعية أو بتأثير الفكر الغربى فهي قوية متركزة على عوامل عديدة أيضًا تمنعها من الفناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد