(…) قتيل، (…) منزل مدمر، (…) مفقود، لا تسأل عن الأرقام؛ فهي غير مهمة وغير موجودة، وإن وجدت فهي غير حقيقية، فالحقيقة تحت التراب.

لا تختفي المقاييس والأزمنة والأمكنة إلا إذا زرت الجحيم، غادرت هذه النقطة المنكوبة من العالم الذي لا يعي ما حصل فيها إلا ما بثته وسائل الإعلام من أرقام، مجرد أرقام فقط، ولم يسأل أحد عنها بعد ذلك؟! غادرتها قبل سنة، فرحين بتحرير يفتح الأفق وينشر السلام والحبّ والوئام، بعد أن عاش من عاش فيها قُرابة الثلاث سنين، بل مات فيها ثلاث سنين ثم بُعث علّه يجد الحياة، بعد أن ذاق شظف العيش وقسوة الحياة وذلّ المعيشة، وفقد الكرامة وأبسط ما يقيم به صلبه الإنساني والروحي. ثلاث سنين جعلت من عاشها مهما كان صغيرًا أم كبيرًا هو مشروع كاتب سيناريوهات ومؤلف أفلام لا توصف إلا بالإثارة. جعلت منهم كتّاب روايات تراجيدية مأساوية حلموا أن يُنهوا ما فُرض عليهم بنهايات سعيدة مفعمة بأمل الحياة، ونهضة الجواد، وصحوة السبات الذي طال أمده، لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن دجلة الخير.

من ذكرى أيام الجحيم، أنك إذا كنت مجاورًا لأحد عناصر تنظيم الدولة المقاتلين منهم أو المناصرين، ولم يكن وقتها سراب ماء يلوح في أفق صحراء العطش، أو رسم طعام حتى لو كان قد دُرس، كانت تأتيهم سيارة نقل المياه والطعام توزع لهم بالمجان؛ فيخرج ذلك الجار المسكين في لحظة ضعف أمام صورة طفله الرضيع الباكي من معركة الأمعاء الخاوية، متذللًا لهم متوسلًا أن يمنحوه شربة ماء أو قطعة خبز، فيجابه بالشتائم والإهانات؛ فهو غير منتم لهم وغير مناصر.

وذكرى ثانية تعنّ على البال عندما ثقبوا جدران المنازل في المدينة من منزل لآخر؛ لاتخاذها ممرات تنقل آمنة لهم. فجعلوا الحيّ منزلًا كبيرًا متعدد الغرف. ومما يذكر ولا يمكن أن يمحى، عندما كانت القوات العراقية تقترب من حيٍّ معينٍ قصد تحريره، كان أهالي ذلك الحي يغلقون أبواب منازلهم عليهم؛ حتى لا يتسلل عناصر تنظيم الدولة إلى بيوتهم وتتخذهم دروعًا بشرية، فما كان يكون من تلك العناصر المجرمة إلا وتأتي بسيارات «لحيم» الأبواب وتسد الأبواب وتصكّها على الأهالي داخل المنزل؛ كي لا يخرجوا إلى القوات المحررة.

إن كل ما سبق من هذه الذكريات لا يُشكل شيئًا في زمن تلك الأيام الغابرة، ولا يشكل فصلًا واحدًا من فصول الجريمة التي ارتكبت بحق هذه المدينة.

قبل أيام زرت الجحيم لأول مرة، زرت أكثر المناطق تضررًا، مررت على أحياء كاملة كانت قبل سنة من الآن تعجّ بآلاف العوائل، مررت بأماكن خاوية على عروشها بعد أن كانت عامرة بمنازل عمرها آلاف الأعوام وملايين الذكريات وعشرات الحضارات. مررت على المدارس ومن ضمنها مدرستي الابتدائية التي قضيت ست سنوات خلت من عمري على مقاعدها، فلا المدرسة مدرستي، ولا ما بقي من الجدران استقبلني، ولا المقاعد عرفتني، مررت بجانب جثتها هامدة على الأرض تشكو إلى بارئها جريمة قتلها.

مررت بمدينة طب الموصل، كبرى مدن الطب في العراق، بل في الشرق الأوسط تحولت بمشافيها، ومختبراتها، ومصارف الدم فيها، وكلياتها ومعاهدها إلى ثلاجة للموتى على طول مساحتها. مررت على المآذن المهدومة والمنائر المنسوفة والمساجد الممحوة والكنائس المصلوبة. جثث ما زالت على الأرض ملقاة يرفضون دفنها كي لا تنبت الحياة على سطح قبرها وتعود المدينة إلى سابق عزّها. مخلفات حربية ومقذوفات لم تنفجر بمئات الآلاف غير معدودة ولا محصية.

دار في مخيلتي من سكن الدّيار ورحل، دار بي الزمن عودًا لأيام السير في الأزقة القديمة، واللعب على الآثار البهيجة. مررت بأقوام تغيرت صورهم وأرواحهم، سألتهم ما سلككم في سقر وقد كنتم من المصلين، وكنتم تطعمون المسكين وتكرمون اليتيم؟! قالوا لم نك إلا مواطنين لا حول لنا ولا قوة تنصرنا، فجثمنا فوق ركام منازلنا نرجو فرجًا من خالقنا. فالجانب الأيمن من مدينة الموصل لم يعد للسكن صالحًا، ولا يوجد من يمد يد المساعدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فالسلطات المحلية والمركزية، بل حتى الدولية، ضربت بمأساته عرض الحائط قائلين: يكفيكم فخرًا أنكم خضتم أكبر معركة بعد الحرب العالمية الثانية نيابة عن العالم!

سؤال دار في ذهني وأنا أعبر إلى الضفة الثانية، ألم يكن تجنب ذلك كلّه ممكنًا؟ ألم يكن بالإمكان أن ينجو الأطفال؟ ألم يكن بالإمكان أن أرى النساء اليوم تزغرد في هذه الأحياء كسابق العهد وما مضى من الزمان؟ ألم يكن بالإمكان أن أرى الشباب والشيب والرجال تملأ أسواق هذا الحي؟ ألم يكن بالإمكان تجنب الجحيم وبقاء الجنة في هذا المكان؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك