الوطن.. كلمة رسخت في قلوبنا ونقشت في أذهاننا منذ الصغر، الوطن، هو الملاذ الذي تعلمنا الاعتزاز به وحبه، هذا الوطن الذي لطالما قدسناه وتربينا على قيمه، الذي نشأنا من تاريخه وعاصرنا حاضره وأي حاضر مخز هذا الذي بتنا نعيشه.. نحن نحب هذا الوطن لكن هل يحبنا هو بدوره؟

المغرب.. بلادنا الغنية بثرواتها وميزاتها، بموقعها الاستراتيجي وثراء موروثها الذي يجذب اليها السياح من كل بقاع العالم، وحفاوة سكان لم ينالوا من بلادهم غير التعاسة والشقاء.. ولا زالوا يحبون هذا الوطن.

يحبون هذا الوطن الذي أكرم وزراءه ونوابه الذين لم يكملوا حتى دراساتهم  فـ100 نائب برلماني لا يتوفرون حتى على شهادة البكالوريا، بينما 4799 عضوًا في مجالس الجماعات بلا تعليم أصلًا في الوقت الذي يذل فيه موظفوه الحائزون على شواهد عليا بين الإجازة والماستر والدكتوراه في شوارع العاصمة لمعادلة شواهدهم بما يستحقونه من أجور ولاسترداد كرامة باتت تداس عليها بالأقدام بين أروقة المصالح الإدارية.

ويفرض على شبابه العاطل نظام يبادلهم في مقايضة رخيصة الحق في الشعور بالامن والاستقرار مقابل وظيفة بالتعاقد تجني على ما تبقى من كرامتهم.. فالأستاذ الذي يتم تبجيله واحترامه والاعتراف بقدره في الدول المتقدمة يقابل في بلادنا بالعصا و«الزرواطة» وخراطيم مياه من الحجم الكبير لفض احتجاجاته في ليلة 23 من مارس (آذار) الدامية .

دماء الآلاف من الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد (وإن كنت أتحفظ على كلمة فرض لأنهم هم من قبلوا في البداية بهذا الحيف) أهدرت في شوارع الرباط.. آلاف الأساتذة تركوا وراءهم أقسامًا مكتظة بتلاميذ حرموا من دروسهم يواجهون شبح السنة البيضاء إذا ما استمر الحال على ما هو عليه ولا حل يبدو في الأفق، ففي مقابل تصعيدات الأساتذة هناك تعنت حكومة أغلقت عينيها وصمت آذانها عن أحوال البلاد.

تطبيق سياسة التعاقد التي أوصى بها البنك الدولي قد تكون ناجعة في دول الغرب حيث تضمن حقوق المواطنين ولا يضطرون إلى انتزاعها بالقوة كما هو الحال عندنا، قد تكون ناجعة في دول الغرب حيث يتلقى العاطلون مساعدات مالية من الدولة في حال توقفوا عن العمل لا في بلاد تتبرأ من مواطنيها تحت سياسة «عوم بحرك»، هذه السياسة قد تكون فعالة في دول الغرب حيث يفوق راتب الاستاذ باقي الأجور في القطاعات الأخرى باعتباره أساس تكوين المجتمع، لا في بلاد تكافئ عملهم بأجور هزيلة بالكاد تمضن لهم مستوى عيش متواضع.. هؤلاء الأساتذة لا زالوا ينتفضون من أجل تحقيق مطالبهم ولا زالوا على العهد صامدين.

في بلادنا الحبيبة هذه، يرمى بالصحة إلى الهاوية، حيث قلة المستشفيات وخصاص الأطر الطبية وانعدام وسائل الكشف والعلاج داخل أسوار مستشفياتنا الهزيلة تقنيًا، مستشفيات لا ترقى إلى معايير الصحة الدولية مستشفيات تعمل وفق «système D» والذي يعرفه موظفوها جيدًا بـ«système dépannage» مستشفيات تعج بمرضى بالكاد يجدون لهم سريرًا فيها وأحيانًا يضطرون إلى أخذ مواعيد بعيدة بسنوات لعدم استطاعة التكفل بحالاتهم.

في بلادنا يناضل الطبيب الذي أفنى شبابه وربيع عمره في الدراسة من أجل المعادلة الأجرية، من أجل تحسين جودة القطاع، من أجل الكرامة، من أجل الإنصاف، فمنذ سنوات والأطباء يدخلون في اضطرابات متوالية لعل أهم مطالبها تخويل الرقم الاستدلالي 509 بكامل تعويضاته والزيادة في عدد المناصب المتاحة للتخصص، أجور الأطباء في القطاع العام تتنافى مع العمل الجبار الذي يقومون به تتنافى مع عدد المهام التي توكل إليهم تتنافى مع الالتزامات التي تحمل على عاتقهم والتي تفوق طاقتهم أحيانًا.

مستشفيات بلادي تحاول أن تسد ثغرة تخصصاتها بطلبة الطب الذي لم يكملوا تكوينهم الطبي بعد والتي ترمي بهم إلى مراكز صحية ومستشفيات في مناطق نائية بمنحة هزيلة جدًا بدون أي إطار قانوني أو تأمين صحي ضد المخاطر وتضعهم في مواجهتها بدون مشرف عليهم، يحملون كامل اللوم عن منظومة صحية فاشلة ويواجهون سخط العامة من تدني مستوى الخدمات الصحية وغالبًا ما تطالهم اعتداءات تمس كينونتهم وكرماتهم الإنسانية.

أما طلبة الطب الذين يخوضون إضرابًا مفتوحًا منذ يوم الثلاثاء الماضي رفضًا لسياسة الخوصصة وإدماج طلبة الكليات العمومية في مباريات الداخلية والإقامة، والذين يحاولون فك التباس وغموض سياسة التكوين الطبي الجديدة والتي لم يفصح عن نظامها وأساليبها بعد، طلبة لا يعرفون إلى أين سيؤول مصيرهم في وطن يهضم حقوق أبنائه، ناهيك عن ضعف التكوين الطبي في المستشفيات الجامعية التي بالكاد تكفيهم، وأما الوزير فقد باع الكلية العمومية لصالح «أولاد العاقة».

الممرضون المزاولون منهم والطلبة يحتجون هم ايضا ضد سياسة التعاقد التي أصبحت تطال وزارة الصحة، سياسة تتحجج بخصاص الطاقم التمريضي لتدخل من هب ودب الى القطاع في وقت ينتظر فيه آلاف خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة العاطلين من ممرضين وقابلات وتقنيين ومروضين الوظيفة العمومية التي تعتبرهم الحلقة الأضعف في المنظومة الصحية.

إلى أين سيؤول المصير؟ فالتعليم والصحة اللذان يعتبران الركيزة الأساسية للتقدم يقبعان على شفير الهاوية والقرارات الوزارية التي باتت تأخذ طابعًا ديكتاتوريًا لا يأبه للشعب تنهال علينا كل مرة بقانون جديد فتارة إلغاء مجانية التعليم، وتارة أخرى خوصصة قطاعات أصبحت الدولة تتهرب من حمل مسؤوليتها وغيرها الكثير من القوانين التي تزيد جراح وطننا غورًا.

ولا زال إعلامنا الرخيص ينقل إلينا مظاهرات العهدة الخامسة بالجزائر وينسى احتجاجات استرداد الكرامة في بلادنا، ولا زال يبث إلينا السهرات الغنائية والشيخات كأنه يتهكم بسخرية على ما آلت إليه أوضاعنا.. يحتفل باحتضار وطننا.

وطني هذا جريح ينزف، وطني جريح يحتضر، ولا يسعنا إلا أن نغني النشيد الوطني الجديد «في بلادي ظلموني» لنرثيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد