مهما صرختِ عاليًا ردة فعل وحقًا فطريًّا بعد حرق طال أبناءك في حفرة من حفر أرضك، وأحيانًا عن طريق يكون الموت آخره في أحد أنهارك بغرقهم بعد محاولة للفرار بإسلامهم من بطش البوذيين الوثنيين، ومهما ذرف رجالك مجتمعين الدموع وإن كانت بلغَت حد البِركة حسرةً على ما ضاع، دنيويا وإلا فكلٌّ مجازًى عند الله ولعل البكاء حق طبيعي.

وسواء استنجدوا بالإنسانية ودعاتها أم لم يفعلوا فلن تنصت الصماء البكماء العمياء – لكي أكون منصفًا إلا القليل من الجمعيات الإنسانية الحقوقية وغالبًا غير الحكومية – لأنك ببساطة بضعٌ من أمة الإسلام هذا الدين الذي ينتشر بسرعة جنونية تملأ قلوبهم يومًا على يوم حقدًا وغيظًا وهذا الأمر ليس بغريب على كلِّ من ملك ذرة يقين بوعد الله بالاستخلاف في الأرض والتمكين لهذا الدين في غير ما موضع من كتابه الكريم وعلى لسانه رسوله الصادق الأمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل الله به الكفر» رواه أحمد . 

مينمار عليك أن تعرفي أنني هنا لا أحاول حثك على الصبر والثبات وتذكيرك بوعد الله ولا أبتغي ذلك أبدًا، لأنك وبحمد الله أبنتِ عن مدى حجم الإيمان الذي مَنَّ الله به على أبنائك من المسلمين رغم كل محاولات وعمليات الاستئصال الممنهجة من طرف عباد الأصنام، إن ما تعيشونه انطلاقًا من القليل الذي يصلنا يذكرنا بقصة أصحاب الأخدود ومعاناة الصحابة في المرحلة الأولى من الإسلام على يد مشركي مكة، يذكرنا ببساطة بالابتلاء الذي يتعرض له كل من ابتغى لنفسه السير على خطى وصراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، منهاج الأنبياء والأولياء والمصلحين، قال تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ»، وكما يقول الإمام عبد السلام ياسين «وإنها لمَئدبة من الله ما أكرمها، ولا ينهج منهاج النبوة من لم يصبر كما صبر الأولون ويعمل للذي عملوا»، وكل هذا وسط مشاهدة وصمت المجتمع الدولي.

 وأنا هنا أحاول تعرية حقيقة هؤلاء بلفت الأنظر ولو قليلًا، فخد على سبيل المثال تفجيرات «11 سبتمبر» فأنتِ لست منهاتن لتقوم قائمة منظمة حقوق الإنسان ولا تقعد على مثل عمل إرهابي وغير إنساني مثل هذا، ولست مدريد  لتستحق موجة تفاعل الإعلام الدولي المتحامل واستنكار المجتمع الدولي المنافق الصائح عاليًا في وجه هذا «الإرهاب» أو لنقل على هذا الذي يسمى «الإسلام» – حتى نسمي الأمور بمسمياتها – ولست متحفًا يوهوديًا للفن في بروكسيل لتجلبي صلواتِ كل الأديان المليئة بألوان اللعن لهذا الدين الذي لم يكتف بمعاداته لها فقط بل عادى الفن وكل ما هو جديد.

 لست النرويج أو بروكسيل أو نيس لست باريس لتصلك أشكال متنوعة من التضامن من دعاة التقدمية في عالمنا العربي وسط تعالي التأكيدات على حقيقة «الإسلام السياسي» – هذا ما نحذر منه! لسان حالهم يقول – بوضع أصبع الاتهام على الظلام والرجعية والتخلف أي الإسلام، وغير ذلك من عشرات الأحداث في مختلف المناطق التابعة للحضارة الغربية، وأخاف إذا ما ربطت الأمر بما هو جغرافي أن يزل لساني فأقول: «كل من ينتمي للقارة الأوروبية والأمريكية» أن تحتج البوسنة والهرسك مذكرة صنيع مجرمي الصرب فيها من تقتيل واغتصاب وتعذيب في حربهم الصليبية بشهادة وزير الإعلام في الحكومة الصرب آنداك فيليبور أوسكويتش: «إن الصرب هم حملة لواء الحروب الصليبية الجديدة لإنقاذ أوروبا من الإسلام، وأن بلاده تحارب مؤامرة إسلامية للسيطرة على العالم» إنها الحضارة التي تحتكم إلى منطق الغاب فلا تعترف إلا بصاحب القوة وإن كان لا ينتمي إليها، أما الضعفاء فمصيرها كما مصيرك يا مينمار – أعي جيدًا أنه يوجد فيك روخيين سفاحين كما مسلمين مستضعفين وأنا أخاطب الطرف الثاني –  كما هو مصير بلاد الشام التي تعرف انتهاكًا صارخًا لميثاق حقوق الإنسان بغياب المروءة والرحمة من بشار وجنوده وحلفائه برمي شعب أعزل بالبراميل الكيماوية المحرمة دوليًا.

 وبما أن كلمة نفاق أصبحت ملازمة للمجتمع الدولي فلا استغراب ولا تعجب على هذا الصمت، فهم الذين صمتوا على جرائم اسرائيل في حق الشعب الفلسطيني طيلت عقود خلت ولا يتوارون عن الطعن في حق انتفاض الشعب على المستخرب المستوطن ويظهر الأمر جليًا في الهرولة إلى تصنيف حركة حماس في خانة الإرهاب، ولا شك أنك إن كنت تملكين «ذاكرة التاريخ» سوف تتذكرين كيف صنعت أمريكا صدام البعثي وكيف دخلت بعدها إلى العراق وصنعت قبلها طالبان فإلى أفغانستان لامتصاص خيرات المسلمين كما فعل آباؤها الأولين بأفريقيا وآسيا والأمريكتين بقتل ملايين البشر وإقبار حضارات تحت التراب واستعباد البشر، وهم نفسهم  الذي زكوا انقلاب العسكر في الجزائر على الديمقراطية وما خلف ذلك من مجازر – رحم الله إسلاميي الجزائر الشهداء – التي أفرزت صعود حزب إسلامي إلى سدة الحكم وبما أنهم يملكون «فوبيا» من الإسلام السياسي فعلوا ذلك وتكرر الأمر مع انقلاب عسكر مصر على أول رئيس شرعي لمصر محمد مرسي.

  فهل تحترم بهذا الحضارة الغربية المادية الشعارات التي طالما تغنت بها وافتخروا بترجمتها إلى واقع؟، والجواب هو لا، لأنه إذا تعلق الأمر بدولة من الدول النامية – خاصة التي تعترف بإسلامها في دستورها – قلبوا معادلة جون لوك حول دولة الحق الذي تبنى حسب قوله: «يجب أن يشرع ممثلو الشعب القوانين، ويقوم الملك والحكومة بتطبيقها» يقلبونها بدس أياديهم وحشر أنوفهم في مستعماراتهم السابقة وجودًا التابعة لهم حاضرًا سياسيًا، والتي وصل إلى ما وصل إليه من تقدم وازدهار حضاري من خلال نهب خيراتها كما يقول المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري «التقدم الغربي هو ثمرة نهبِ العالم الثالث، وأن الحداثة الغربية لا يمكن فصلها عن عملية النهب هذه». 

إنهم بهذا لم يخرجوا عن خط آبائهم الأولين في كيفية النهب وأخد الخيرات والثروات الطبيعية على مستوى الممارسة وتركوا القيم لتكون مجرد شعارات نظرية، تركوا أقوال الخطيب الإغريقي شيشرون المُبدع لمفهوم الإنسانية باعتبارها فلسفة  تدور حول الإنسان، وتركوا أقوال الرِّواقي سينك الذي قال «إن الإنسان شيء مقدس بالنسبة للإنسان»، وصحيح أنهم تبنوا هذه القيم على مستوى الشعار والخطابات ولم يتعدوها إلا أن الممارسة شيء آخر فقد أضافوا كلمة «الغربي» ليصبح الشعار الحقيقي المرفوع «حقوق  الإنسان الغربي» وما دون ذلك فأرقام وإحصائيات تتواجد ما تحته بأشواط حيثُ الدُّون، أي أن أبناءك يا مينمار لا يعدون أن يكونوا أو يتواجدوا ما تحت حقوق حيواناتهم على أقل تقدير فقد تستيقظ إنسانيتهم من أجل حيوان كان قِطًا أو كلبًا تعرض للضرب وسوءُ المعاملة لكنهم لن يتحركوا عندما يرون الفيديوهات المرئية والصور التي قد تدور حول جر طفل من أطفالك من عنقه على التراب، أو رمي العشرات في حفرة نار أو تناوب على اغتصاب مسلمة موحدة روغينهارية، أو تقطيع أعضاء جسد رجالك عضوا عضوا وهم أحياء فقط لأنهم مسلمون. 

إنها ازدواجية في التعاطي مع القضايا ونفاق بواح بين الشعارات المرفوعة ومدى سرعة التحرك أو بطئها وغلق الأعين وفتحها، وإن اعترفت الأمم المتحدة بأن روهينغا أكثر الأقليات اضطهادًا على مستوى العالم، فيا حسرة على الإنسانية كفلسفة مركزها الإنسان بصرف النظر عن لونه، عرقه أو دينه لأن من تقودها حضارة مادية تسير به إلى الخراب في انتظار الأمل، والأمل هو الإسلام خاصة المتمثل في الحركات الإسلامية الحاملة «رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته» كما يعبر الأستاذ عبد السلام ياسين، والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد