على أعتاب الجامعة يقف كل منا متأهبًا مفكرًا متحيرًا يقف متأملًا على شاطئ بحر كبير يتوجب عليه أن يخوض غماره ويكبد أمواجه ويسبح إلى شاطئه الآخر. فمنا من يهابه ويخافه ويرجع ولا يعود، ومنا من يخوضه مكرهًا عابثًا متضجرًا ومنا من يخوضه في قارب الأمل وشراع التفاؤل يبحر بين أمواجه باسمًا ومبتهجًا. مستمتعًا بجمال الماء وزرقته وصفاء السماء وعذوبة الهواء ورقته، فينهل من خيره ومن كنوزه الكثير والكثير. على أعتاب الجامعة صنوف كثيرة من البشر والناس فمن أيهم أنت؟

محمد المتميز

محمد طالب متميز والده طبيب مرموق. يتمتع محمد بتفوق ملحوظ في الرياضيات، لقد حصل على ترتيب عالمي متقدم  في أحد الاختبارات الدولية في الرياضيات. ولقد خطط والده وقرر أن يلحقه بكلية الطب.

اندهشت كثيرًا وسكت لبرهة لما يلقى على مسامعي. ترددت قليلًا ثم صرخت أليس من الإجحاف أن يدفع طالب متميز عالميًا في الرياضيات دفعًا لدراسة الطب؟ إن التميز في علم الرياضيات وهو من العلوم التي تحتاج إلى قدر كبير من الذكاء التحليلي والمنطقي لا يرشح صاحبه ليكون متميزًا في دراسة علوم البيولوجيا والتشريح وغيرها من العلوم الحيوية.

فرد علي صديقي العزيز أن هؤلاء الأولاد ليسوا قادرين على الاختيار الصحيح للتخصص العلمي والمستقبلي، وأن دورنا هو ليس التوجيه والإرشاد والدعم بل هو الاختيار في حد ذاته.

نور الدين العبقري

لم يشفع لابني نور الدين سبعة عشر ربيعًا في أن يملك حقه في تقرير مصيره واختيار تخصصه فقد هاتفتني والدته لتحدثني عن إنجازها الكبير «أقنعتلك ابنك إنه يدخل كلية طب الأسنان ويطلع دكتور». لقد أقنعت الأم الابن باختيار موفق. لم يكن يخطر ببالي أن تتطوع زوجتي وتقوم بهذا الدور الخطير في هذا الوقت الحرج من حياة ابني.

تذكرت حينما كان يسألني سؤالًا بسيطًا وبصيغ مختلفة ومتعددة: بابا أنت هتدخلني ايه؟ بابا انت هتعمل إيه معايا؟ بابا أنا هروح فين؟

وأحيانًا كانت تقوم أمه بدور هام في ذلك فتظهر اهتمامها الشديد به وتسألني من طريق آخر: أنت مفكرتش هتعمل إيه مع نور؟ أنت مارستش على حل في موضوع نور؟ أنت هتدخل نور إيه؟

لم أكن أملك إلا الصمت كإجابة ولكن إصرارهم على تكرار السؤال ذاته أشعرني بالحيرة الشديدة.

كيف يسأل هذا السؤال عن مصير إنسان في الحياة؟

إن هذا الإنسان هو كيان له ميوله ورغباته وله أيضًا قدراته ومهاراته ومن خلال دمج هذه المكونات جيدًا يمكن أن يستكشف هذا الإنسان ذاته وإمكاناته وأن يختار ما يحب وما يريد وما يستطيع أن يصنع فيه نجاحًا أو إنجازًا أو مستقبلًا.

ضمير مبني للمجهول

كيف تحول هذا الابن إلى ضمير مبني للمجهول يدخله أبواه إلى كلية كذا أو تختار له أمه مجال كذا وكذا أو يشير عليه من حوله بأن يكون في وظيفة كذا وكذا وكذا فهي وظيفة مرموقة و… و… و…

لست أدري كيف سرت تلك الرغبة المجحفة في قلوب الآباء والأمهات وكيف ادعوا لأنفسهم حق اختيار تخصص أبنائهم وسلبوا أبناءهم أهم خيارات حياتهم، ولأن الأبناء مطيعون ومؤدبون فقد تنازلوا طواعية أو حرجًا أو اختيارًا عن ذلك الحق الأصيل.

إن آراء الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأصدقاء والصديقات هي رغباتهم هم وأحلامهم هم ومكنونات نفوسهم هم. يختارون لأنفسهم فيتصور أحدهم نفسه مكان ذلك الطالب أو يتمنى لو كان مكانه ليختار تخصص كذا وكذا.

إن هؤلاء المدعين جميعًا ينظرون لأبنائهم وبناتهم بعين الذات للذات وليس بعين الناصح المراقب لشخص آخر مختلف تمامًا عنهم في الملكات والقدرات والآمال والأحلام والتصورات. وسيعيش في عصر قادم غير عصرهم وسيتعامل مع أشياء لم تتَح لهم واختراعات لم يشاهدوها ولم يعرفوها.

 

حق تقرير المصير

أبناؤنا ليسوا نسخًا كربونية منا، وليسوا حاضرًا نعلمه، وندركه، ونقيمه، ونديره بكل اقتدار كما نعتقد. أبناؤنا ليسوا واقعنا فنرسمه كما شئنا. هم مستقبل مختلف متغير تمامًا. أبناؤنا ولدوا أحرارًا لماذا نسجنهم في جدران أمانينا وأحلامنا وأهدافنا وغاياتنا.

أطلقوا أرواحهم وفكوا حصارهم ليسوا صغارًا كما نعتقد هم أكبر منا وأقدر على قراءة أنفسهم ومعرفة آمالهم وتحديد قدراتهم هم أنفسهم ولسنا نحن. ألا يكفينا تلك الطباع التي أورثناها لهم وهي سجنهم ولا فكاك منها طوال عمرهم. دعوهم ينسجوا أحلامهم وإبداعاتهم ويبنوا آمالهم كيفما أرادوا. دعوا عقولهم تفكر وتزهر وتنبت أحلامًا وآمالًا كما يريدون. أعطوهم حق الاختيار حتى يتعلموا كيف يكون الاختيار وحتى يتذكروا أننا منحناهم حريتهم كاملة واكتفينا بمراقبتهم من بعيد.

 

نحو اختيار مسئول وموفق

لقد بذلت ما في وسعي لأقوم بتحييد تلك الضغوط التي تلقى يوميًا على مسامع ابني. وأن أضعه وحده أمام ذلك السؤال الذي يجيب أن يجيب عنه بنفسه ولنفسه فقط. هل تخصص طب الإنسان هو ما تريد وما تحب فقال «لا ولكن يمكن أحبه بعدين». سكت ثانية ثم وقد وجهت له تلك النصائح الآتية:

1- استمع لمن حولك لكن لا ترَ بعيونهم ولا تسمع بآذانهم.

2- ادرس ما تحب وما تجد فيه نفسك ومتعتك وتوظف فيه جيدًا مهاراتك وقدراتك.

3- يا بني إنها دراسة وعمل وحياة اسأل نفسك هل ستحب ما تعمل وتعمل فيما تحب اسأل نفسك «هل سيكون عملي هو متعتي وهوايتي وشغفي؟

4- هل سينطبق علي القول «إنك ستنجح إذا عملت فيما تتقن ولكنك لن تبدع إلا إذا عملت فيما تحب».

5- لا تهتم كثيرًا بكلام الناس فالناس ستنسى أمرك ويتركونك وحيدًا تواجه اختيارك وتتحمل نتيجة قراراتك.

6- لا تجرِ وراء ألقاب الوظائف فالألقاب وحدها لا تعني النجاح والألقاب وحدها لا تعطي السعادة.

7- أن تواجه والديك الآن وتقنعهم بما تحب خير من أن تستسلم الآن وبعد عامين تقول «أنتم الذين أجبرتموني لأدخل هذا التخصص».

8- قرارك قرار سنين طويلة وعمر ومستقبل فارسم أنت مستقبلك ولا تدع غيرك يرسمه لك.

9- هناك كثيرون يذهبون إلى أعمالهم متضجرين وممتعضين وتعساء وآخرون يسعدون بالذهاب إلى أعمالهم فرحين ومبتهجين مستمتعين وسعداء فمن أي الفريقين ستكون أنت؟

10- لا تقارن نفسك بأي أحد فبصمة أصابعك لا تشبه أي بصمة أخرى في العالم.

 

التطبيق العملي

مستقبلك وحياتك متوقفة على سويعات من التفكير الجاد فابدأ بها وكن على قدر المسئولية. إن اختيار مجالك وتخصصك ومستقبلك يحتاج أيضًا إلى تعلم خطوات عملية منظمة ومحددة واتباع طريقة تفكير عملية حتى تتمكن من أن تسلك الطريق الصحيح عليك أن تتبع القواعد الآتية وتتعلم جيدًا كيف تكتشف نفسك وذاتك وتحدد شغفك وآمالك من خلال دراسة المواد الآتية دراسة واعية ومتعمقة:

1- كيف تختار مجالك د. طارق السويدان.

2- خطوات لاختيار مجالك.

3- كيف تختار تخصصك بعد الثانوية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات