في البداية، نحنُ نلتزم بأن كتابة هذه السطور، لا تعدو كونها آراء شخصية تمتح من ذات مشاهدة، ولا ترنو إلى تشكيل نصِّ دعائيٍّ مغرضٍ أو مستترٍ لسلسلة «عوالم خفية»، كما أنها ليست رؤية نقدية تحاول التركيز على التقنيات الفنية أو اللغة التصويرية، فهذا ليس من اختصاصنا، بقدر ما هي اكتفاء بالوصف والتحليل، حسب ما بدا لنا سيخدم الموضوع المحوري لمقالنا، الذي سنعرض من خلاله ذلك الشوق إلى صحافة مستقلة ومسؤولة وجادة.

تسلسليًّا، «عوالم خفية» عملٌ دراميٌّ تدور كل حلقاته حول محاولة الصحافي هلال كامل، الذي يشتغل في صحيفة معارضة: نبض الشعب، أن يتوصل إلى شتى الخيوط التي تقوده إلى النيل من كل رموز الفساد، وإعادة فتح قضايا قد خلت وحسم فيها القضاء، وظُنَّ أنها أغلقت إغلاقًا. ولعل كل ذلك ينهلُ من مذكرات الفنانة مريم رياض، التي كتبتها قبل اغتيالها، نظرًا لتوفرها على معلومات مهمة وملابسات يحاول بعض أعلام «الدولة العميقة» في مصر طمسها بالمطلق، بيد أن كل مخططاتهم تُجهضُ عندما تسقطُ المذكرات في يد هلال كامل بالصدفة، فيسعى جاهدًا إلى تفكيك كل شفرات المذكرة وألغازها، وتحديدًا سيميائية تلك الحروف، التي تحولت من مجرد حروف منطوقة إلى آلات مولدة للمعاني «ف.ر/ ي.ع/ م.م/ص.ض…»، وساهمت مفصليًّا في مجريات الأحداث دون استغباء للمشاهد.

إن بلوغ الأدلة بغية إماطة الحجب عن كل قضية على حدة، كلفَّ هلال كامل ثمنًا باهظًا، بيد أنه تمكن رَغم كل الضغوط والصعاب، من إسقاط كل وزراء الحكومة الحالية في المسلسل، لتورطهم في جرائم خطت عليها السنين، من قبيل بيع الأدوية الملوثة، تعذيب الأطفال، تجارة المخدرات، بيع أعضاء اليتامى والمعوزين بالغصب، استغلال المناصب لأغراض شخصية، الإرهاب الديني، وكذلك الاغتيال القسري، ما يبينُ قدرة الصحافة على كشف ما عجزت السلطات عن الوصول إليه.

هلال كامل شخصية أقرب إلى المثالية، تتحلى بكل قيم التفاني، والحب، والتسامح، والرحمة إنسانيًّا، فضلًا عن النزاهة، والجرأة، والمصداقية، والموضوعية مهنيًّا. إن مبادءه فاقت كل اعتبارات المال، وإغراءات الجاه، وسطوة السلطة. لقد أبى أن يكون طيِّعًا للنظام، واختار أن يكرس قلمه لنصرة المظلومين والمغلوبين على أمرهم في المجتمع المصري. لقد أبان في السلسلة عن احترافية عالية، وسرعة بديهة في العمل الصحافي، إذ كان يجري تحقيقات تنقب بعمق بطريقة أقرب إلى تحقيقات المخابرات والأجهزة الأمنية. هو لم يكن يعلم في البداية أن الجريدة التي يشتغل فيها مشكوك في تمويلها، وأن من يمولها في الخفاء هم أولئك الذين يبحثُ عنهم تحديدًا، والذين كانوا مستفيدين في البداية من مقالات هلال المزلزلة لأغراضهم الانتخابية، قُبيلَ أن يأتي الدور عليهم ويزيلهم من المشهد السياسي، ويزج بهم في السجن، عبر التنسيق مع الأمن الوطني في شخص الضابط رؤوف هاشم، ومساعدة اللواء منصور.

إن هذه السلسلة الدرامية بهذه الحقيقة تصبو إلى تبيان إمكانية الزواج الشرعي والمشروع بين السلطة الأمنية والسلطة الرابعة (الصحافة)، وما لهذا الزواج من دور في خدمة الصالح العام والشأن المجتمعي، والقضاء على الفساد السياسي والريع الاقتصادي، وذلك طبعًا يتجلى في قدرة الصحافة على أن تنأى بنفسها عن التحيز المطلق للجهاز الأمني في الدولة، والاكتفاء فقط بالتعاون والتشارك البَنَّاءين، إذ إن هذه العلاقة لا تقصي لا المهنية ولا بند الضمير، ولاسيما هذا الأخير الذي خول للصحافة في «عوالم خفية» أن تتحلى بالموضوعية الكلية والمصداقية الشمولية، التي لا تجرد الإعلام من أهدافه النبيلة أبدًا. ففي كل حلقات السلسلة لوحظ لجوء الصحافي هلال كامل للضابط رؤوف هاشم، واللواء منصور، وقسم المباحث والعكس، ويمكن للكل أن يستشف مدى مساهمة هذا الالتقاء في رفع السرية عن بعض الوثائق في حوزة السلطة، كما أدى إلى الوصول للمصادر والمعلومات بسرعة بالغة، وتطويق كل الأزمات ومحاصرتها، ولعل هذا تحديدًا ما كان له الفضل في إسقاط كل رموز الفساد، فضلًا عن الحفاظ على التسلسل المنطقي لأحداث القصة الدرامية وحبكتها.

إن الصحافة ظهرت سلطةً قائمة الذات، وقوة مرعِبة لكل المتورطين في قضايا الفساد، وكذلك السلطة التنفيذية والتشريعية، ولعل ما يعضد هذا القول عدول هلال كامل عن الكشف عن مصادره دون قيود أو شروط، ناهيك عن طريقة الحديث التي ينهجها المسؤولون الكبار في الدولة خلال حوارهم المباشر مع هلال، وكيف يتصببون عرقًا ويبدو عليهم الارتباك، ولربما هذه فكرة محمودة تكسر الصورة النمطية حول الإعلام العربي، وتحاول ببصيص أمل أن ترسم صورة مثلى له. وطبعًا كل الدول لديها شكل من أشكال الصحافة المهنية والجادة، إلا أنها عربيًّا تعاني من معضلة الرقابة الذاتية، وهذا ما يجعل أنه حتى الآن لم تتمكن أي دولة عربية بعدُ من توفير مناخٍ ديمقراطيٍّ وحداثيٍّ في مجال الإعلام، وفشلت في خلق متنفس للحرية، ومرونة في الوصول إلى المعلومة، بالرغم من وجود النصوص القانونية والتنظيمية لذلك.

إن القوة الضاربة لهذا العمل، تكمنُ في واقعيته، ليس معنى ذلك أنها أحداث واقعية تحولت إلى عمل درامي، بل إننا نقصد بالواقعية ذلك البناء المنطقي للأحداث، وتسلسل القضايا، وبعده عن المثالية، وهذا الشكل من الأعمال يحترم ذكاء المشاهد، ويترك له الوقت للتفكير، ولا يمده بالأحكام الجاهزة، هذا بالإضافة إلى التزام رسالة المسلسل بالحياد المطلق، إذ لم نلاحظ أي محاولة لتسويق أفكار معينة على حساب أخرى. وعليه، يمكن عده عملًا جيدًا شكلًا ومضمونًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد