تقُول الكاتبة الراحلة، أمريكية الأصل، هاربر لي: «أنا لا أُحِبّ أن أقرأ! فهَل يُحِبّ أحدُنا أن يتنفَّس!»

وكمَا قيلَ قديمًا، فإنَّ خَيرَ الكَلامِ ما قَلّ ودَلّ. فقد يُنفِقُ أحدُنا أطنانًا مِن الوَرَق، وبراميل من الحِبر، وعُمرَين كامِلَين؛ حتَّى يُبَيِّن ماهيَّة القراءة وأهمِّيَّتها، ولكنني أعتقد أنَّ فلسفَة القراءة تصُبّ ضِدّ الإسراف في كُلّ شيء. حتَّى في اللُّغة.

هاربر لي، في الاقتباس السابق الذي لا يتعدَّى العَشر كلِمات، لخَّصَت كُلّ الحِكاية. بلا تعقيد، بلا فذلكة. واعتقادي أنَّ القراءة لم تُوصَف، ولن تُوصَف، حسبَما أرى، بكَلِماتٍ أشدَّ قوَّة وبساطةً وتعبيرًا من تلكَ الكلمات عظيمة الوزن.

إنَّ أهميَّة القراءة، في اعتقادي، تكمُنُ في أنَّ القراءة ليسَت حالةَ حُبّ، على الرَّغم من أنَّ كثيرًا من القُرَّاء يتبَاهَون بِـ«حُبِّهِم» للقراءة، وإذا سُئِلوا عن شغَفِهِم وحُبِّهِم يُجيبُون، رُبَّما، بلا تردُّد: القراءة!

ولكِنَّ الحُبّ يُعَدُّ إحساسًا سخيفًا جدًا إذا ما قُورِنَ بالمُقَدَّس. والقراءة مُقدَّسة. هِيَ أشبَهُ ما تكُون بالطَّقُوس الدِّينيَّة أو رقَصَات الدراويش، حيثُ يذوبُ الجُزء بالكُلّ. هكذا يجِبُ أن يذُوبَ القارىء في الكِتاب، لِذا، تكُونُ القراءة هُنا أقربَ للمَوتِ مِنها للحُبّ، أو مِثلما قال الرُّومي في وَصفِ المُقَدَّس: «هكَذا أودُّ أن أموت في العِشق الذي أُكِنُّهُ لك: كقِطَع سُحبٍ، تذوبُ في ضوء الشَّمس».

تُذيبُ القراءة الحاجِزَ بين الغَيب والشَّهادة، بين الحياة والمَوت.

أكثَرُنا قرأَ العِبارةَ المأثورة: «القراءة حياة»، ولكن مَن مِنَّا تأمَّلها كَما يجِب! وفهِمَها على وجهِها العَميق؟ القراءةُ، في ضُوء تلك العِبارة، هِي مِثل جميع الطقوس الروحانيَّة، لا تَرضى بأقَلّ من أن تَفنى بِها؛ حتَّى تَهَبَكَ نفسَها. فالتعريف الدقيق للقارىء هُو:إنسانٌ فَنِيَ بينَ دَفَّتي كِتاب، فصارَ حياةً تمشِي على قدَمَين بين النَّاس. بذلك، وبذلك فقط، تكُون القراءة حياة.

الإنسان الذي لم يَفن، ولم يتوَحَّد مع الكِتاب، هُو في الحقيقة ليس قارئًا، هُو مُجرَّد واهِم، مُحِبّ للقراءة لا أكثر! ما أكثر المُحِبين، وما أندَرَ القارئين.

يقُول الرُّومي في رباعيَّاتِهِ: «حينَ أمُوت، لا تقُل هُو ميِّت! قُل: كانَ ميتًا، ثُمَّ عاد إلى الحياة». هذَا هُو الكائِن الروحاني، هذا هُو الإنسان الحقيقي، هذا هُو القارىء.

أعتَقِد أنَّ هذا بالضَّبط، هُو ما رَمَت إليهِ الرَّاحِلة «هاربر لي» عِندَما قرَنَت القراءة بالنَّفَس. إذا أردتَ أن تعرِف إن كُنتَ قارئًا حقيقيًا أم لا، فيَجِبُ أن تكُون علاقتُكَ مع القراءة مِثلَ علاقتِكَ مع أنفاسِك! هَل تُحِبُّ أنفاسَك؟ هل تُحِبُّ دقَّات قلبك؟ هل تُحِبُّ دموعَك؟ بالطَّبع لا! أنت تجاوَزت حالة الحُبّ مع هذه الأشياء إلى حالة التوَحُّد التامّ والكامِل معَها. هيَ أنت، وأنت هي.

هُنا تكمُنُ أهميَّة القراءة، هِيَ تصقُلُك، تُعَرِّفُ أنَاك.

القراءة هِيَ الرَّحِمُ الحقيقيّ الذي يجِبُ أن تَخرُجَ مِنه إلى سعَة الحياة الحقيقيَّة. يالَبُؤس أولئِك الذين لم يُولَدوا حتَّى الآن! لا عجَبَ أنَّهُم يرَون «حياتَهُم» جحيمًا. لا عجَبَ أنهُم يشتكُونَ كثيرًا، من أنفُسِهِم ومن أعمالهِم وأشغالهِم. هُم في الحقيقة عَدَم، والعَدَم ضيِّق، ضيِّقٌ جِدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القراءة, كُتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد