(التقوى ها هنا) ويشير الحبيب المصطفى بيده الشريفة إلى صدره.

قومٌ قلوبهم كأفئدة الطير، هكذا قلب الصوفي بين الجمال والجلال بين الذكر والفكر بين التأمل والانشغال برضا محبوبه بين الحب وخشية إغضاب معشوقه.

اعلم أن نفس ابن آدم مختصرة من العالم، وفيها من كل صورة في العالم أثرٌ منه.

وكما قيل في المثل المشهور: إن النفس كالمدينة واليدين والقدمين وجميع الأعضاء ضياعها، والقوة الشهوانية واليها، والقوة الغضبية شحنتها، والقلب ملِكها والعقل وزيرها، والملكُ يدبرهم حتى تستقر مملكته وأحواله، لأن الوالي وهو الشهوة كذاب فضولي مخلط، والشحنة وهو الغضب شرير قتّال خراب، فإن تركهم الملك على ما هم عليه هلكت المدينة وخربت.

فيجب أن يشاور الملك الوزير ويجعل الوالي والشحنة تحت يد الوزير، فإذا فعل ذلك استقرت أحوال المملكة وتعمرت المدينة.

وكذلك القلب يشاور العقل ويجعل الشهوة والغضب تحت حكمه، حتى تستقر أحوال النفس ويصل إلى سبب السعادة من معرفة الحضرةالإلهية، ولو جعل العقل تحت يد الغضب والشهوة هلكت نفسه وكان قلبه شقيًا في الدنيا والآخرة.

كما أن للقلب مع عسكره أحوالًا وصفات، بعضها يسمى أخلاق السوء، وبعضها يسمى أخلاق الحسن، فبالأخلاق الحسنة يبلغ درجة السعادة، والأخلاق السيئة هلاكه وخروجه للشقاء.

كما يفسر ذلك السادة الصوفية بالمقامات والأحوال.

قال بعض شيوخ الطريقة في الكشف عن الخواطر: الخاطر على أربعة أوجه، خاطر من الله عز وجل وخاطر من الملك وخاطر من النفس وخاطر من العدو، فالذي من الله تنبيه، والذي من الملك حث على الطاعة، والذي من النفس مطالبة الشهوة والذي من العدو تزيين المعصية، فبنور التوحيد يقبل من الله وبنور المعرفة يقبل من الملك وبنور الإيمان ينهى النفس وبنور الإسلام يرد العدو.

واعلم أن للنفس من النور والملائكية: الفهم وإعمال العقل والرحمة والتسامح والعفو والحُلم والحنين إلى النور الأعظم الذي جاءت منه.

ومنها نار الشيطنة: الغضب والحقد والغل والحسد والجوع والشهوة والمكر والحيلة والغش وغير ذلك.

ولها من طينتها: الآلية والتكرار والجمود والرتابة والقصور الذاتي والخمول والكسل والعجز عن التغيير والتثاقل والتهابط.

ولها من الروح: الحرية والشفافية والانطلاق والابتكار والإبداع والجمال والخيال.

ولها من أخلاق البهائم: الأكل والشرب والنوم والنكاح.

وإذا تأمل الواحد منا نفسه في موضوعية شديدة ونظر إلى باطنه في حياد مطلق، فإنه يلاحظ أنه في حالة تذبذب دائم بين هذه المراتب من لحظة لأخرى ومن يوم لآخر، من نور إلى نار إلى بشريته إلى روحانية إلى حيوانية، وسر نفس الإنسان في قابليتها تمثل هذه الأدوار العالية والسافلة. قال ابن عطاء: خلق الله الأرواح قبل الأجساد لقوله تعالى: (ولقد خلقناكم) يعني الأرواح ثم (صورناكم) يعني الأجساد. وقليلٌ من يثبت على حال.

والأحوال مواريث الأعمال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال. والنفس كالفرس والعقل كالراكب، والقلب من عالم الملكوت والحواس مخلوقة لهذا العالم. ولذة القلب المعرفة، وكلما كانت المعرفة أكبر وأكثر كانت اللذة أكبر.

واعلم أن مثل القلب كالقصر والمعرفة فيه كالسلطان والعقل أميرٌ على الأركان له تبع وأعوان، واللسان ترجمان، والسر من خزائن الرحمن، ولا بد لكل واحد منها من الاستقامة في مواضعه، ودوران كلها على استقامة السر مع الحق، فإذا استقام القلب استقامت النفس وإذااستقامت النفس استقامت الأحوال.

وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه. والقلب سيد الجوارح تصلح هي إن صلح. قال الذي لا ينطق الهوى: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح. ومن كان داخله صحيح كان ظاهره مليح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد