كيف ساعدت الصوفية الأنظمة الحاكمة في قمع الشعوب العربية

منذ اندلاع ثورات ما تسمى بالربيع العربي، ازدادت الحكومات العربية في تحريف المسارات السياسات الخاصة بها لإحكام قبضتها على الشعوب من أجل الحفاظ على الكرسي لأطول فترة ممكنة، حاولت هذه الحكومات إيجاد وسيلة لقمع الشعوب، دون أن تلفت الأنظار نحوها، فلم تجد سوى طريق كان معروف قديمًا – العشق الصوفي – لاستغلاله وتوجيهه عبر الدراما الرمضانية للقيام بالمهمة التي حققت نجاحًا ساحقًا، واستطاعت من خلاله في وقت قصير إحكام السيطرة المطلقة على عقول الشعوب باستثناء القليل من رجال العلم والبحث والتدقيق اللذين حالوا بشتى الطرق توضيح الأمور الملتبسة على العامة وما يترتب عليها من ضياع لحقوقهم وحريتهم التي تكفلها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية.

تسببت هذه الحرب السياسية المنطوية تحت غطاء – التصوف الإسلامي – المنتشر عبر الدراما بكثرة خلال السنوات القليلة الماضية، في ضياع الوعي لدى الغالبية العظمى من الشعوب العربية، حتى أنها لم تعد قادرة على تحديد أهدافها بشكل واضح كما يحدث في دول العالم الأول، وأصبح كل ما تعرفه هو كيفية طاعة الحاكم بشكل لفت انتباه الولايات المتحدة الأمريكية التي سارعت إلى استخدام الطريقة نفسها لخدمة مصالحها ضد الدول العربية.

 

الصوفية في السياسة الأمريكية

قبل أن يشق العرب طريقهم نحو الصوفية السياسية، كانت الإدارة الأمريكية على دراية مسبقة بالقضية فكلَفت مركز نيكسون للأبحاث لعقد ندوة تضم عددًا من أقطاب الصوفية عام 2004، كان الهدف منه هو فهم التصوف وتفعيل دورة في السياسة الخارجية الأمريكية.

تطورت فكرة الولايات المتحدة حتى وصلت إلى دعم الصوفية بشكل مباشر لعدة أسباب أولها: إظهار الجانب السلبي في بعض الطرق الصوفية لتشويه صورة الإسلام وتحريفه عن قواعده الثابتة التي لا غبار عليها، بغرض إنتاج إسلام جديد خالي من الشوائب لكي تُسهل عليهم السيطرة على الأمة المترابطة وتٌمكنهم من العبث بمقدراتها وشعوبها دون بذل مجهود أو الخوض في حروب تكلفهم مليارات الدولارات.

 أما الهدف الثاني: هو نشر صورة سلبية عن الإسلام لدى الشعوب غير المسلمة وخاصة مواطني الولايات المتحدة، حتى لا يدخلوا في الإسلام الصحيح.

لم تتوقف الحرب الفكرية ضد الأمم العربية الإسلامية عند هذا الحد فقط، بل ازداد الحقد الأمريكي نحو الشعوب العربية بمساعدة قادتها وحكامها، التي اتجهت لدعم الوهابية في المملكة العربية السعودية، حتى أصبحت ذات قوة كبيرة، لكنها خرجت عن السيطرة، فلم يجدوا غير التهمة المنتشرة بكثرة في الوقت الحالي والتي تلتصق دائمًا بالمخالفين في الرأي سواءً كان سياسيًا أو دينيًا الإرهاب، وبدأت الحرب المعلنة ضد الوهابية بمساعدة الحكومة السعودية التي تعرضت لضغط هائل آنذاك من قبل القيادة الأمريكية، حتى المساعدات التي كانت تقدمها المملكة قديمًا لدول آسيا الوسطى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي التصقت بها تهمة دعم الإرهابيين ونشر الوهابية.

 

الصوفية في السياسة العربية

التصوف فكرة إنسانية فريدة، ومتجردة لسمو ذات الفرد، وتنعكس على المجتمع، واعتبرها البعض تيارًا إسلاميًا له مميزاته، وليست حكرًا على حضارة أو دين بعينه؛ لأنها تختص في ظاهرها بقيم إنسانية مشتركة، ويعتقد عوام مُريدي الطرق الصوفية في عصرنا الحالي بأن التصوف الإسلامي هو عِلم له مذاهبه ومدارسه ومناهجه ومشاربه، ويختص بالتعبد والزهد والتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وتَحلِيَة أنفُس العباد بالأخلاق ومَحَبَة الله، وتربية النفس وتزكيتها، ويتجنب المنهيات، وكتبت حول التصوف عشرات بل مئات المؤلفات والكتب، وأضحى عِلم بذاته، وله شيوخه ومرجعياته التي تقدم التفاسير والشروحات في الزهد وتزكية النفس والتجرد من حب الذات لصالح تذوق حب الله، ولصالح الجماعة أو المجتمع.

ولعل الكثير من أقطاب الصوفية يصفون منهجهم بأنه يهتم بالأخلاق ويبتعد عن السياسة، ولا يتدخل أيضًا في الأمور السياسية وصراعات الحكم أو قمع الشعوب وتضليلها، بينما يقول خصومهم أو منافسيهم عن التصوف بأنه لعب دورًا في دعم الحكام والملوك والسلاطين، وأنه عزز شرعية العديد من الطغاة والمستبدين في المشرق العربي، وأنه حاد عن مدارسه ومناهجه، وأنه تصدر قمة هرم التصوف أئمة ارتبطوا بوشائج مع السلاطين وبلاط الحكم، وأنهم انحازوا لطرف سياسي على حساب طرف آخر، وأنهم تولوا مناصب إدارية عليا في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في مصر، وسوريا، والعراق، واليمن، ومنهم من تولى مرتبة وزير، وتولى بعضهم قمة هرم مشيخة الأزهر الشريف لمرتين خلال العقود القلية الأخيرة أو مفتي الجمهورية أو منصب قاضي القضاة.

ولوحظت مؤخرًا مظاهر التقارب بين مرجعيات التصوف في مصر والشام ومنظومة الحكم في تلك البلدان، وتجلى هذا التقارب أثناء مشاهد قمع خصوم السطلة الحاكمة، ولوحظ إبعادهم بعض الشيء عن مناخات الحُكم خلال فترات الوئام والهدوء التي سادت بين الأنظمة ومعارضيها.

وبالمجمل يلاحظ توافر مناخات الاستئناس بين السلطات الحاكمة ومدارس وطرائق التصوف في المشرق العربي، ونرجعه إلى عدم توافر مطامع نحو تولي زمام الحكم لدى أئمة المتصوفة، ولا يُثير حفيظتهم من تولى الحكم والسلطة، وتثار ثائرتهم حال تولي الحكم حركات إسلامية لها مناهج وطرق لا تروق للمتصوفة، ونرى المتصوفة على وفاق تام مع العوائل الحاكمة أو المجالس العسكرية الحاكمة أو التيارات الشعبية والقومية والاشتراكية الحاكمة في المشرق العربي.

والمتتبع لتصريحات أئمة التصوف يرى جلهم رافض لفكرة وجود علاقة بين الدين والسياسة في الإسلام، وعوامهم ترفض التحدث في الشؤون السياسية، ورغم هذا الرفض ترى أن موقفهم هذا يعتبر من السياسة، ويشغل حيز سياسي ضخم في مجال العمل السياسي، ويُشَكِل تصورات عامة تنعَكِس على استمرار سكون حراك الشارع باتجاهات داعمة لمؤسسات الحكم الفردية، وتعزل فئة كبيرة من الشعب عن الشأن العام، وتعزز مناخات التفرد، وتسهم في تصدير خطاب ديني تستغله السلطات أثناء التنكيل بخصومها.

ويتهم البعض المتصوفة بلعب دور معيق لنهضة شعوب المشرق رغم ما يحمله من إثراء للبيئة الثقافية والفنية وتزكية وسمو للذات والنفس، وَتُتَهَم المتصوفة بالبِدَع وتَقديس الأولياء والتَبَرُك بالسادة الصُلاح والأولياء وزيارات الأضرحة والتَبَرُك بها، ومنحها خصوصية دينية.

 

الصوفية في الدراما

قبل أن ندخل في سياق الصوفية في الدراما، علينا توضيح أسباب ظهور الصوفية في الدول العربية، وقد لا نختلف جميعنا أن من أهم أسبابها التخلف وتكبد الهزائم المتتالية والصراعات المنتشرة فيما بيننا، خاصة في القرن الثالث والرابع الهجري بداية الظهور الأول للعزلة الصوفية التي تطرق إليها بعض الزهاد الذين اتخذوا سفوح الجبال خلوة لهم، ولعل الكثير من أتباعهم كان لديهم أسبابهم الغير واضحة في الانتماء لهذه الفئة القليلة آنذاك، ربما كان بعضهم يسعى إلى الهروب من ضغوط الحياة إلى خلوة بعيدة عن أعين الناس، يتوفر فيها الطعام والشراب وكل متطلبات الحياة المتقشفة والأهم أنها في معزل عن الحياة العامة وضجيجها الذي يعكر صفوهم.

ولا يمكن لنا اختزال الحديث عن التصوف خلال عهود تراجع حضارة الأمة، بل شكل المتصوفة من الزهاد الأوائل طليعة صفوف المرابطين على الثغور، وتجمعوا من مجمل أقاليم المشرق الإسلامي قرب الحدود مع أعداء الأمة في شمال أفريقيا أو في أراضي الأتراك قرب بيزنطة، وأسسوا لهم مدنًا جديدة وتجمعات بشرية وفق نظام عسكري واقتصادي لم يُعرَف من قبل، وأطلق عليها المؤرخون اسم مُدن الثغور، ومارسوا العمل العسكري المسلح ضد الغزاة والمحتلين، وعملوا خلال تلك الفترة في حقل الدعوة إلى الله في داخل أقاليم أواسط وغرب أفريقيا وجنوب شرق أوروبا وبلاد القوقاز، وشكلوا مجتمعات نابضة بالحياة قرب الواحات والممرات الجبلية ونقاط التوتر مع الغزاة، وأهتموا بزراعة الأرض وعملوا بالتجارة، وأُطلِق على حصونهم تسمية الأربطة، وتصدرت هذا المشهد قبائل الغُز السلاجقة في بلاد التُرك، ومارستهُ الحركة السنوسية في ليبيا وشمال أفريقيا خلال نهايات القرن التاسع عشر إلى جانب العمل العسكري والإقتصادي.

أما الناحية الدرامية فتم استغلالها جيدًا خلال الفترة الماضية_، وأنتج عدد كبير من المسلسلات والأفلام السينمائية المُكلفة، وكان جل أهدافها هي تجميل صورة الحكام، وتحريم الخروج عليه حتى وصل الأمر إلى أن عددًا من شيوخ المملكة العربية السعودية، نشروا فتاوى تقول: لا يجوز الخروج على الحاكم حتى وإن زنى في العلن أو شرب الخمر.

كانت الأعمال الدرامية السابقة تحاول بطريقة غير مباشرة توجيه الشعوب نحو طاعة الحاكم بصورة عمياء، وتحذرهم إلى عدم الخروج عليه مهما بلغت درجة الظلم، ولعل المسلسل الأخير العاشق.. صراع الجواري، المذاع عبر فضائية أبوظبي قبل شهر ونصف، كان أكثر صراحة، حيث كان واضحًا منذ نشر البرومو الخاص به، أنه موجه سياسيًا لتشويه صورة المعارضين والمختلفين في الرأي مع الحكام، بل ازدادت حدة التشويه حتى طالت الثوابت الدينية وأصول العقيدة الراسخة التي لا غبار عليها؛ مما يحقق ترابطًا واضحًا بين سياسة الصوفية في الدول العربية، والمخطط الأمريكي الذي بدأ عام 2004، فهل يمكننا القول إن الثورات العربية التي حدثت جميعها بدأ التخطيط لها منذ ذلك التوقيت؟

أعتقد أن الإجابة تكون لا، لأن الثورات العربية جميعها كانت في بدايتها ثورة شعبية حقيقة، اندلعت نتيجة الظلم والقهر وفساد الأنظمة والحكام، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى لعبة سياسية استغلتها الدول الغربية بمساعدة قيادات عربية لا زالت متربعة على عرش الحكم حتى الآن، سخر هؤلاء الحكام كل إمكانيات دولهم من أجل قمع ثورات الربيع العربي، وكانت النتيجة أنه بعد سنوات قلائل عادت الأمور إلى سابق عهدها رغم استبدال الوجوه، وحتى لا تتكرر مثل هذه الفعلة القبيحة الثورة، بدأ تنفيذ المخطط الدرامي لتغييب عقول الشعب الثائر المتدين بالفطرة.

كان من المستحيل أن يسيطر الحكام العرب على شعوبهم بطريقة أخرى غير التي استغلتها أمريكا مسبقًا الصوفية السياسية، لأن الشعوب العربية رغم أنها ناضجة بما يكفي لاستيعاب ما يحاك ضده، إلا أنه عنده الحديث معها بـقال الله وقال رسول الله، تجدهم أشد ضعفًا وأكثر تعاطفًا وطاعة، بسبب حبهم لله ولرسوله المنقطع النظير.

 

الخلاصة

رغم كم التشاؤم الذي يحيط بالغالبية العظمى في المجتمع العربي الصهيوأمريكي، إلا أنه لا زال هناك الكثير من المفكرين والمثقفين اللذين كشفوا ما يحاك ضد أوطانهم مبكرًا، وهرولوا إلى منصات التواصل لنشر المعلومات التي تؤكد حقيقة ما يحدث داخل الطرق الصوفية التي لا نعرفها، من أجل توعية شعوبهم وإنقاذ أوطانهم والدفاع عن دينهم، وبالرغم من حملات الاعتقال الواسعة التي شنتها الأنظمة الحاكمة ضدهم، إلا أن فكرتهم استطاعت أن تصل إلى عقول المهتمين من الأمة وبخاصة الطلاب والشباب الذين سارعوا إلى تطويرها وإخراجها إلى النور.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصوفية التي نعرفها جميعها باتت خطرًا يهدد المجتمعات ويدمر الشعوب، بالعكس تمامًا، ما نعرفه من الطرق الصوفية المنتشرة في القرى والمدن وتتغنى بالمدح والعشق في اعتقادي أنها ليست لها علاقة بالصوفية السياسية الموجهة لقمع الشعوب، بل إنه بات هناك صراعًا واضحًا بين الطريقيتين، الأولى يدافع عنها دراويشها ونقباء حضرتها، والأخرى يدافع عنها أقطابها المعينين من قبل الحكام، وشتان بين الطريقين، حيث سلكت الأولى طريقها نحو قلوب الملايين، والأخرى كتبت على نفسها الهلاك مبكرًا، ولعل ما حدث من ردود أفعال حول المسلسل الأخير العاشق.. صراع الجواري الذي أذاعته قناة أبوظبي كان خير شاهدًا على أن الصوفية أصبحت طائفتين لا يختلفان عن السنة والشيعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد